
قصة بقلم : محمد سعيد أسدي
- 1 -
الذي
حدث لما يزل يثير الكثير من
علامات التعجب والاستفهام. اختلطت الأمور وتشابكت كأنها كرة صوف عبث بها طفل
فتشابك خيطها وتداخل في نفسه بشكل معقد وأصبح بحاجة إلى صبر جميل ومنطق سليم
لإعادته إلى مكانه في الكرة.تماما كما اختلطت تفاصيل الحدث وأصبحت بحاجة إلى
أكثر من إعادة نظر ومن عدة مواقع أو منطلقات كي نعيد ترتيبها بتسلسل منطقي ,
علنا نفهمها . . . وبدل أن تزداد الأمور تعقيدا تعالوا نسمع أقوال أخي الأكبر
فهو شاهد عيان ملكي للبداية...
-2-
صغيرا كنت ( لم أكن مولودا بعد )
عندما جلسنا كعادتنا في المساء وأحطنا الطبق المجدول من القش الملون الموضوع
فوق طبلية من خشب لتناول طعام العشاء المؤلف من صينية مجدرة تجلس كالعروس في
مركز الطبق المزين بزخارف جميلة وزاهية الألوان وحولها مجموعة من الصحون فيها
حبات زيتون ، لبن ، سلطة ، رؤوس بصل ، فلفل حار ومجموعة أرغفة من الخبز المعجون
من طحين القمح الصافي .
يجلس كل منا على " ركبة ونصف "
ونحيط الطبق كالخاتم وننتظر إشارة البدء بالطعام .
ويطول انتظارنا ...
ونعتقد أن أبي نسي تناول اللقمة
الأولى وهي الإشارة كما تعرفون . ( الحقيقة أني لا أعرف هذه التقاليد التي
سردها أخي الأكبر : فالطبق معلق ومشنوق للزينة على جدار غرفة استقبال الضيوف
والجلوس على " الركبة ونصف " لا أستطيعه ولا نأكل مع بعضنا البعض وأكلة المجدرة
أقرأ عنها في كتب التراث . ولكن أخي ، يصر على سرد مثل هذه التفاصيل ، يبدو
أنها مهمة ... ) وبدل أن يفعلها أبي ، تنحنح ، بسمل وبدأ الحديث ، إلا أنه
سرعان ما اكتشف أن أحدا منا لا يعطي حديثه اهتماما ، فقد كان في واد وكنا في
آخر ، فالطعام أمامنا والجوع من ورائنا وليس لنا إلا انتظار الإشارة .
قطع أبي كلامه وبحركة رأسه
البطيئة مسحنا بنظراته المعاتبة والحاملة أكثر من مغزى . تناول رغيف الخبز
الأسمر ، قطع كسرة منه و " تفضلوا " . تشابكت الأيدي الصاعدة بالنازلة ، من
والى الطبق ، وبعد مدة من الزمن تتالت الحمدلات والأدعية دلالة الشبع والقناعة
والشكر .
تنحنح أبي فسكتنا وقال بصوت هادئ
جدا ، " والآن وبعد أن شبعنا من رزقه تعالى والحمد لله على ما قسم لنا الله من
أللأرزاق ولم ينس من عباده أحدا (كلنا آذان صاغية ) العيد على الأبواب ومصروفه
كثير ، لكل منكم طلبه الخاص : كرة قدم ، حذاء ، لعبة ، معطف ، بدلة جديدة وغير
ذلك بالإضافة إلى المصروف الزائد على الطعام والحلويات . وكل هذا حق وواجب ولكن
(أكثر الكلمات التي أكرهها ) سنؤجل كل هذا حتى العام القادم " حديثه أثار
الغرابة في العيون التي اتسعت كثيرا " لأني أنوي شراء ... " وسكت أبي وزاد
ذهولنا واستغربنا وبدأنا نضرب أخماسا في أسداس ، تراه ماذا سيشتري ؟ ! ، خزانة
لثيابنا المبعثرة في كل زوايا البيت ، لا بل سيشتري راديو لأنه يهتم كثيرا
بالسياسة ، بل سيشتري عنزة تكون "منوحة " للبيت . وتابع " سأشتري حمارا " ..
