
قصة
إبراهيم الدرغوثي
من
بعيد شاهدت الأنوار تتلألأ و كأنها نجوم السماء تساقطت على
الأرض. كان الليل في بدايته و لكن الظلمة كانت شديدة فخفضت من سرعة
السيارة حين
اقتربت أكثر من النجوم التي تكدست على الأرض
.
عرفت أنني لن أعود الليلة إلى
البيت فالوادي الذي يفصل بين قريتي و المدينة التي كنت قد غادرتها منذ
ساعات قد ثار
و ملأ ما بين جنبيه ماء يهدر كالجمل الهائج، و السيارات تكدست هنا و
هناك بطول أكثر
من كيلومترين. أوقفت سيارتي في مكان آمن حتى لا يصدمني سائق مجنون و
ذهبت أتفرج على
هيجان
الوادي .
اقتربت من المجرى الذي تركته يابسا هذا الصباح فرأيت عجبا
.
الماء جاوز المتر في ارتفاعه و الزبد تكدس على الضفتين و البشر
الواقفين على
الجانبين ملأ اليأس قلوبهم... و الأطفال بعدما لعبوا بالطين و لطخوا
ثيابهم وثياب
الأمهات هجعوا داخل السيارات و ناموا . و النساء مللن الفرجة فتوسدن
الأيدي و
تثاءبن بأصوات مخنوقة . و الرجال وقفوا يتجادلون و يتصايحون و يسبون
الأحوال الجوية
السيئة:
-
أنا جئت من تونس... منذ الصباح الباكر و أنا وراء المقود لماذا لا
يوجد جسر فوق هذا الوادي اللعين ؟
-
و أنا هنا منذ الثالثة بعد الزوال، لو كان
فوق هذا الوادي جسر لقطعته
...
-
لقد تركت ولدي مريضا في المستشفى و لا علم لي
بما جرى له بعد العملية الجراحية
.
-
أنا عائد من ليبيا . لم أر الأهل منذ خمس
سنوات و لولا بقية خوف لقطعت هذا الوادي عوما.
و يتواصل الحديث بين هؤلاء الرجال
الذين قرب هيجان الوادي بينهم فتبادلوا الطرف و السجائر و كؤوس الشاي
... و الليل
يزداد في تقدمه دافعا أمامه أكداس الظلام ... و الحكايات بدأت تتكرر
حتى فقدت جدتها .
و كؤوس الشاي بدأت تنفد و المدخنون ما عادوا يمررون علب السجائر إلى كل
الرجال و
هيجان الوادي يزداد بعد كل حين عنفا وشدة و أنا أراقب المشهد من بعيد
متلذذا... و
سنوات العمر تعود إلى الوراء قفزا و مياه وادي قريتنا تصطحب داخل أذني
فأعدو حافي
القدمين على ضفة الوادي الكبير مع رفاق الصبا نخطف الحطب الذي جمعته
المياه أكداسا
و نعترض سبيل أشجار الطلح و العرعار التي هشمتها الصخور ... و النساء
يخبطن الحطب
بالفؤوس و يشعلن النيران الحامية و يصنعن الخبز . و تفوح رائحة خبز
الطابونة فتملأ
ما بين السماوات و الأرض و نحن نقتسم الخبز الساخن قطعا صغيرة ندسها في
الأكف و
الجيوب ...
و يحرك سائق سيارة على الضفة الأخرى من الوادي أضواء التقاطع فأعود
إلى نفسي المهتاجة أكبح جماحها و أهمس لها: هو العمر يا عزيزتي نعيشه
مرة واحدة و
كفى ، آه لو كان لنا أكثر من عمر
...
حوالي منتصف الليل وصلت شاحنة كبيرة إلى
حافة الوادي . السائق المزهو بعظمة شاحنته المتبوعة بمقطورتين نظر
إلينا من عليائه
و لسان حاله يقول :
-
ها قد وصلت الآن و سأمر قبل الجميع
...
