صفحة الغلاف

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

واتا الحضارية

www.arabswata.org

السفر

قصة

ياسين بلعباس*

       كنتِ  امرأة رفضتِ السفر سبعين مرة .. انتظرت بفرح مذبوح سفرا تقبلينه .. وكنت عنيدة
ما أجلدك.. لست أدري لماذا جنيت عليّ ،وعلى الرغم من ذلك كنت أحبك بعمق .. ما كان أسهل لو سافرت قبل خمس وعشرين .. ما كان أحسن لو تنازلت عن مجيئي ذات يوم صيفي .. لماذا لم ترفضي معرفتي ككل أبنائك المساكين..؟؟
سفر يتآكل في داخلي .. ولهيب لا ينطفئ في أحشائي ..
حمق ..كآبة.. شهيق. .. ونبض منافق .. يتآمرون على انسحابي ببطء .. عمر قصير .. وكل العيون تكشف عيوبه من يوم لآخر .. فوق كرسي خشبي جلس ثعبان يتأملني :
ـ تعال وخذ مني ما شئت ، لكن اسحب نظراتك أيها اللطيف الوقح ..
لعل العالم يجتمع يوما ليسحب غيظه ، ويسمح للفقراء من أكل بعض الحشائش المحظورة ، وقد يلحقهم بصفة رسمية بالحيوانات العاقلة .. وألتحق بهم لا محالة .. وفي يدي جواز سفر أعطانيه المدير العام لحظيرة الحيوانات العاقلة .. بتآمر مع دولة تقدمية جدا ، تحب تربية الحيوانات المفترسة.
تأكدي ـ أيتها الأم ـ أن ابنك لا عهد له بالمحاكم ولا السجون ، ولا قدرة له على رفضها إذا طلبت منه ذات يوم في مكالمة هاتفية مجهولة ، قد تكون من فاعل خير..لا دخل له في سحابة تمطر أو أنثى تلد.. أو شمس تشرق.. أو ريح تعصف.. أو غريق ينجو .. هل أخبرتك عن حادثة وقعت لي غدا وأنا ادخل قلبي ؟؟ .. أعرف أني لم أحدثك بها .. سأخبرك عنها فاسمعيها ..:
لبست كل ما لدي من أوراق الكتابة فوق كراريس المدرسة .. واتجهت متخفيا إلى المدينة كراهب يهابه كل من يراه .. واشتغلت بالنفاق سنتين كاملتين .. وأخيرا قصّبت جناحيّ..أدركت اللعبة ..رفضت الرهبنة.. تعريت فتحت نوافذ العالم .. ولم أدخل إلا بعضها حبا أو كرها..
لكن تأكدي أيتها الأم أن قلبي لن يخفق إلا لها ما حيت .. لن أطلب منك إلا رضاك والعفو .. أخذني أحبائي إلى مستودع يعتزون به .. كان العالم فيه يضيء بظلام دامس .. وقف المحامي في عناد ليقول لهيئة المحكمة المصغرة :
ـ( إن موكلي ـ أيها السادة ـ يملك قلبا لا يخفق إلا لها ..فما ذنبه هو إذا كان قلبه هكذا ؟؟ )
واستقرت آراء المحكمة المتفقة على تأثيمي . أن يطلقوا سراحي ويحبسوا قلبي الخفاق .. نزعوه !! لا تتعجبي ، رفضته كل المنظمات الطبية والإجرامية ورفضته حتى التربة .. أعادوه إليَ وقد حبسونا معا في مستودعهم الفسيح كمرحاض مقهى من القرن الرابع الهجري .. وكتبت داخله كل الأفكار التي تؤيدهم في السر.. وقد أوضحت رأيي في سيرتهم الهلالية بكل حرية .. نعم بكل حرية إنني لم أشعر بحرية كالتي أشعر بها هنا .. لكن الذي كان يزعجني كثيرا أنهم كانوا يسمحون لنا بإلقاء خطب حماسية ـ وبدون مناسبة في أحايين كثيرة ـ في ساحة المستودع المرحاض ، التي كانت تعج بحشرات بشرية تتكاثر بين الحين والآخر .. وككل المتحمسين كنت القي الخطب الحماسية التي لا تثير حتى  "أنا" .
وكانت الحشرات البشرية تتقاطر يوميا للاستمتاع بهذه الخطب ـ أيتها الأم ـ ابنك لم يكن خطيبا حماسيا يثير الحشرات .. فهل تدركين الآن أنني أضعف خلق الله فوق بسيطته .. ؟؟!!