لقد أنقذنا من ذهولنا وحيرتنا حين قطع صمته التعليقي الناجح وأعلن عن نيته شراء
حمار ، وبإعلانه هذا ازدادت عيوننا اتساعا حيث تراوح اتساعها بين الحملقة
والانفجار . " نعم، سأشتري حمارا ، يا ... " ولم يكمل ولم نعرف حتى الآن ما
الذي أراد أن يقوله بعد ياء النداء هذه.
" هذا الحمار سيساعدني في الزراعة
والتجارة ، تركبون عليه وتلعبون معه ، سيحملني إلى جميع القرى المجاورة والى
المدينة القريبة كي أبيع وأشتري ما تيسر من حبوب وخضار وفواكه وبقول وبضائع
متنوعة وسنفتح دكانا ونبني دارا بدل هذه البراكيات الزنكية وبهذا سنجمع المال
الكثير ونصبح أغنياء ... فما رأيكم دام فضلكم ؟ ! "( وعاد أخي الأكبر إلى سرد
الحكاية حيث انتهى أبي ) وافقنا بحماس ، لم يكن أبي بحاجة لكل هذا الشرح ، فقد
كان يفعل ما يريد دون أن يستشيرنا أو يطلعنا على آرائه وأفكاره ولكنه أراد أن
يشركنا في تحمل المسؤولية ... وما زلت أذكر أننا عندما نهضنا في صباح اليوم
التالي لم نجده ، وأخبرتنا أمي انه سافر نحو الشرق ليشتري الحمار ... وعاد بعد
يومين جارا وراءه جحشا صغيرا رمادي اللون ناعم العفاء يسير قفزا بشكل فوضوي فيه
إثارة وجمال ومهارة لاعب السيرك .
كبرنا وكبر الجحش معنا فصار حمارا
يشاركنا السكنى في البيت واللعب في الساحة وازدادت الألفة بيننا فأحببناه كثيرا
وقضينا أكثر الوقت معه ، ومن حين لآخر كنا نسمح لأصدقائنا بالركوب عليه ..
واشترى أبي له برذعة جميلة أي " جلالا " ، غطّاها بجلد خروف للدفء والليونة ،
وكذلك لفّ " الحياصة " و" الرّسن " بقماش مخملي حتى لا يجرح جسم الحمار في
أماكن التّماس والاحتكاك ووضع مكان " المنخاس " الذي رماه كفا من الخرز الأزرق
في وسطه عين مفتوحة ليحميه من العين الحاسدة وخاصة الزرقاء اللون كما نعتقد (
أردت أن أستفسر من أخي فخفت من اتهامي بالجهل تجاه تراثنا ) . أسبوعيا كنا
نغسله بالماء والصابون ، نمشطه ونرتب صف الشعر الممتد فوق رقبته مرة إلى اليمين
وأخرى إلى اليسار ، وكثيرا ما كنا نتركه في السهل فيعود وحده للبيت فهو حيوان
موصوف بالاهتداء إلى معرفة الطرق بعد أن يسلكها مرة واحدة ولقد استفدت وأبي من
هذه الميزة الخاصة بالحمير ، والحق أقول لكم (لم يذكر أخي حادثة استفادة واحدة
، لماذا ترك هذا التفصيل الذي أثار فيّ حب الاستطلاع ؟ ، لا أعرف ... ) انه منذ
دخل الحمار بيتنا دخلت معه البركة ، فتبارك عندنا كل شيء وكان قدومه قدوم خير ،
بفضله جمعنا المال الذي حقق لنا الكثير من أمور الحياة الدنيا ، هذا النعيم
الذي نعيش فيه ، الدكان الضخم ، البيت الباطوني ، الملابس الجديدة ، الألعاب ،
الراديو ، الأثاث وتعليمنا .
