
قصة
أشرف نبوي*
هاتفتني
بصوت قلق ، أريد أن أراك اليوم ، توقفت أحرفي تعجبا وحيره ،
لم تمهلني حددت الموعد والمكان وهي تلقي بالسلام مع إغلاق الخط
، أصابني بعض القلق
، فلم أعهدها هكذا وهي المبتسمة دوما ، هادئة الطباع ، حين
وصلت لمحتها جالسة في
ركن وقد أتشحت بغطاء لشعرها ونظارة شمسيه كبيره تغطي معظم
وجهها ، تبسمت وأنا أقترب
منها ، رمقتني بنظرة غاضبة ، زمت شفتيها قبل أن تبدأ في حديثها
الذي شعرت بأن أحرفه
تكاد تتقافز من بين شفتيها الغاضبتين ، كنت أستمع إلي كلماتها
وقد أصابتني الدهشة
والذهول ، حين أتمت حكايتها ، نظرت إلي في بلاهة وهي تسألني عن
رأيي ، أعتلت وجهي
حيرة وأنا أشعر بعجزي عن الرد . حين غادرتني كانت أفكاري مشوشة
، ودهشتي المختلطة
بحيرة تلفني ، جلست أسترجع الحكاية و أنا أحاول أن أربط بين ما
أعرفه عن زوجها
صديق طفولتي ، وما حكته هي عنه الآن ،
هو شخصية هادئة عقلانية ، يتسم بصراحتة
المفرطة والتي توقعه أحيانا في الحرج ، لا يجامل لكنه ودود
يبذل قصارى جهده ليساعد
صديق أو يعين محتاج ، برغم أنه نشأ في أسرة فقيرة إلا أنه
أستطاع أن يبني ذاته ،
أكمل تعليمه الجامعي ، وبمساعدة بسيطة من أخيه وخطيبته التي
أصبحت فيما بعد زوجته ،
أستطاع أن يبني صرحا ، أصبح مصنعه للملابس أحد أكبر المصانع في
الوطن ، كان من
القلائل الذين لم يفكروا في مغادرة الوطن لبناء مستقبلهم ، كان
يردد من أراد أن
يبني نفسه ويحقق النجاح فعزيمته هي الأهم وليس المكان ، كان في
نظري مثالا يحتذى ،
وكنت أحسده علي قوة عزيمتة ، وعلى قدره الذي وضع في طريقه تلك
المرأة ، كانت تعشقة
، وتؤمن به أيما أيمان ،
حين أنتهت دراستها للطب تزوجا ، كان قد بدأ في تنفيذ
مشروعه منذ أشهر قليلة ، تركت حلمها الذي عاشته بأن تصبح طبيبة
، ووقفت بجواره ،
كانا يعملان سويا أكثر من خمس عشرة ساعة ، وكانت سعيدة بنجاحه
، تهاتفني كل فترة
وصوتها يرقص فرحا لتبشرني بقفزة جديدة علي طريق نجاح زوجها
وتعتذر عنه لأنه يشعر
بتقصيره في التواصل معي ، لم تفكر يوما في تضحيتها بعملها
ومستقبلها كطبيبه من أجله
، كانت تعتبر أن هذا واجبها ، وإنه اقل ما تقدمه لحبيبها وشريك
عمرها الذي أرتضته
من بين كثيرين ، وخفق له قلبها وحده ، كنت أستشعرها راهبة في
محراب حبه ، حين كنت
أحادثه كنت أستشعر حبه لها مع قدرمن الإتزام الذي عرف عنه
وتميز به ، وكان هذا
يسعدني ويطمئنني على مستقبل علاقة أثنين من أقرب أصدقائي ، لكل
ماسبق كان حديثها
معي بما حمله من مفاجأة ليس مما فعله هو فقط وإنما من ردة
فعلها هي أيضا والتي لم
أكن أتوقعها على الإطلاق ، حتى تأكيدها لي بألا أتحدث مع زوجتي
أو زوجها بشأن ما
روته لي كان محل دهشتي ، وكنت في حيرة من أمري وأنا أتساءل إذا
كانت لاترغب في
تدخلي فلما قصدتني لتحكي لي ولما أصرت علي إخباري بكل تلك
التفاصيل ، قد أفهم
تخوفها من أخباري لزوجتي وهي تعرف مدي غيرتها وإندفاعها ، أما
زوجها فلما ؟، بقيت
يومي أتساءل وأحلل الموقف برمته ، لكني لم أصل لشيء ، فكرت أن
أتصل بصديقي وأستفسر
منه ، لكني خشيت أن أتسبب في مشكلة بينهما
، وأخيرا أهتديت إلي فكرة لما لا أتصل
بها ، ومن خلال حديثي معها ، يمكنني فهم الأمور بشكل أوضح
.
