|
السلفية الثقافية
موت
الخيال الابداعي

محمد
سناجله
sanajleh@arab-ewriters.co
إتحاد كتاب الأنترنيت
العرب
www.arab-ewriters.com
إن
نظرة متفحصة لأغلب الأعمال الإبداعية الصادرة في الوطن العربي
خلال العقودالماضية ستدل بما لا يدع مجالا للشك أن المثقف
العربي يعيش حالة من النستالوجيا الثقافية والإبداعية، فأغلب
الأعمال المنشورة من شعر وقصة ورواية ومسلسلات تلفزيونية
ومسرح، كان معادلها الموضوعي يدور في الماضي البعيد والقريب،
أو يدور في دائرة الحنين إليه، وبامكان أي واحد منا أن يستحضر
الان في ذاكرته أول عشرة أعمال إبداعية تخطرفورا في باله،
وسيجد أن هذه الأعمال بمختلف أنواعها وأشكالها الفنية، إنما
كتبت ضمن هذه الدائرة الماضوية، في بالي الان سلسلة طويلة من
الأعمال التي تتبادر فورا للذهن مثلا: كتاب أمس المكان الان
لأدونيس، تجليات الغيطاني ووقائع حارة الزعفراني، أولاد حارتنا
لنجيب محفوظ ، مسلسلات نجدت أنزور، طوفان سميحة خريس،أعمال
أمين معلوف من سمرقند حتى سلالم الشرق، الزير سالم لممدوح
العدوان،البكاء بين يدي زرقاء اليمامة لأمل دنقل..... وتطول
القائمة للمتمعن، وفي الحقيقة فإن هذا الموضوع يصلح كمادة غنية
للبحث أو أطروحة دكتوراه .
نادرة هي تلك الأعمال الابداعية التي تعالج المستقبل، أنبش في
ذاكرتي فلا أجد حتى عملا واحدا... بإمكانكم تجريب اللعبة.
ألا يثير هذا التساؤل والشك والريبة في هذا الخيال السلفي
الارتدادي لمثقفي ومبدعي هذه الأمة، أهي حالة الهزيمة الشاملة
التي تعيشها الأمة، وتجعل مبدعيها يرتدون للماضي كنوع من
التمسك بالهوية الثقافية، سرعان ما سيتهاوى هذا التفسير أمام
الوقائع والحقائق التاريخية، فأغلب الأعمال المذكورة سابقا
مكتوبة في مرحلة الستينيات ، أيام كان الحلم العربي في الحرية
والوحدة والتنمية في عز توهجه وألقه، وقبل ذلك بإمكاننا الرجوع
إلى أعمال المبدعين الأوائل في العصور السابقة، سنجدها تدور في
نفس الدائرة الماضوية الارتدادية... مقامات الحريري، ألف ليلة
وليلة، كليلة ودمنة، حي بن يقضان، تغريبة بني هلال، سيرة عنترة
بن شداد وغيرها الكثير الكثير من إبداعات العقل العربي على مدى
تشكله التاريخي.
إذا ما هو السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة الغريبة حقا؟؟
إن التفسير الاخر مرعب، ولكن يبدو أنه السبب الحقيقي لهذه
الظاهرة: وهذا التفسير المنطقي والمرعب في ذات اللحظة يقول:
إننا أمة توقف بها الوقت عند القرن الرابع الهجري، ولم تتجاوزه
مطلقا منذ هزيمة العقل العربي المتمثلة في هزيمة المعتزلة أمام
أهل السنة وأتباع السلف الصالح، وأخذ ظاهر الأمور، والحجر
الفعلي على أهل الفلسفة والكلام، أو الحجر القسري على حق
الاجتهاد، وتسمية المبدعين بأهل البدع وما ارتبط بها من أن كل
بدعة وصاحبها في النار.
وقد أدى هذا الجمود الفكري إلى إنتاج فلسفة الخوف ...الخوف من
المستقبل والخوف من كل ما هو جديد ومحدث ومختلف عما اعتادته
الأذن العربية والعقل السلفي من النسج على منوال سابق...هو
الخيال السلفي الميت والخائف من الخيال الاخر...الخيال المعرفي
المبني على العلم والعقل والابتداع الذي هو جنة المبدع لا
جحيمه.
إننا نعيش الان زمن الخيال المعرفي والعصر الرقمي بتجلياته
المختلفة التي كان من أهمها سيادة الثقافة البصرية، وهذا
الخيال مناقض تماما للخيال السلفي، فإذا كان الخيال السلفي
يتمسك ببعدي الزمان والمكان فإن الخيال المعرفي قد تجاوز هذين
المفهومين ، ذلك أن الزمن حالة من التسارع ، وتسارع الزمن يعني
ثباته ووصوله في النهاية إلى الواحد ، أما المكان في العصر
الرقمي فما عاد سوى نهاية تقترب من الصفر، وهذا المفهوم لبعدي
الزمان والمكان هما أساس الخيال الذي هو معرفة، والقادر على
إنتاج أعمال إبداعية تستقريء المستقبل وتنظر إليه.
على العكس تماما من الخيال السلفي، فالزمان فيه أزمنة وحنين،
والمكان كون شاسع يمتد من الهند إلى السند وتطوان فبغدان...
ويا هملالي....
|