كل هذه الأمور وغيرها زادت من
محبتنا للحمار وأصبح عند أبي في منزلة ابنه في نفس مكانتي أنا تماما ( ضحكت في
سري وقلت سخر من أخيه الحمار فقال له : أنت إنسان ) يعلفه دائما ولا يحمله فوق
طاقته ويحافظ على نظافته وأناقته . ولهذا لم يكن من باب المصادفة أن يطلق أبي
على الحمار لقب " مبروك " لأنه مبارك وصاحب فضل على أسرتنا وعلى القرية . ومع
الوقت حل اللقب الجديد مبروك مكان الاسم " الحمار " وبمرور الوقت اختفى استعمال
كلمة " حمار " وأخذت ألسنتنا وألسنة سكان القرية ومعارف أبي من خارج القرية
تردد اللقب " مبروك " ، أين مبروك ؟ ما به ؟ ! سلامته الخ ... لا أكذب ولا
أبالغ عندما أعترف بأن مبروك كان سببا أساسا لبداية المسيرة الثقافية ، ويجب أن
لا نغمطه حقه ( الله أكبر ، صرخت بصوت غير مسموع ، ما الذي أصاب أخي الأكبر ؟
ما هذه الأفكار السخيفة ؟ ولكنه لم يمهلني في استغرابي فخصني بالحديث ) أنت يا
أستاذ ، ألا تذكر أيام صباك ؟ ! ... أيام كنت تحرج المعلمين بأسئلتك عن الحمار
وتضطرهم إلى البحث العلمي رغما عنهم ؟ ! (أي والله هذا صحيح ، فقد كان يتغير
لون المعلم وشكله ويتخلص من الإجابة السريعة بشكل ذكي ،ثم يخبرني بها بعد يومين
، وأحيانا كثيرة لا يعرفها فأخبره أنا ... ليت الطلاب اليوم يحرجون معلميهم
بالأسئلة ففي ذلك خدمة للتعليم وفائدة لهم ، وأعني للمعلمين أكثر منها للطلاب )
.
وكنت أجمع كل ما يتعلق بالحمير من
ثروة لغوية وأدبية وثقافية وتراثية ، أليس من الواجب أن يعرف الإنسان كل ما
يتعلق بحبيبه وصديقه ( نعم ، وخاصة إن كان حمارا) كنا نتباهى بهذه المعلومات
الدقيقة والكثيرة أمام الآخرين ونكسب الاحترام والمكانة الثقافية ، بفضلنا عرف
الآخرون لقب الحمار وكنيته واسم صغيره واسم أنثاه وحفظنا الكثير من الشعر في
هجاء أو مدح الحمير وسردوا نوادر الحمير وقصصها وما قيل فيها من أمثال وحكم
وأقوال مأثورة...
كانت البداية مع الحمير بفضل
حمارنا " مبروك " ثم انتقلت إلى باقي الحيوانات والطيور والحشرات والى الشعوب ،
وتأثرت بقريتنا باقي القرى فسرت عدوى الثقافة والعلاقة مع الكتب وبدأت المسيرة
...ألا يستحق مثل هذا الحمار كل الاحترام والتقدير فيصبح شيخا ، قديسا ، له
مزاره المحترم ( الآن فقط أشار أخي إلى لبّ الموضوع وجوهر المشكلة ، ويبدو لي
أنكم فهمتم وربما اقتنعتم باستطراد أخي الأكبر في ذكر الكثير من التفاصيل ..