تنهدت حين سمعت صوتي
ثم همست ما رأيك ؟ رددت بثقة أعتقد أنه مخطئ ولولا أنك طلبت
مني عدم التحدث معه
لكان لي موقف أخر ، ثم أردفت لكن أنت أخبريني ماذا ستفعلين؟ ،
زفرت في أسى وهي ترد
لا شيء ، ثم صمتت قليلا وقد تملكني العجب وألجمتني المفاجأة ،
ثم أردفت أنني أحبه
وأعلم حق العلم أنه يعشقني ، وما فعله ليس إلا مجرد نزوة ،
وأصدقك القول أنها ليست
المرة الأولي ، فقد فعلها مرات ، ما آلمني هذه المره أنه فعلها
مع إحدي صديقاتي ،
وفي بيتي حين دعاها للغداء بعدما سافرت أنا لإنهاء أحدي
الصفقات ، وجدتهما يضحكان
وفي غاية السعادة ، المصيبة أنه لم يرتبك أو يخجل ، قام إلي
وقبلني وهو يكمل حديثه
مع صديقتي التي أرتبكت قليلا ، ثم غادرتنا ، أما هو فلم يتحدث
في الموضوع ، بل بدأ
بسؤالي عن العمل ثم دعاني للخروج وتناول العشاء.
قاطعتها قائلا ربما سلبيتك
وعدم شعوره بغيرتك هي ما تدفعه لتكرار هذا ، صمتت برهة وقد
لاقى كلامي صدى لديها
،لكنها ضحكت وهي تذكرني بغيرة زوجتي الجنونية وما تسببه تلك
الغيره من مشاكل جمة
بيننا ، ثم أردفت أتظن ذلك ؟ قلت من خلال معرفتي به و بك أنا
على يقين من أن هذا هو
السبب الوحيد ، ربما يريد أن يرى غيرتك عليه ، تراقص صوتها
فرحا وهي تشكرني وتودعني
.
مر شهر لم أسمع عنهما أي شيء ، وفجأة وجدته يتصل بي ليدعوني
وزوجتي إلي
العشاء ، قبلت الدعوة شاكرا ، في المساء كنت على موعدي معهما ،
لمحت السعادة تتقافز
من أعينهما ،أما زوجتي فلم تكن تشعر براحه خاصة وهي ترى اهتمام
زوجة صديقي بنا ،حين
قامت لإحضار الطعام ، مالت على أذني وهو تهمس ماذا بها اليوم ؟
لم أرد وأنا أدري
بزوجتي وغيرتها ، اومأت إليها أن تقوم لتساعدها وتسألها ،
تبسمت وهي تغادرنا أنا
وصديقي الذي افتر ثغره عن إبتسامة وهو يقول لقد تغيرت كثيرا
زاد إهتمامها بي ،
وأصبحت تغار علي حتي من زملائي فأومأت برأسي مبتسما ، ولسان
حالي ينعي حظه العاثر
وما ينتظره .
بعد أن أنتهينا من طعامنا ، قام لغسل يديه ، نظرت إلي نظرة ود
وعرفان ، جعلت زوجتي تسأل بعصبية ، ما بها اليوم ، نظراتها
إليك مختلفة ، تصنعت
الهدوء وأنا اعرف غيرة زوجتي ، ورسمت على وجهي نظرة تعجب ولا
مبالاة ، حين أجتمع
شملنا من جديد أعتدلت زوجتي في جلستها وبدأت تتحدث ، لم تكن
كعادتها ، فقد بدأت
توجه حديثها إلي صديقي وتناقشه وتتصنع الضحك بين جمله وأخري ،
داريت إبتسامتي وأنا
الذي يحفظها عن ظهر قلب ، فقد أرادت أن ترد الصاع صاعين لزوجة
صديقي وتشعل فيها نار
الغيره التي أحستها حين شعرت بنظراتها لي ، وهي لا تعلم سبب
تلك النظرات ، لم تغضب
زوجة صديقي ، أنتهت السهرة .
