.

الأدب 1/آ

ضيوف "العربي الحر"

مختارات قصصية

 

 

 

 

 

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

*****

 

المرايا

http://almraya.net/vb/showthread.php?t=27786

الشيخ المفتري

قصة : عبد الهادي شلا  

 

<<قصة فيها الكثير من الحقائق والوقائع ، كما فيها بعض مما اقتضاه النص من خيال الكاتب ..!!>>

          طويل   القامة عريض المنكبين ذو ملامح حادة لكن حزنا كبيرا يمسحها مما يوقع في النفس خوفا وتوجسا وريبة من نظراته التي تتجول في كل مكان بينما هو يحدثك..شخصية تستوقف كبار علماء النفس كي يحددوا ماهيتها وتوجهها.عندما تتأمل وجهه تحس قسوة الأيام ،ولكن إباءه وشممه يستوقفك قبل أن تحاول توجيه أي سؤال شخصي له..فنظرة واحدة من عينيه الواسعتين كافية بأن تلجمك وتجعلك تبتلع بل تنسى ما كنت تريد السؤال عنه.ليس فيه من المشيخة إلا إسمه (الشيخ)..هذا هو إسمه الذي عرفناه به،و لست أدري لماذا شعرت بأن له إسما آخر كان يحمله قبل هذا (اللقب) فكل شيء يوحي بسر غامض في شخصية ( الشيخ).!!؟؟مرات لا تحصى تلك التي مررت بها أمام دكانه الصغيرة التي لا تتعدى مساحتها المترين المربع والتي لها موقع مميز في الشارع الرئيسي بحيث يتسنى له رؤية كل شاردة وواردة تمر من أمامه دون أن يحرك رأسه ، بل إن عيناه تقومان بكل المهمات ونادرا جدا ما يسمع أحدا صوته إلا إذا كان يريد منه أن يصلح له حذاءه، فدكان (الشيخ) فقط لتصليح الأحذية لا تفصيلها أو بيعها جاهزة وذلك لعدم قدرته علي ذلك وهذا ما عرفته بعد أن ترددت على دكانه لثلاثة مرات في ثلاثة أيام متتالية.كنت في الصف الثاني الثانوي حيث كان يترتب على جميع الطلاب إرتداء زي موحد هو قميص رمادي من قماش قوي وبنطال يميل إلى الزرقة من قماش أكثر قوة وخشونة وحذاء برقبة ( بوت أو بصطار).أحببت هذا الزي المدرسي لما يحمله من دلالة الإنتماء إلى الوطن وقدسيته إلا الحذاء الثقيل ذو الطراز العسكري فما أحببته أبدا ولا أحب تلك الأحذية الثقيلة بل دائما أميل إلى الشكل الجميل الخفيف حتى الآن، لذلك فقد خطرت لي فكرة وهي تحويل هذا الحذاء ذو الرقبة إلى حذاء أخف وبشكل أجمل فتوجهت إلى دكان ( الشيخ ) حاملا الحذاء ذو الرقبة كي أجري له عملية (تجميل).!!ترددت قليلا قبل دخول الدكان وذلك لما للرجل من هيبة وشخصية توحي بالعزة والكرامة ورغم صغر سني إلا أنني لم أقتنع بأنه مصلح أحذية بل هو أقرب إلى شخصية مدير عام لشركة كبيرة أو رئيس مجلس بلدي أو قيادي في حزب من أحزاب تلك الفترة ، وفي أقل صورة فهو رجل أعمال جار عليه الزمن بفقدان كل ما ملك بسبب النكبة في العام 1948 ..هذا كان تصوري في ذاك الوقت !!رد التحية بصوت خفيض فيه موسيقي بلهجة مدن شمال فلسطين الساحلية (يافا أو حيفا أو اللد ...) لاقى ارتياحا في نفسي وهو يشير إلى كرسي صغير قبالته يدعوني للجلوس عليه بينما إمتلأ فمه ببضع مسامير صغيرة كان يتناول الواحدة بعد الأخرى ويغرزها في قاع حذاء مقلوب على السنديان الذي أحاطه بركبتيه وهو يثبت المسمار في ( نص النعل ) وينظر إلي وكأنه يستمهلني حتى ينهي ما في يده .