ألم أقل لكم إن أخي مثقف ويعرف ماذا يقول ؟ ! ومتى ؟ ! وأين ؟ ! ) وانتقل أخي
ليسرد سيرة أخرى ويبين فيها فضل شخصية الحمار على حياتنا ،فقال: مهّد هذا
الحمار الطريق لنا وعلمنا درسا فريدا ومميزا في الوعي السياسي وتأثر سكان
القرية والقرى المجاورة فاتخذوه مثلا يحتذي به ، فقد حدثني أبي قال : " كنت
عائدا من إحدى القرى المجاورة أيام الحكم العسكري السيئة الذكر ، رأيت دورية
عسكرية تقترب من بعيد ، أطفأت سيجارتي العربية ورميتها بعيدا وتناولت كيس
الدخان العربي " الحل " والممنوع وخبأته في أذن الحمار ... وصلت الدورية ..
سألني عن التصريح فأبرزته لهم ، سألتني عن كيس الدخان فأنكرت ولكننا رأيناك "
تمج " على السيجارة ، قال أحدهم وأنكرت فقال كبيرهم : اسمع يا شيخ .. عليك
الأمان ، لن نفعل معك شيء ، بشرط أن تخبرنا أين خبأته ؟ ، لقد فتشنا كل ما يمكن
ولم نجده فأين خبأته؟ كل هذه المسرحية والحمار يرمقهم بسخرية واحتقار ... مددت
يدي إلى أذنه وأخرجت كيس الدخان ، تبادلوا النظرات وأخذوه مني وقالوا:هذه المرة
سماح ، لقد حماك هذا الحمار فاشكره واحترمه وانزل عنه وسر ماشيا وراءه . نهق
الحمار طويلا مادا شفتيه الغليظتين كاشفا عن أسنانه الطويلة واستمر في سيره " .
لم يش الحمار بمكان كيس الدخان والعملاء في قرانا يشون بالصغيرة والكبيرة وأخطر
وشاياتهم كانت عن المتسللين الذين اضطروا إلى ترك قراهم فالتجأوا واختبأوا عند
ذوي القربى .
وانتشرت هذه القصة فكانت درسا
وطنيا متميزا في الوعي السياسي وتقلصت ظاهرة الوشاية بفضل حمارنا ، آسف بفضل "
مبروك " الكثير البركات بل الغزير البركات.
-3-
هذا قليل من كثير ، قليل جدا من
بركات الحمار " مبروك " ( وهنا تدخل أبي الذي استمر طوال الوقت صامتا ليستوعب
كل التفاصيل ويمتصها كالاسفنجة ثم ليعصرها حيث يريد مره واحدة ويطفئ كل اشتعال
صارخا في وجه أخي الأكبر ) " بل قل هذا قليل جدا من بركات الشيخ "مبروك "،
وإياك أن تذكر كلمة حمار بعد الآن على لسانك ، هذا أمر ، مفهوم ؟ نعم مفهوم
،(قالها أخي بصوت خفيض ومخنوق ) لقد كان حمارا وأصبح شيخا وأيّهما أفضل أن يصبح
الحمار شيخا أم الشيخ حمارا " (ماذا مع المقولة : الحمار حمار ولو بين الخيول
ربا ) .
" الطفل يصبح صبيا ثم شابا ثم
رجلا ثم كهلا ويعود فيمشي على ثلاث ثم أربع مثل الطفل فأين ... ؟ ( أحس أبي
بضعف المثال الذي أعطاه ... فصمت ) أيهما أكثر غرابة واستهجانا ؟ أن يتحول أو
يتطور الحمار إلى شيخ ! أم أن تتحول الزانية إلى قديسة ، الكافر إلى إمام مسجد
، السارق إلى أمين صندوق ، بائع الأرض إلى بائع شعارات ويصبح حاميها حراميها ،
الأسد أرنب ، والذكر أنثى ، والأنثى ذكر ، ويتحول المنافق إلى كاهن ، الظالم
إلى قاض ، والمعلم الفاشل إلى مدير وأكثر ، أن يكتب الديكتاتور تاريخ العدالة ،
والقاتل أسباب القتل ، والجزار تاريخ الضحية والأديب الفاشل عوامل الإبداع
والأمثلة كثيرة وبلا نهاية ... إن الهاوية قمة مقلوبة والعكس صحيح ... ولكنها
لا تثير الغرابة وليست بحاجة إلى إعادة نظر . أما أن يتحول ويتطور الحمار فيصبح
شيخا فهذا أمر غريب عجيب .
