|

قصة قصيرة بقلم :
د.مادلين حنا
لم
تتحمل الكلمات التى سمعتها من زوجها قبل انصرافه من المنزل ..
لم تصدق أن الإنسان الذى تعرفه مثلما تعرف نفسها يمكن أن يقول ما قاله ..
وضعت يدها على رأسها فى محاولة للتأكد هل هى فى كامل وعيها أم أنه مجرد كابوس
مزعج ..
كيف لم تتمالك نفسها و ترد عليه ؟؟ ..
كيف و لماذا و متى و أين و عشرات الأسئله انحشرت فى حلقها فلم تخرج ..
كيف شل لسانها فلم ينطق ؟؟ ..
كيف شل جسدها فلم تتحرك ؟؟ ..
أخيراً قامت من على الكرسى الوثير فى الصاله الواسعه بعد أن استغرقت حوالى ساعة
كاملة لامتصاص الصدمه
كانت لا تزال مصدومه و هى تدور فى
أنحاء المنزل فى عصبيه قبل ان تستقر بغرفه النوم القديمة الكبيرة لتجلس أمام
المرآه منهاره و هى تقول لنفسها : كيف طاوعته نفسه أن يقول هذه الكلمات ؟؟ ..
كيف طاوعه قلبه لينسى كل ما كان ؟؟ ..
كيف طاوعه لسانه لينطقها ؟؟ ..
هل سيتركها هكذا فجأه .. بدون مقدمات .. بدون أسباب ..
رغم كل ما قاله من عبارات لم تفهم منها إلا حقيقة كانت أشبه برصاصة مباشرة فى
القلب ..
سيتركها ليتزوج بأخرى لأنها لم تعد تصلح له لأنه وجد فتاه أحلامه و كأنه شاب
يبحث عن عروسه ..
تذكرت و هى تضحك فى سخريه وسط دموعها كل ما قاله من مبررات لتخفيف الصدمة عليها
من أنه بالطبع لن يتخلى عنها و عن أولاده و بأن الزواج ليس عيباً و هذه هى سنه
الحياه وحقه الشرعى الذى لا ينازعه فيه أحد طالما هو قادر مادياً و ملتزم
بالعدل مع تشديده لأن يطلب منها ألا تغضب متحججاً بعض عبارات المديح الشبيهه
بالرثاء قبل أن يغادر المنزل فى سرعه بعد أن أطلق رصاصته و ترك ضحيته تنزف ..
مسحت دموعها و تلاحقت أفكارها و اشتعل عقلها و هى تقول لنفسها :
هل سيتركها حقاً بعد سبعة و عشرين عاما من الزواج الناجح الذى أثمر عن أربعة
أبناء ناجحين ؟؟ ..
هل هذا جزءا حبها و صبرها و كفاحها و خدمتها وتربيتها ؟؟
هل هذه هى النهايه لمشوارها الطويل ؟؟؟ ..
بالتأكيد هناك ما هو خطأ فيها ..
الحب و الحنان و الرعايه و الوفاء و التربيه و الصبر ربما لا تكفى ..
بالتأكيد وجد فى غيرها ما لم يجده معها ..
ربما تكون مجرد نزوه لفتاه صغيرة جميلة لم تنتهى على خير ..
هى تعرف جيداً أنها لم تعد نفس المرأه الجميلة التى كانت لأن الإنسان لا يمكن
أن يعادى الزمن أو يتكبر عليه .. كل البشر سيكبرون و يشيخون لكن هل يفكر هو
حقاً بهذا المنطق ؟؟؟
وقفت أمام المرآه تنظر لصورتها المنعكسة بنظرة يغلب عليها الحزن .. تأملت
ملامحها .. تحسست وجهها بيديها .. الجبهه البيضاء التى تنسدل عليها خصله من
الشعر ..
الأنف الطويل المستقيم ..
الفم الصغير ذو الشفاه الرفيعة الذى يخفى ثلاثة ضروس محشوة و اثنان صناعيان ..