أخذت مكاني على الكرسي الصغير وأنا أتابع كل تفاصيل عمله وأختلس النظر إلى وجهه الذي غطاه شعر طويل ناعم موشى بالأبيض حيث كان قريب الشبه مع الممثل الأمريكي الشهير في ذاك الوقت ( جريجوري بيك ) من حيث الهدوء على محياه وشعره الناعم إلا أن (الشيخ) كان شعره أكثر غزارة وأطول.شرحت له ما أريد..قـَلــَّبَ الحذاء بين يديه ووضعه جانبا وقال لي: هذا يكلفك جنيه واحد ( كان ثمن الحذاءالجاهز أو التفصيل في ذاك الوقت ربما أقل من الجنية، ولكنني وافقت دون تردد )..لا أدري لماذا !!؟؟ ربما لأنني أريد أن أعرف المزيد عن شخصية هذا الرجل الغامض كما تصورت.!!أخذ القياس لقدمي اليسرى قبل اليمنى مما جعلني أساله عن السبب، فبدت منه ابتسامه خنقها وقال لي: لأن القدم اليسر أطول من اليمنى..!!؟؟ تعجبت من هذه المعلومة، ولكنني التزمت الصمت .في اليوم التالي مررت عليه حسب طلبه لإجراء بروفة أولى حيث كان قد أجرى عملية تفكيك لكل أجزاء الحذاء ذو الرقبة وأعاده إلى عوامله الأولية تاركا الأجزاء متجاورة بشكل منظم جدا وملفتا للنظر.وضعت قدمي اليسرى مرة أخرى حسب طلبه على قطعة ورق (شمنتو) ورسم حولها بقلم (كوبيا) أزرق بعد أن بلله بطرف لسانه كي يطبع على الورقة بشكل أقوى وأفضل فهذا شيء أعرفه .كنت قد جلست على الكرسي الصغير قبالته في نفس المكان الذي جلست فيه بالأمس،ولكنني أردت أن أخرجه عن صمته، فقلت له وبشكل مباشر وأنا أنظر إلى ملامحه كي أتأكد من صدق رده : هل مهنة الأحذية هي مهنتك الأصلية ؟ وأردفت قبل أن يرد : إن هيئتك لا تدل على ذلك !رمقني بنظرة حتى شعرت بها سكين حاد يقطع قلبي و رد بهدوء ونبرة فيها حزن وقد ترك ما في يده من أوراق رسم عليها قدمي الأيسر وأسند ظهره إلى الحائط من خلفه وقال لي : يبدو أنك ولد غلباوي .. فضحكت في الوقت الذي بدى أنه يريد أن يرد على سؤالي .هل سمعت أحدا من أهلك أو رجال البلد يتحدثون عن رجل أحرق ورقة نقدية من فئة العشرة جنيهات فلسطينية ليشعل سيجارة المغنية العربية الشهيرة (؟؟؟؟؟) !!؟فقلت دون تردد: نعم فقد سمعت هذا في حديث بين رجال في السوق ولكنني لم أفهم ما معناه حيث الأمر لا يعنيني.قال لي: هذا الرجل هو..أنا !!فغرت فاهي من هول القول..إذا فأنا أمام رجل ( مُفـتـَري ) لم يحفظ نعمة المال وعدت إلى هواجسي الأولى وظني بأن(الشيخ) ليس بصاحب هذه المهنة.وأردف قائلا: وليس هذا فحسب، بل كان لي طاولة في أحد مقاهي ( حيفا ) لا يجلس عليها أحد دون إذني و يجتمع حولي الصحب من كل بلاد الشام ومصر وكان لي ( بكرج - غلاية قهوة صغيرة ) مخصوص مصنوعة من الذهب تأتيني بها القهوة لأحتسيها أنا و الراقصة( ؟؟؟؟ ) لوحدنا على طاولتي ،كما أنني كنت أحمل لقب ( ملك الطاولة) فقد كنت ألعب طاولة الزهر بحرفية عالية لا يغلبني أحد حتى أن الذين كنت ألعب معهم كانوا يشترطون أن لا أرمي الزهر من أصابعي مباشرة بل أضعها في فنجان قهوة سادة وأخضها ثم ألقيها في الطاولة كي يطمئنوا أنني لا أتحكم في رميها بالشكل الذي أريد كما كانوا يعتقدون، ولكنها كانت مهارة أتقنتها .قلت في سري (الشيخ) لاعب قمار محترف أيضا ، وقد بدأ يهلوس ويبدو أنه مجنون وما هذا الهدوء والوقار إلا مسحة جنون تلبسته ، وقد خفت أن أمكث أكثر من ذلك لربما تصاعدت معه الحالة فيسبب لي الأذى، فاستأذنته على أن نكمل حديثنا في الغد.بقيت طوال تلك الليلة أفكر فيما سمعته من ( الشيخ ) حتى أنني كنت أرى صورته بين صفحات الكتب وأنا أقرأ دروسي فخيل إلي أن الرجل غير عادي ورغم صغر سني إلا أنني لم أسخر من كلامه بل أظنني قد أعجبت بما روى لي ولكن مع بعض الشك، وبت أطمئن نفسي بأنني في الغد سأعرف المزيد.في نفس الموعد كنت عند (الشيخ) في دكانه وما أن ألقيت عليه التحية حتى استقبلني ببشاشة ما رأيتها في وجهه من قبل وأنا أتلفت في أرجاء الدكان لأرى ما حدث لحذائي ذو الرقبة بعد التعديل والتجميل فلاحظ ذلك مني وقام من مكانه وأخرج حذاءا رائع الجمال وبالشكل الذي تمنيته فصارحته أنني لم أكن واثقا من قدرته على تحقيق رغبتي وما طلبته من شأن الحذاء..فانفرجت أساريره وهو يقدم لي الحذاء بعد ان وضعه في لفافة من ورق الشمنتو(الأسمنت) و أنقدته جنيها ورقيا إلا أنه أعاد لي نصف جنيه وهو يقول لي: هل صدقت ما رويته لك بالأمس ؟فقلت له بأدب : نعم ..فأنت رجل كبير ولا يمكن أن تكذب تربيتي تحتم علىَّ أن أحترم كلام الكبار مهما كان وتحت أي ظرف، وأنا أتعاطف مع قصتك لأنها تشابه الكثير من القصص عند كل الذين طردوا من مدنهم وقراهم !!مد يده ليصافحتي فلاحظت أنه يذرف دمعتين حارتين وقد احتبس الكلام في حلقه – كبرياءاً وعزةً – وهو يقول : إن كل ما حدثتك عنه يا بني كله صحيح ولكن نقمة الله كانت لي بالمرصاد فقد خسرت كل ما أملك من عقارات وبيوت، وكلها غير ذات أهمية بالنسبة لي الآن لأنني أعرف مصدرها وكنت أشعر بأنها لن تدوم ولكن المصيبة الكبرى التي نزلت بي هي أنني فقدت زوجتي وبنتان لي ولا أعرف عنهم شيئا حتى الآن فقد خرجنا من البيت في ( حيفا ) معا وتعرضنا في الشارع لهجوم من عصابات الصهاينة فتفرقنا وبقي معي إبني الأصغر ذو الخمس سنوات الذي فقدته أيضا و وجدت نفسي هنا بدونه بعد أن حطت بي سيارة أقلتني وحيدا وأنا في غيبوبة من على قارعة الطريق..!! لقد كان في مثل عمرك  الآن لو بقي حيا  و.. فيه شبه منك و لاشك أنه الآن شابا..إن كان من الأحياء ...!!؟؟اعتصرني ألم شديد من حاله البائس، وغادرت .. دون أن أستطيع النظر في عينيه

  عبد الهادي شلا - فلسطين/كندا

      shala14@hotmail.com

تعقيب

الله ...ما أروع هذا الأسلوب

الذي يشد القارئ حتى الحرف الأخير

***

أخي الأكرم عبد الهادي

لقد شرحت قضية من خلال الشيخ

الشيخ الذي هبطت به

الهجمة الصهيوينية الشرسة

من مليونير مفتري إلى إسكافي مسكين

***

أخي أبو طارق

أهنئك لهذا الإبداع

نزار