بفضل الحمار "مبروك " آسف جدا ،
بفضل الشيخ "مبروك " ، دستور من خاطرك يا شيخ ، تعلمت وأصبحت أستاذا ، وتأتي
لترمي حجارة في البئر التي شربت منها فتعكر صفاءها وتثير هدوءها بدل أن تتمرأى
فيها ، تأتي لتحطم الصحن الذي أكلت منه وتقطع اليد التي امتدت لمساعدتك دون
مقابل ، تأتي لتقتل أمرا آمن الجميع به فأعطاهم الراحة والمحبة والاستقرار
وأعطانا الغنى والاحترام والزعامة ... هذا هو الأمر الغريب العجيب ، هذا هو
نكران الجميل ... ليتني لم أعلمك ! ليتني لم أعلمك ! "
-4-
استمعتم من أخي الأكبر ومن أبي
إلى الكثير من التفاصيل وبقيت أنا المتهم ، من حقي عليكم أن تسمعوني كي تكتمل
الصورة أمامكم علّكم تحكمون بالعدل ، على الأقل ، بينكم وبين أنفسكم بسبب مرارة
الحق والحقيقة وآمل أن لا أطيل عليكم... وبلا طول سيرة.. صغيرا كنت يوم نفق
حمارنا " مبروك " لم يكن في حينه شيخا بل حمارا نال منا كثير الاحترام والتقدير
كما سمعتم وأنا أوافق على ذلك ، يومها عاد أبي وجهه تروي قصة حزن عميقة ، صمته
كان أبلغ من الكلام تناول الفأس والطورية و... لا أذكر جيدا وأشار إلى أخي
الأكبر فتبعه وتبعتهما سرا ورأيت الحمار نائما على ظهره منتصب القوائم ، عاضا
على لسانه وآثار خيوط الرّوال ما زالت ظاهرة على فمه ... جرّاه بعيدا عن قارعة
الطريق الجبلية الضيقة ، حفرا حفرة ودفناه ، وفرّت الدموع من عيوننا جميعا ...
الله يرحمه ، حزنّا جميعنا عليه وكان حزنا حقيقيا ، زار الصمت الرهيب المقيت
بيتنا وندبت أمي كثيرا ولكنها مشيئة الله ولا رادّ لها ... والموت حق ولكنه
مكروه . والموت عدل لأنه كاس يشرب منه كل الناس .
ومع طلوع فجر اليوم التالي ذهبت
إلى موقع قبر الحمار فإذا برجمة أي كومة حجارة وفي قمتها عصا عليها شرائح قماش
خضراء اللون ، استغربت الأمر ، فكمنت علّني أرى أو أفهم شيئا فإذا بي أرى
أكثرية المارة من ذكور وإناث ، من صغار وكبار ، يقفون أمام كومة الحجارة
يتمتمون ويمسحون وجوههم أو يؤشرون إلى قلوبهم ورؤوسهم ثم ينحنون، يلتقطون حجارة
ويرمونها على الكومة وتزداد الكومة ضخامة يوما بعد يوم وازداد استغرابا إلى أن
سألت أبي عن الأمر ، فقال بصوت هادئ رزين : هناك يا حبيبي يرقد شيخ اسمه "مبروك
" انه قديس ومن أولياء الله الصالحين والناس يتباركون به ، دستور من خاطرك يا
شيخ .
ومرت الأيام والشهور والأعوام
وعرفت الكثير من بركات الشيخ "مبروك " أصبح ذكره على كل لسان وسيرته وحكاياته
ونوادره وكراماته في كل بيت ، دخل حياة جميع السكان بل وشاركهم في تفاصيل
حياتهم وأسرارها ... يقسمون باسمه ويستعينون بذكره ويتوسّلون له وينذرون على
اسمه فيذبحون القرابين ويقرأون الموالد .