داخل مقصورة
القيادة يرقد طفل على كتف امرأة ، وتجلس بجانبه بنت أكبر من الطفل
بقليل تشاغبه
محاولة إبعاد النوم عن جفنيه . نظرت المرأة ذاهلة إلى هذا الكم من
السيارات ثم حدثت
الرجل . رأيتها تبادلها الحديث ( ما سمعت من كلامهما شيئا ، فزجاج
النافذة مغلق ) و
لكنني خمنت أنها تطلب منه إن كان من الممكن قطع الوادي؟
رأيته يبتسم ابتسامة
الواثق من نفسه و يغمز لها بعينه بمجون . حين التفت ناحيتي رآني فبان
الغضب في
عينيه لكنه لم يقل شيئا ثم دفع الباب و قفز من المقصورة . لم يكلم أحدا
و إنما ذهب
إلى حذو الماء الجاري . و قف هنيهة . قاس بعين واحدة ارتفاع الماء في
مجرى الوادي
وعاد إلى شاحنته . أدار المفتاح فزمجر المحرك و ضغط على دواسة المازوت
فعلا رغاء
الشاحنة.
قبل أن تتحرك دابة الحديد باتجاه الوادي رأيت على ضوء المصباح الصغير
المعلق في المقصورة، المرأة تمسك بالمقود بعنف و هي تحاول منع الرجل من
الانطلاق، و
الرجل يضربها بلطف على يديها و هي تصر على التشبث بالمقود ثم فتحت زجاج
النافذة
وراحت تصرخ:
-
امنعوا هذا المجنون من قتلنا
.
اقترب جمع من الرجال من الشاحنة
التي كانت تشخر بعنف إلا أن أحدا منهم لم يتكلم
.
وارتفع عويل المرأة:
-
لا
تتركوا هذا الرجل يقتلنا، إنه يريد أن يقطع بنا الوادي الهائج...
و تفرق الرجال
حين داست العجلتان الأوليان الطمي و الماء، و المرأة تصرخ
:
-
ساعدوني يا عباد
الله إنه يمنعي من إنزال ولدي
.
و الشاحنة تنزلق داخل الوادي و طشيش الماء يرتفع
على جانبيها.
جرى الحاضرون يراقبون المشهد المثير وصراخ المرأة صار الآن مصحوبا
بصراخ الطفلين. و الشاحنة تزحف بعيدا داخل الوادي في خط مستقيم. و
الحاضرون
يتهامسون :
-
يا الله ، ما أشجعه
...
-
لا بل قل هو متهور ، سوف يأكله هذا
الوادي الجبار.
و الشاحنة بدأت تغادر الخط السوي و تنحرف خارج المعبد.
و
الصراخ صار عويلا.
و الرجال من الجانبين يراقبون المشهد بصمت ثم بدأوا فجأة
يصرخون :
-
تشجع يا رجل ، لقد تجاوزت منتصف التهلكة
.
فجأة سكت هدير المحرك و
لم يعد يشاهد سوى ضوء الفوانيس...
ثم انطفأ الضوء .
و بدا صراخ المرأة في
الوصول مخنوقا :
-
النجدة يا عباد الله ، لقد دخل الماء إلى العربة
.
و عم
الوجوم المكان إلى أن اقترح أحدهم
:
-
ماذا لو نتماسك بالأيدي و ندخل الوادي حتى
نصل العربة و ننقذ الطفلين على الأقل ؟
لم يستجب أحد للمقترح في حين صار صراخ
المرأة و الطفلين يقطع نياط القلوب بعدما انقلبت العربة و دفع الماء
بالراكبين
خارجها.
كانت المرأة تصيح :
-
يا ويلي أخذ الماء ولدي
.
ثم بدأ الصراخ في
الابتعاد إلى أن صار كالصدى
...
بعد حين لمع البرق فرأيت كأن صراطا ضرب ما بين
الضفتين ،فتلألأت الأنوار المنثورة على الأرض و زمجرت المحركات و علا
صوت أبواق
السيارات يشق الظلام
...