
قصة
مفيد دويكات*
يوم
جمعة ، وبعد الصلاة
والغداء وقيلولة قصيرة وجد نفسه في فراغ
استبدل ملابسه وحمل بيده مجلة للتسلية
وفي اليد الأخرى حمل عصا من باب الاحتياط
خطر بباله كصديق عزيز على القلب فقرر
التوجه أليه
..
الى كرم "الحمام" كما يسمونه
...........
بعد عشرين دقيقة
كان هناك
اصبح على السفح الشرقي لجبل جرزيم
وسط عشرة هكتارات من الارض تظهر
كمسطيل اخضر
راح يتسكع بين مئات الاشجار المثمرة
اشجار تين ولوز وعنب
وزيتون
بشعور محب حدق الى كل شيء من حوله
ثم اختار زيتونة مخيمة للجلوس في
ظلها الحنون
..........
تعب بصره من التنقل على التلال والسهول البعيدة
والقريبة
كم تغير الحال يا جرزيم ؟
زحف الأعمار على السفح فغطى الصخور
العارية
واختفت بقع التراب تلك التي كانت مشاتل للربيع والزهور
أين بيوت
الشعر وقطعان الماشية
اين اختفى الصيادون والزراع وأنغام الرعاة ؟
وحفيف
أشجار الصنوبر هذا
هل سيختفي لاحقا لتحل محله ابواق السيارت ونداءات
الباعة
؟
فتح المجلة بلب شارد
.........
لم يأتِ الى هنا منذ عامين
تذكرانه
كان يرى من خلال المكان قمة جبل الشيخ
هالة من الثلج تلمع في الأفق
البعيد
وسفوح جبال السلط الأردنية
كانت هناك غيوم في الشمال والشرق حجبت
رؤيته
لكنه رآها
...........
كانت امرأة متوسطة القامة ذات جلباب رمادي
ومنديل أزرق
لم يعرف من أين أتت ولا ماذا تروم
لكن من المؤكد انها أتت من
احد المنازل المتناثرة في المنطقة المجاورة
لعلها تطلب فسحة بين الأشجار مع
مرافقها العزيز
ذلك الطفل الذي لا تصل هامته الى مستوى خصرها
والذي كان يتشبث
بيدها دون فكاك
وهي التي تحدثه بنبرات ناعمة كحفيف الصنوبر القريب
تسلل
حضورها الى نفسه .. سيطر عليه
لم يعد يفكر بغيرها
.............
مع
وجودها اصبح المكان مأهولا بها
ونفسه نسيت كل شيء الا حضورها
تارة يقول
لنفسه الاقيها ..احتك بها
اعرف قصدها
وتارة اخرى يتساءل مالي ولها؟؟مجرد
عابرة هي
!
لكن ماذا تريد؟
كل ذلك وهو يراقبها بعينيه المتوثبتين
لو كانت
بلا صبي يرافقها لعربدت عليه تساؤلات أخرى
.........
توقف فوق رأسها وامعن
النظر اليها وهي منحنية لاهية
كانت تقطف الأوراق من دالية غضة
تنحنح لافتا
انتباهها .. فانتفضت واقفة بذعر
وحدقته بنظرة متسائلة.. وفجأة لانت قسمات وجهها
حتى خيل اليه انها ابتسمت
سألها عما تقوم به فأجابت بانها أتية لأخذ ورق
العنب
ابدى دهشته:
_
كيف تأتين دون اذن ؟
___
انت ابن ابو قاهر
_
نعم
___
أي واحد منهم أنت؟
_
مازن
_
لا تعرفني ؟ جئت يوم عرسك .. قبل سنتين
!
_
لا والله
_
انا مراة ابو
قبل ان تكمل عبارتها تذكرها
صاحبة الدار
الحمراء
قبل عامين في موسم الزيتون أتت لمساعدتهم في القطاف
وذات مرة وهو
يرافق ابيه اثناء الحراثة جاءت حاملة ابريق شاي وصحنا
من الكعك
لكنها كانت أجمل
سألته عن امه وعن اخواته وبالاسم
_
انا شفتك من بعيد فكرتك ابو قاهر . واين
هواليوم ؟
_
راح عمرة هو والوالدة
_
ابو قاهر راح عمرة ؟
_
لما يرجع حق
نزوركم ونسلم عليه
...........
توجهت الى كيس بلاستيكي أسود كان ملقى قرب
الطفل
.
فتحته لتستخرج من داخله ابريق شاي وبضعة كؤوس زجاجية
صبت له الشاي
وهي تقول ببراءة:
_فيه
نعنع ان شاء الله تكون مثل الوالد .. تحبه
_
من يدك
بركة
وحين تعلق الصبي بيدها يريد ان يقبض عل الكأس انتهرته
كان صبيا
رائعا
احس بميل شديد اليه
وذهل
كان يشبه أخاه الصغير "صابر" الى حد
التطابق
نفس الشعرات والانف الدقيق والعينين الواسعتين
نفس الجبهة العريضة
..
كأنهما توأمين
_
اللهم صل على محمد .. ابنك هذا؟
_
والا ابن الجيران
؟
وضحكت ببراءة .. ثم بنبرة جدية قالت
:
_
رزقت به بعد خمس بنات
_
ربي
يخليه.. تعرفي يشبه اخا لي حد التطابق
اهتزت .. وانكمشت ملامح وجهها المستدير..
او هكذا خيل اليه
قالت
_
يخلق من الشبه اربعين
_
سبحانه
!
تمتم وهو
يتناول كأس الشاي من يدها دون ان يرفع عينه عن الصبي
الجميل
وقد بدأت تلوح في
رأسه فكرة مغادرة مكان تواجدها !
===============
*
مفيد دويكات - فلسطين
===============
تعقيب
أخي المبدع مفيد
مفاجأة أن يكتشف أن لأبيه زوجة أخرى أو عشيقة
و المفاجأة الأكبر أن يكتشف أن لع أخا غير شقيق
***
أجدت و أضت أخي مفيد ، معنى و مبنى
سلم يراعك و دمت متألقا
نزار