وبادر أبي فنذر نفسه بشحمه ولحمه
خادم المقام الشيخ "مبروك " . تفرّغ للمنصب الجديد وبدأ يفرغ جيوب وعقول سكان
القرية ، بنى حجرة حول كومة الحجارة وبنى عليها قبة خضراء اللون وسبحان الله
تحولت الحجرة إلى مبيت للغرباء واستراحة للمسافرين ومستشفى للمرضى ولطالبي
التوبة والمغفرة ، فكم مريض يئس من علاج الأطباء والنوم في المستشفيات فنام في
حجرة الشيخ "مبروك " ونهض سليما معافى مع صباح اليوم التالي ،وكم من امرأة حالت
دون زواج زوجها عليها بفضل الشيخ "مبروك " ووساطة أبي ، وكم من امرأة حملت
وأنجبت بعد سنين من الحرمان ، وكم من سرقة اكتشفها الشيخ ، وشجار منع وقوعه
الشيخ فكان الحارس الأمين للقرية وتعمّق الإيمان وتجذّر في قلوب حتى وصل الأمر
إلى الكفر والإلحاد فأصبح الواحد منهم يخشى ويخاف أن يقسم باطلا باسم الشيخ
"مبروك " ويحلف أغلظ الأيمان بالله وبأنبيائه .
والشيخ "مبروك " يستجيب للدعاء إن
كان صادقا وخالصا له وخارجا من القلب وإلا فلعنته ستحل مكان بركته ، وأصبحت
المقولة " لو آمن أحدكم بحجر لنفعه " معروفة لدى الجميع ... وضمن هذه المعادلة
يفسّر أبي جميع الظواهر ويجد المبرر لبراءة الشيخ أو تقصيره في عدم استجابته
وحلول لعنته اللعينة ، وما أكثر المبررات فأحيانا لم تكن النية صادقة أو أن
ترتيب طقوس النذر لم تكن دقيقة فالشيخ يريد أن تسير الأمور بدقة وبصدق وإلا
فانه لن يستجيب أو سيرسل لعنته لتكون عبرة لمن يساوره أدنى شك في قدراته
وعدالته... ومن خلال هذه المعادلة يمسك أبي بخيوط اللعبة بذكاء وجودة ومهارة
فيبرئ الشيخ ويبرئ نفسه من كل خطأ أو تقصير أو إساءة .
نسيت أن أخبركم بأمر الصندوق الذي
أقامه أبي باسم الشيخ "مبروك " لمساعدة المحتاجين والفقراء ، وسكان القرية
يعددون بفخر واعتزاز مساعدات الصندوق ، ولكني أجزم بأن أحدا لا يعرف الحقيقة
التي أعرفها أنا ويعرفها بالإضافة إلي أبي وأخي الأكبر.
هل أكشف لكم بعض خفايا الأمور
وأحيطكم علما بأن أبي اشترى الكثير من أراضي القرية وزادت مدخراته وتوفيرا ته
المصرفية وأن نسبة المساعدة لا تتعدى أصابع اليدين الاثنين .
ويزداد الناس إيمانا أعمى بالشيخ
"مبروك " وبخادمه الأمين وأعني به أبي .. لم أسمع عن شخص شتم الشيخ علنا ،
والشتيمة مرفوضة ولكن المناقشة والمعارضة وإبداء الرأي أمر واجب وضروري ولمصلحة
السكان ومع ذلك لم أسمع عن ممارستها علنا ... وقبل أن أتهمهم بالجبن فلأتهم
نفسي لأني مثلهم لم أعارض ولم أناقش رغم معرفتي للكثير من خفايا الأمور التي لا
يعرفونها وأعترف بأن العلم الذي اكتسبته لم يعطني الوعي بعد ، ولا قيمة لعلم لا
يؤدي إلى وعي وعلى الوعي أن يغيّر نحو الأفضل والأجمل ، العلم ، الوعي ،
المجتمع ، التغير ، التقدم ، إل ... أشعر بالصداع .
