صفحة الغلاف

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 

من المحيط إلى الخليج

www.menalmuheetlelkaleej.com

السيارات لا تمر على السراط

قصة

إبراهيم الدرغوثي

        من بعيد شاهدت الأنوار تتلألأ و كأنها نجوم السماء تساقطت على الأرض. كان الليل في بدايته و لكن الظلمة كانت شديدة فخفضت من سرعة السيارة حين اقتربت أكثر من النجوم التي تكدست على الأرض .
عرفت أنني لن أعود الليلة إلى البيت فالوادي الذي يفصل بين قريتي و المدينة التي كنت قد غادرتها منذ ساعات قد ثار و ملأ ما بين جنبيه ماء يهدر كالجمل الهائج، و السيارات تكدست هنا و هناك بطول أكثر من كيلومترين. أوقفت سيارتي في مكان آمن حتى لا يصدمني سائق مجنون و ذهبت أتفرج على هيجان الوادي .
اقتربت من المجرى الذي تركته يابسا هذا الصباح فرأيت عجبا . الماء جاوز المتر في ارتفاعه و الزبد تكدس على الضفتين و البشر الواقفين على الجانبين ملأ اليأس قلوبهم... و الأطفال بعدما لعبوا بالطين و لطخوا ثيابهم وثياب الأمهات هجعوا داخل السيارات و ناموا . و النساء مللن الفرجة فتوسدن الأيدي و تثاءبن بأصوات مخنوقة . و الرجال وقفوا يتجادلون و يتصايحون و يسبون الأحوال الجوية السيئة:
-
أنا جئت من تونس... منذ الصباح الباكر و أنا وراء المقود لماذا لا يوجد جسر فوق هذا الوادي اللعين ؟
-
و أنا هنا منذ الثالثة بعد الزوال، لو كان فوق هذا الوادي جسر لقطعته ...
-
لقد تركت ولدي مريضا في المستشفى و لا علم لي بما جرى له بعد العملية الجراحية .
-
أنا عائد من ليبيا . لم أر الأهل منذ خمس سنوات و لولا بقية خوف لقطعت هذا الوادي عوما.
و يتواصل الحديث بين هؤلاء الرجال الذين قرب هيجان الوادي بينهم فتبادلوا الطرف و السجائر و كؤوس الشاي ... و الليل يزداد في تقدمه دافعا أمامه أكداس الظلام ... و الحكايات بدأت تتكرر حتى فقدت جدتها . و كؤوس الشاي بدأت تنفد و المدخنون ما عادوا يمررون علب السجائر إلى كل الرجال و هيجان الوادي يزداد بعد كل حين عنفا وشدة و أنا أراقب المشهد من بعيد متلذذا... و سنوات العمر تعود إلى الوراء قفزا و مياه وادي قريتنا تصطحب داخل أذني فأعدو حافي القدمين على ضفة الوادي الكبير مع رفاق الصبا نخطف الحطب الذي جمعته المياه أكداسا و نعترض سبيل أشجار الطلح و العرعار التي هشمتها الصخور ... و النساء يخبطن الحطب بالفؤوس و يشعلن النيران الحامية و يصنعن الخبز . و تفوح رائحة خبز الطابونة فتملأ ما بين السماوات و الأرض و نحن نقتسم الخبز الساخن قطعا صغيرة ندسها في الأكف و الجيوب ...
و يحرك سائق سيارة على الضفة الأخرى من الوادي أضواء التقاطع فأعود إلى نفسي المهتاجة أكبح جماحها و أهمس لها: هو العمر يا عزيزتي نعيشه مرة واحدة و كفى ، آه لو كان لنا أكثر من عمر ...
حوالي منتصف الليل وصلت شاحنة كبيرة إلى حافة الوادي . السائق المزهو بعظمة شاحنته المتبوعة بمقطورتين نظر إلينا من عليائه و لسان حاله يقول :