لست كما تتصورين ، منذ فارقتك ، قد تصدقين قولي أو ترفضينه ، لكن قلبا يحدثك دوما أن صمتي يعزف لحنا تحاصره كل امرأة لا قلب لها في هذا العالم المنتصر على أفراحه .. تأكدي أن فلسفة البعث قد تآمرت على حزني ، وأن شهيقي كانت تذبحه حمامة أبي فراس الحمداني ,,
كان البحر يتراءى لي في مده وجزره كحشرة مستوردة من أدغال أفريقيا .. لا تأكل إلا الحشيش ولا ترقص إلا على النار .. وبين شطحاتها كانت تتراءى لي عيون تقتل فرحتي في صمت الضجيج و الصخب الحيواني .. ولا
ألوي على شيْ سوى دعواتك بمواصلة الصمت .. والتقليل من التدخين .. والشهيق .. والحمق.. والنظر إلى عينيها .. ألست امرأة ؟؟!!
أخبريني عن عيونها عندما تلتقي بعيوني تحت جناحي الحشرة الإفريقية : ماذا تقول ؟؟
إنها لا تزيدني إلا صمتا وشهيقا .. إنها تدفعني إلى المتاهات لأنتهي في هدوء .. مبتعدا عن كل مشاغبات النار والحشائش الاستبسية .. وأوشام الزنوج الزنجية..
وهل أخبرتك عن حادثة ستقع لي البارحة .. قرب زمن النفط الجاني على سعادتنا .. إذن .. ما دمت لم أخبرك بها فاسمعيها .. ولتكن الأخيرة من آلاف الحوادث المنسية :
كنت امشي ككل البشر عندما يحلولهم المشي بمناسبة ودون مناسبة ، لا يصاحبني سوى جسد أنهكته السنون .. تسلمه الشوارع للشوارع ..وسط أمواج بشرية .. كل يهيم على وجهه .. كنت احسبني بشرا مثلهم .. ويخدعني بصري وينسحب قلبي من جوفي .. ويطير لبي .. وأتبع طيفا .. ويصطدم بصري بجدار يحول رجلا فارعا في القصر كعملاق متخلف عن ركبه وأبلع بسمة بريئة تدمي مشاعري الإنسانية .. وتفيض الشوارع السابقة والأخرى اللاحقة بدموع لم يوقفها سوى ذلك العملاق المتخلف عن ركبه .
أيتها الأم تأكدي أنني لم اسكب دمعة واحدة . لذلك حملوني إلى داخلهم ليرغموني بسياطهم المهذبة جدا على التبرع لهم بدموع .. لم تفلح نصائحهم .. قاموا بالممكن والمستحيل .. وجلسوا على اللاجدوى .. تدخل طبيب مختص في المجاري البولية والمسالك الجانبية ليقول لهم إن مخزون هذا المسكين ـ وكان يعنيني ـ لم يبق منه شيء .. صدقوه .. وقلت لهم ذلك قبله ، فتقبلوا كذبي بسياط مصنوعة من ذيول الثيران .. وتقبلوا قولة بمغفرة وصفح عني ..
انسحب جسدي بخشوع تام تحت أقدامهم اللطيفة .. وابتلعتني الشوارع كعادتها ..نسيت ـ واغفري لي نسياني هذه الأيام ـ أن أخبرك قبل خروجي ماذا قالوا لي
وقفت بين يدي رجل يفرك شاربيه بين الفينة والأخرى ، وهو يبتسم قال لي :
-
ألست مخلوقا من طين ككل البشر ؟؟!!
-
لا ..
-
ما ذا تقول !! ووقف منتصبا .. منصوبا .. أو مرفوعا .. مذعورا ..
-
هذا رأيي الخاص ..
-
هذا الرأي أخبر به أمك التي أنجبتك أو ولدتك ..
هو الذي أخبرني بأن أخبرك ..
شككته في موسوعته العلمية التي يحملها ككل أمثاله.. وقطب حاجبيه ، ثم أردف:
لسنا من طين!!وتعتقد ذلك !!؟؟ من علمك هذا الاعتقاد ؟؟
المدارس التي تفتحونها دائما ، وتعيدون تدشينها ، كلما ألقي فيها فوج سألهم خدمها : ألم يأتكم بشير ؟؟ قالوا : نعم لم يأتنا بشير وكنا في ظلام الجهل ، وجئنا نتعلم ، نعم أيها السيد لقد علمتنا المدارس أننا خلقنا من غير طين ، فهل تنكر ؟؟ !!