-5-
وأخرجني أبي من دوامة أفكاري
وتحليلاتي قائلا : إلى أين وصلت بك الأفكار يا أستاذ ؟ !
قلت : إلى قرار بأن أسمي الأشياء
بأسمائها لا كما يريدها الغير .
قال : أين يا بنّي ، فأنا لست
مثلك جامعيا !
قلت : سأكشف عن حقيقة الشيخ
"مبروك " الذي حوّل حياتنا إلى مجموعة من الخرافات والأكاذيب والحكايا السخيفة
فاعتمدنا عليه وسلمناه أمرنا فشلّ تفكيرنا وحال دون وعينا وتطورنا...
قال : بل وفّر لنا الراحة
والاستقرار والطمأنينة ، وجعل حياتنا هادئة ، سهلة وغير معقدة ، وقد فاضت قلوب
الناس محبة وراحة بال وهدوء حال
قلت : مثل هذه الحياة عقيمة
لا تنجب الوعي والتطور ، وضيّقة الأفق وغير مسؤولة وفي هذا خطأ حضاري أردته أنت
وشيخك لقد جمّدتما تفكير الناس
قال : لقد أراحكم الشيخ من عناء
التفكير وتعقيداته ، فالتفكير صعب وملك للخاصة .
قلت : سأجعله ملكا للجميع . قال :
اذا حدث وأصبح ملكا للجميع فان الفوضى ستعمّ القرية ويزورها القلق والشك
والدمار . قلت : إنها بداية الوعي . قال : لماذا تريد أن تقذف حجارة في البئر
التي شربت منها ، وتشير هدوء وصفاء مائها الذي بإمكانك أن تتمرأى به .
لماذا تريد أن تشعلها فتنة وتزرع
صراعا بين الناس ؟
قلت : أريد أن أحرّر تفكيرهم لأجل
أن يتحرروا ، لأن تحرير التفكير هو المقدمة الأولى لتحرير المجتمع . أريدهم أن
يفكروا ، أريد أن أزيل الغشاوة عن عيونهم كي يروا الحقيقة لقد حوّلهم الشيخ "
مبروك " إلى قبور متحركة ، جثث تسير على قدمين فلا يعرفون إلا الأكل والنوم
والمضاجعة والصراخ والتصفيق .
قال : لكنهم راضون عن ذلك كل
الرضى .
قلت : لأنهم لا يفكرون ، أصبحوا
مثل قطيع الماعز بل الغنم .. لأن الماعز أحيانا تسمح لنفسها أن تترك مسار
القطيع مرة وأن ترفع رأسها لتنظر ما الذي يجري حولها مرة أخرى وتتنفس هواء نقيا
، بينما الغنم لا يفعل ذلك أبدا ، تضع كل غنمة رأسها في مؤخرة الغنمة التي
أمامها ، تنظر إلى الأرض وتسير إلى حيث أراد لها الكبش الزعيم الذي يسير في
المقدمة حسب توجيهات الراعي .
بعد فترة صمت قال : يا ولدي ، من
أين جاءتك هذه الأفكار الشيطانية ، دعني أصارحك ، وقد أصبحنا بفضل الحمار/
الشيخ "مبروك " من سادة القوم وأغنيائهم وضمنّا لأنفسنا مكانا ومكانة اجتماعية
، لماذا تريدنا أن نخسر كل هذه المكاسب ؟ ! ... وأنا على استعداد لأن أعطيك كل
ما تريد .
قلت : أنا لا أريد لنفسي شيئا
خاصا ، لست أنانيا مثلكم ، لأني أريد وعيا للجميع لنضمن المستقبل بكرامة .