-
ها قد وصلت الآن و سأمر قبل الجميع ...
داخل مقصورة القيادة يرقد طفل على كتف امرأة ، وتجلس بجانبه بنت أكبر من الطفل بقليل تشاغبه محاولة إبعاد النوم عن جفنيه . نظرت المرأة ذاهلة إلى هذا الكم من السيارات ثم حدثت الرجل . رأيتها تبادلها الحديث ( ما سمعت من كلامهما شيئا ، فزجاج النافذة مغلق ) و لكنني خمنت أنها تطلب منه إن كان من الممكن قطع الوادي؟
رأيته يبتسم ابتسامة الواثق من نفسه و يغمز لها بعينه بمجون . حين التفت ناحيتي رآني فبان الغضب في عينيه لكنه لم يقل شيئا ثم دفع الباب و قفز من المقصورة . لم يكلم أحدا و إنما ذهب إلى حذو الماء الجاري . و قف هنيهة . قاس بعين واحدة ارتفاع الماء في مجرى الوادي وعاد إلى شاحنته . أدار المفتاح فزمجر المحرك و ضغط على دواسة المازوت فعلا رغاء الشاحنة.
قبل أن تتحرك دابة الحديد باتجاه الوادي رأيت على ضوء المصباح الصغير المعلق في المقصورة، المرأة تمسك بالمقود بعنف و هي تحاول منع الرجل من الانطلاق، و الرجل يضربها بلطف على يديها و هي تصر على التشبث بالمقود ثم فتحت زجاج النافذة وراحت تصرخ:
-
امنعوا هذا المجنون من قتلنا .
اقترب جمع من الرجال من الشاحنة التي كانت تشخر بعنف إلا أن أحدا منهم لم يتكلم .
وارتفع عويل المرأة:
-
لا تتركوا هذا الرجل يقتلنا، إنه يريد أن يقطع بنا الوادي الهائج...
و تفرق الرجال حين داست العجلتان الأوليان الطمي و الماء، و المرأة تصرخ :
-
ساعدوني يا عباد الله إنه يمنعي من إنزال ولدي .
و الشاحنة تنزلق داخل الوادي و طشيش الماء يرتفع على جانبيها.
جرى الحاضرون يراقبون المشهد المثير وصراخ المرأة صار الآن مصحوبا بصراخ الطفلين. و الشاحنة تزحف بعيدا داخل الوادي في خط مستقيم. و الحاضرون يتهامسون :
-
يا الله ، ما أشجعه ...
-
لا بل قل هو متهور ، سوف يأكله هذا الوادي الجبار.
و الشاحنة بدأت تغادر الخط السوي و تنحرف خارج المعبد.
و الصراخ صار عويلا.
و الرجال من الجانبين يراقبون المشهد بصمت ثم بدأوا فجأة يصرخون :
-
تشجع يا رجل ، لقد تجاوزت منتصف التهلكة .
فجأة سكت هدير المحرك و لم يعد يشاهد سوى ضوء الفوانيس...
ثم انطفأ الضوء .
و بدا صراخ المرأة في الوصول مخنوقا :
-
النجدة يا عباد الله ، لقد دخل الماء إلى العربة .
و عم الوجوم المكان إلى أن اقترح أحدهم :
-
ماذا لو نتماسك بالأيدي و ندخل الوادي حتى نصل العربة و ننقذ الطفلين على الأقل ؟
لم يستجب أحد للمقترح في حين صار صراخ المرأة و الطفلين يقطع نياط القلوب بعدما انقلبت العربة و دفع الماء بالراكبين خارجها.
كانت المرأة تصيح :
-
يا ويلي أخذ الماء ولدي .
ثم بدأ الصراخ في الابتعاد إلى أن صار كالصدى ...
بعد حين لمع البرق فرأيت كأن صراطا ضرب ما بين الضفتين ،فتلألأت الأنوار المنثورة على الأرض و زمجرت المحركات و علا صوت أبواق السيارات يشق الظلام ...