الخدين المحمرين من الإنفعال الذى تشعر به الآن ..
العنق الطويل ..
تأملت جسدها فى نظره فاحصه ..
اسدلت شعرها الطويل الأسود الفاحم الذى تتخلله تلك الشعرات البيضاء التى تعتز
بها و لم تلونها فى عمرها منذ أن رأتها لأول مره منذ خمسة عشر عاماً رغم
زيادتها و زحفها على ما حولها من لون أسود جذاب ..
خلعت نظارتها الطبيه الذهبيه ووضعتها أمام المرآه فى اهمال لتدقق النظر لعينيها
فى المرآه .. مازلت عينيها
الواسعتين السوداوين جميلتين رغم الإجهاد البادى عليهما و الهالات السودء
المحيطة بجفونها
التفتت فى انزعاج لصورة يديها فى المرآه و التى كانت تضعها على وجهها ..
التجاعيد غزت ظاهر يديها و التشققات ملأت باطنها ..
انزعجت و أزاحت يديها بعيداً فى عصبيه لتفاجأ بمزيد من التجاعيد قد وصلت لوجهها
و تحت جفنيها و حول عينيها و عنقها ..
قالت لنفسها فى تساؤل حذر: هل مضى قطار العمر بهذه السرعه؟؟ هل أصبحت حقاً عجوز
؟؟
خيل إليها أن صورتها فى المرآه تنظر إليها و تبتسم فى سخرية و تقول لها : ألم
تدركى بعد ؟؟ أنت الان عمرك تسع و أربعون عاماً و ثمانية أشهر أى أنك على مشارف
الخمسين ..
ستصبحين جده بعد ثلاثة أشهر عندما تلد ابنتك و الله أعلم متى تحمل زوجه ابنك
التى تكرهك بلا أسباب لتأتى لك بالحفيد الثانى ..
هل تعتقدين أنك لازلت امرأه جميلة؟؟ أنت واهمه ..
الان هو لا يفكر فيكى كامرأه و لن يفكر فيكى أبداً لأنك انتهيتى كامرأه .. ارضى
بدورك كما يريده الرجل .. الأم و ربه المنزل فقط .. دعى الحياة تستمر و لا
تفتعلى المشاكل بعد كل هذا العمر الطويل ..
بعد سبعة و عشرين عاما من الزواج من حق زوجك أن ينظر لغيرك ..
فكرى بموضوعيه .. ما يمر به زوجك ليس نزوة أو مراهقه متأخره .. انه الان رجل
أعمال ناجح ووسيم و ثرى و حلم لكل الفتيات الصغيرات .. لم يعد ذلك التاجر
المكافح صاحب المتجر الصغير الذى تزوجتيه منذ أكثر من ربع قرن و انت الان لا
تصلحين له .. إن أى رجل الآن لا يعيبه تقدمه فى السن طالما أنه ثرى .. انه لا
يزال فى الخامسة و الخمسين فقط و هو لا يعتبر سناً كبيرا بالنسبه لرجل مثله لا
يزال يحتفظ بجاذبيته هذا غير اسمه و سمعته التى صنعها بثروته الكبيرة ..
انه يحتاج لفتاه شابه صغيره جميلة متحررة تجيد اللغات الأجنبيه لتتكلم فى
البيزنس و التجاره و المصالح عندما يصطحبها معه فى الحفلات و اللقاءات كعاده كل
رجال الأعمال..
اشكرى ربك أنه صارحك بالحقيقة و قال
لكى ماذا ينوى أن يفعل رغم أنه كان من الممكن أن يفعل ما يشاء بدون أن تعلمى
لأنك لا تسأليه و فقدتى اهتمامه بعد أن فقد هو اهتمامك منذ زمن .. اشكرى ربك
أنه لا يزال يحتفظ لكى بمكان فى قلبه و لم يتركك نهائياً و يطلقلك ..
ابتعدت عن المرآه و أدرات وجهها عنها لكى لا ترى صورتها فى المرآه ... للمرة
الثانية تسيل الدموع الساخنه على خديها رغماً عنها ..