قال والغضب يعربد في عينيه : أنت
حر ، وأبشرك بالفشل ! ، فبركات الشيخ " مبروك " تحوّلت إلى حقائق ملموسة عند
الناس ، لقد ألفوها وعاشوها وأدمنوها واستراحوا إليها فأراحتهم ولقد جاءت
شطارتك متأخرة إنهم ليسوا على قدر المسؤولية بعد لقد عملت كل جهدي لتربيتهم على
الطاعة العمياء من أجل سهولة قيادتهم ، ولقد نجحت .
قلت : انه الاستعمار الثقافي ،
سأخرج وأكشف لهم كل الحقائق .
قال : فلتجرب ..
-6-
وخرجنا ، أنا وأبي وأخي الأكبر
إلى مقام /مزار الحمار /الشيخ " مبروك " حيث دعا أبي الناس لاجتماع طارئ ومهم
... بحر من الناس ... ضجة وكلمات وشعارات وصياح ، طلب أبي منهم أن يسكتوا
فسكتوا بعد أن صفّقوا وهاجوا وماجوا وشرح لهم أبي أسباب الاجتماع وأهمها أن
ابنه (الذي هو أنا ) ينكر بركات الشيخ مبروك ويستهزئ بها ووصلت به الخيانة
الوطنية أن ينكر وجوده وهذا كفر والحاد ونكران للجميل وإثارة للمشاكل وشق لوحدة
الصف . ورفع صوته عاليا فارتفع الجمهور من مكانه قفزا ، وقال : ... وأنا أحب
ولدي ، فلذة كبدي وحشاشة قلبي كثيرا ، ولكني وأقسم بالشيخ مبروك أني لا أحبه
أكثر منكم ، وأمامكم وفي حضرة المقام المقدس هذا ، أعلن براءتي منه ومن كل من
تسوّل له نفسه بتصديق أقواله ، ولتحلّ عليه لعنتيّ ولعنتكم ولعنة الشيخ " مبروك
" دستور من خاطره ... فماذا ترون ؟ ! إني أقبل حكمكم فأنتم الشعب الذي لا يخطئ
ويمهل ولا يهمل ويغفر وينسى ولا يحقد ) .
واستمر صراخ أبي وتوالت شعاراته
وازداد الصراخ وهياج الناس . وبعد أن تعبوا ، تحدثت إليهم بهدوء .
شرحت لهم الكثير مما يجري وراء
الكواليس ووضعت الكثير من النقط فوق الحروف ، وأعترف بأنهم قاطعوا حديثي لهم
بالسخرية ، وربما أنهم سمعوه ولكن دون أن يفهموه . أغلق بعضهم آذانه وأشار
بعضهم إلي بالإصبع الثالثة ، وصرخ بعضهم في وجهي واتهموني بالجنون ( وصرخوا
بصوت واحد : مجنون ... مجنون ...مج ... ج ... ج ... نو ... و ... و ...ن ...
وحياة سيدي الشيخ "مبروك " دعوه ينام ليلة في حجرة المقام ) ...
وبدأت الهياكل البشرية بالعودة من
حيث أتت وأنا لم أنه خطابي بعد ، تركني الناس ولم يبق في الساحة سوى مجموعة من
الشباب يصفّقون لي ويصنعون شارات النصر بأيديهم . نظر أبي إلي هازّا رأسه ...
وقال : ماذا تقول الآن لقد رأيت
بعينك وحدة الصف وإجماعهم على الشيخ ، فلماذا تريد أن تقسمهم ؟
قلت : أريد أن يعرفوا الحقيقة .
قال بغضب : النجوم في الظهر أقرب
منالا مما تريد
قلت بهدوء : إن الغيوم لا تحجب
نور الشمس طويلا ، ولن تظل عيونهم مغلقة .
ازداد غضب أبي وتطاير الشرر من
عينيه ورقص حاجباه وفتح فمه وقبل أن يقول شيئا تركته وحثثت الخطى نحو مجموعة
الشباب