تصوري أيتها الأم أنني تحولت إلى سائل لزج لا يُشرب بسهولة ، وتحول صاحب الشاربين - إلى مسئول غير مهيب الجانب لم يجبني .. فأردفت السؤال بأخيه :
عن أي شيْ تسأل ؟؟
كنت أرى صحوا تعتمه زوبعة رملية في قلب الصحراء.. ولم يعد الرجل يرى أمامه شيئا .. قال بتعجب شديد .. :
-
هل تعلمكم مدارسنا كل هذا ؟؟
-
نعم .. وأكثر من ذلك
-
ألا ترى أن هذا أكثر مما تستحقون ؟؟!!
-
بلى هذا أكثر مما نستحق ، وبإمكانكم أن تأخذوه وتنصرفوا ..
لست ادري كيف قلت هذه الجملة الأخيرة ، ويبدو أنني أصبحت أفكر بصوت مرتفع .. من رفع صوتي ؟؟.. من علمني الجرأة أمامهم ؟؟.. ربما أذيال الثيران التي أكلت جلدي ما استطاعت..ربما أمر آخر لا أعرفه .. أو لا أقر به .. لم يتغير من الزوبعة شيء .. قال لي :
-
من أنت أيها السيد ؟؟
ضحكت أيتها الأم ملء شدقي .. لا لشيء سوى لأن مخزوني من الضحك لا تنهيه نكت العالم .. وأجبته كالواثق من نفسه:
-
ولماذا شرفتموني بهذه الدعوة ما دمتم لا تعرفون من أنا ..ثم ( .....)
ولم يتركني انهي الجملة الأخيرة حتى قاطعني :
من أنت قلت لك ؟؟
-
أنا حشرة كبيرة تتحدى كل المبيدات ..
-
لم أفهم
-
ومتى فهمتم كلامنا ؟؟ ثم لست مطالبا بإفهامك ..
وسبحان الذي يغير عباده إلى حيوانات في رمشة عين .. بعد مدة قضيتها بعيدا عن جسدي المنبطح أرضا .. عدت لأحمله بهدوء تام..ولم أخرج إلا بمساعدة أقدامهم الكريمة التي أوجدتني في الشارع مرة أخرى..ندمت على خروجي .. ووددت لو أنني بقيت بينهم مدة أطول .. السياط التي كانت في الشارع زادتني حرارة .. وشلت حركة جسدي .. ولم اشعر بمعاملتهم الإنسانية إلا عندما اصطدمت بعيونها .. ساعتها أدركت أن ميدوزا قد بعثت .. ولما كنت حشرة فقد تحديتها .. وزاد نبض قلبي .. رفعت كل ما أملك من رجولة وقوة ورميتها في مزبلة الماضي .. طفل لا يعيش زمنا بعينه بدل حاضره .. تخفى عليه كل التصورات الزمنية .. ابتسامة وتنسحب .. براءة وتدفن قبل ولادتها .. وطفولة حالمة مفقودة.. وعيون ميدوزا ماذا عساها تفعل معه !!.. أدركت سر اللعبة في جمود البشر أمام بصرها الخارق .. لعينيها صرت أحبها .. في ليلة من ليالي هذا الزمن الرديء قمت مفزوعا من نومي أهتف باسمها ( ميدوزا..ميدوزا..) أريدها أن تحجرني كتلك الصخرة التي تشهد على نهايتك بعد خمس وعشرين .. وأتبعك ظلا يحرسك من كلاب الليل وسباع النهار ..
آخر الكلام : متى تسافرين ، ليصمت فرحي وأحملك طيفا يحلم بالحزن والقهر إلى الأبد ..؟؟!!

===========

* ياسين بلعباس – قاص جزائري

===========

تعقيب

الأخ المبدع ياسين بلعباس
أسعدتني إطلالتي على أول نص من نصوصك
"
السفر " بحاجة إلى دراسة متأنية واعية  ، فقد سارت القصة على محاور : الإنعتاق من الفقر ،الخيبة ، التسلط ، و القهر؛  و قد لجأ الكاتب خلال سردها إلى الترميز و التورية
ففتح أبوابا كثيرة للإستنتاج و التأويل ، بلغة راقية و عبارات بليغة .
***
أخي ياسين ....
سلمت أناملك و دمت مبدعا .
نزار