قالت لنفسها و هى تمسح دموعها فى حسم : هل حقاً تبكين عليه ؟؟ .. انه لا يستحق
البكاء .. من باعنى سأبيعه .. أنا أبكى على نفسى و حياتى و عمرى الذى راح سدى
..
جلست على السرير ..
مدت يديها لتتحسس ذلك الفراش الذى جمعها معه لسنين طوال .. لم تغير السرير
القديم أو أى قطعة من الأثاث الدمياطى القديم الذى اشتراه لها أخويها لما تزوجت
برغم كل التطورات و التحديثات .. رفضت بإصرار كل محاولات زوجها و أولادها
لتغيير الأثاث القديم بأثاث جديد و توصلت معهم لحل وسطى بأن يوضع الأثاث القديم
بقسم غير ظاهر من الشقة الواسعه و يشتروا هم ما يشاءون من أثاث و أجهزه لكنها
لن تنام على سرير غير سريرها ..
وجدت دموعها لا تزال تتساقط .. قامت و ذهبت لتغسل وجهها الشاحب ..
عادت لتجلس على السرير القديم ..
استعادت ذكرياتها مع زوجها منذ أن تقدم للزواج منها و هى فى اخر سنه بالمعهد
الذى تركته من أجله..
مرت كل الذكريات كنجوم متلألئة ..
تذكرت أول يوم لزواجهما ..
أول شمس صباح تطلع عليهما على هذا الفراش ..
أول زيارات للأهل فى بيتهما ..
أول نقلة مادية فى حياتهما لما فاز
زوجها بعملية تجارية كبيرة فى أول شهر للزواج ..
أول ورشه صغيرة افتتحها زوجها فى أول عام للزواج ..
ابنهما البكر الذى ولد على هذا السرير على يد أمها و حماتها ..
أول منتج من انتاج الورشة و الذى أسماه باسمها باعتبارها فأل السعد ..
الورشة التى كبرت و صارت مصنع ثم مصانع ..
انتقالهما التاريخى من الحى الشعبى الصاخب لشقه على مساحه دور كامل فى أرقى
الأحياء ..
يوم نجاح ابنهما بالثانويه العامه بمجموع كبير و دخوله كلية الهندسة و الزغاريد
التى خرجت منها لأول مره رغم أنها لم تكن تعرف أنها تمتلك هذه الموهبه ..
يوم أن أتتها ابنتها الكبرى لتسألها عن أشياء غريبه تحدث لها و تشعر بها و هى
على أبواب الأنوثه..
يوم أن أتتها ابنتها الكبرى بدموعها و انكسارها بعد أن فشلت فى امتحان الثانوية
العامة لتعيد السنه و تدخل كليه الحقوق بأقل مجموع ممكن ...
يوم أن حقق ابنها الصغير حلمها و دخل كلية الطب و اعتراضها على سفره لجامعه
اقليمية فى محافظة أخرى و بعده عنها و المجادلات الطويلة حول هذا الموضوع و
التى انتهت بسفره ...
يوم أتتها ابنتها الصغرى لتقول لها أنها لن تدخل كلية الصيدلة لأنها تعشق الرسم
و ستسحب أوراقها و تقدمها لكلية الفنون الجميلة و تطلب منها الوقوف معها أمام
اخوتها الكبار و أبيها ..
يوم أن قرر ابنها السفر لأميركا لدراسة شيىء ما لا تعرف اسمه لا يوجد فى مصر ..
حفل الزواج الأسطورى لابنها الأكبر على تلك المغرورة ابنه المسئول الكبير ..
زواج ابنتها الكبرى من المستشار الشاب ابن العائلة التى كان منها رجل حكم هذا
البلد يوما ما ...
تذكرت كيف اختلفت حياتهم عن الماضى .. كيف أصبحوا من كبار الأثرياء ..
كيف ظهرت و تحكمت فيهم مظاهر الثراء ..
السيارات الفاخرة التى يغيرها زوجها و أولادها كل عام ..
علبه المجوهرات الكبيرة فى دولابها و المكتظة بالكثير من القطع و الأطقم
الذهبيه و الماسيه التى دائماً ما تلقتها منه فى كل مناسبه و أحياناً بدون
مناسبه ...
الحسابات البنكيه ذات الأرصده المكونة من أرقام تحتوى على ستة أصفار ..
الشركة الكبيرة .. المصانع الشهيرة ..
أهلهم البسطاء و أقاربهم الذين نسوهم فى زحام رحلة الحياة و الزخم المادى
..
تذكرت كل شيىء و تساءلت فى غضب هادر :
هل نسى كل هذا ؟؟ ..
هل هانت عليه الحياه معى لهذه الدرجه ؟؟ ..
هل أصبحت لا أساوى عنده أى شيىء ؟؟
ماذا سيقول لأولاده ؟؟
ماذا سيقول لأهل زوجه ابنه و أهل زوج ابنته ؟؟
هل سيبعث لهم بكل بساطة كارت دعوه لحفل زواجه على العروسه الجديدة ؟؟ ...
ضحكت بصوت عال عندما تخيلت هذا الموقف لدرجه أن من سمعها و هى تضحك سيقول أنها
كانت تضحك من كل قلبها رغم أنه ضحك مأساوى كالبكاء ...
استمرت تساؤلاتها الغاضبه : هل الزمن يغير الناس أم أن المال هو الذى يغيرهم ؟؟
.. الإثنان معاً .. نعم الزمن و المال هم السبب .. الزمن الذى لم يعد فى صالحها
كامرأة من ناحيه و المال الذى دفع بزوجها ليكون رجل آخر غير الرجل الذى عرفته و
عاشرته لسنوات ..
أيقنت أنها لو واصلت التفكير أكيد ستصاب بالجنون ..
تمددت بجسدها على السرير ..
شعرت ببروده تسرى فى أوصالها ..
قامت لتحضر ما تدفىء نفسها به من أغطيه ..
رغم الأغطية الثقيلة لا تزال تشعر بالبرد ..
شعرت بالباب ينفتح و صوت ابنتها
الصغرى التى حان موعد عودتها من الكليه تناديها ..
لم تقو على القيام من السرير لتفاجأ بابنتها تدخل غرفه النوم و تبدى قلقها لما
رأتها نائمة على السرير و تسألها هل هى متعبه او تشعر أى شيىء ..
تمالكت أعصابها و هى ترد عليها فى صوت مرتعش و منخفض لتطمئنها و تأمرها بأن
تتركها لتنام لأنها متعبه قليلاً ..
طبعت الابنه قبلة على جبينها فى حنان قبل أن تغادر إلى غرفتها لتغير ملابسها ..
فكرت أن تنام لتهدىء نفسها قليلاً لكن كيف تنام و النار لازالت مشتعلة فى عقلها
و قلبها ...
استدارات و تقلبت فى فراشها و دفنت وجهها فى المخده الكبيره لكى لا يشعر أحد
بدموعها التى سالت من جديد مع أنها لازالت تشعر بالبروده فى ساقيها و ظهرها و
ذراعيها ..
احتضنت المخده فى محاولة لتدفئة نفسها أكثر و أكثر .. ...
قالت بصوت أنين خافت و هى تبكى : " يارب "..
شعرت بانفعالاتها تبرد و تنطفىء مثل النار التى سكبوا عليها فجأه ماء ..
مسحت دموعها خوفاً من أن تراها ابنتها لو فكرت فى العودة للإطمئنان عليها و
أغمضت عينيها فى استسلام و لم تدرى كم من الوقت مر عليها و هى على هذه الحاله
..
أخيراً شعرت بالدفء و الهدوء و الراحه ..
أحست بعينيها ترى نوراً أبيض قادم من كل اتجاه ..
أحست بجسدها يسبح فى نهر من النور ..
أحست بأن ما حولها فضاء سرمدى لا نهايه له ..
أغمضت عينيها فى رضا لآخر مرة على هذا الفراش .. |