في طريق عودتنا كانت هناك الكثير من الأسئله
تنتظرني ، كنت أرد بإقتضاب جعلها تنفجر غاضبه ، لكني كنت أحاول
أن أحفظ السر الذي ائتمنتني عليه زوجة صديقي ، تحملت غضبها
وتلميحاتها ، وقد زاد هدوئي وردودي عليها
من ثورتها ، ظلت عدة أيام وهي لاتحدثني ، لكني وجدتها وبدون
مقدمات تطلب مني أن
أقوم بدعوة صديقي وزوجته علي العشاء ، نظرت إليها في عجب لكني
لم استطع أن أثنيها
عن رأيها ، كنت أعرف إن وراء تلك الدعوة الكثير ، فكرت أن
أتحدث مع زوجة صديقي من
العمل لأطلب منها الحرص ، لكني تراجعت ، ربما راقني ما يمكن أن
يحدث بينهما ، لكن
وعلى عكس ما توقعت مرت الأمسية على أحسن ما يكون ، وقد راقني
ذاك التقارب بين
المرأتين ، فرغم طول مدة صداقتنا ، لم يحدث أن رأيتهما هكذا ،
صديقي لم يعر الأمر
أهتماما كبيرا ،
اما أنا فقد فضلت المراقبه عن بعد لأعرف السبب الحقيقي وراء
هذا
التقارب المفاجئ ، خاصة وأنا أرى عرى المودة قد توطدت بينهما
على مر الأيام ،
وأصبحتا تكثران من الزيارات بينهما ، والتسوق سويا ، وقد بدأت
أشعر بتغير زوجتي للأفضل
، فقد بدت أكثر هدوءا وأقل غيرة ، واختفت عصبيتها الزائدة ،
وعلى الجانب الآخر بدا
زوج صديقتي يحدثني عن زيادة إهتمام زوجته به ، وغيرتها عليه ،
ورغم تحفظه وهدوئه
الدائمين إلا إن السعاده بدت عليه ، وهو يحدثني عن التغيرات
التي طرأت علي حياته مع
زوجته ، وحرصها على إسعاده ، وزيادة تعلقه بها وحبه لها ،
بعدما تكاملت كل صفاتها
التي كان يحلم بها، أما أنا فقد أنشغلت بعد فترة عن التفكير في
أسباب التغيير ،
وتفاصيل تلك النقلة في العلاقة بينهما ، وبدأت أستمتع بما وصلت
إليه العلاقة بيني
وبين زوجتي ، وأعايش حالة العشق التي أعادتني إلي فترة الخطوبة
، أما ما حدث في تلك
الليلة وما دار بينهما من حديث فقد بقي لهذه اللحظة سرا ،
تتهربان من البوح به كلما
حاول أحدنا السؤال ، و تستبدلان الإجابه بضحكة أنثوية ماكرة
تعقيب
اخي المبدع أشرف نبوي
الغيرة هي ضرب من الإحساس بالخطر أو نوع من الشعور بالتهديد
المصيري ، لذا يمكن أن يكون منبها إيجابيا يحفز العقل لايجاد
وسائل كفيلة بإزاحة هذا الخطر أو التهديد ، و قد يكون منبها
سلبيا يثير الارتباك و الاضطراب و يقلب حياة المصاب به و من
حوله إلى جحيم
و لعل بطلتي قصتك كانتا من الذكاء بحيث اكتشفتا العامل
الإيجابي فلعبتا على أنغامه فتجاوزتا بذلك محنة العامل السلبي
..
نصك رائع يا أخي معنى و مبنى و بأسلوب مشوق يشد قارئه من ألفه
إلى يائه
أهنئك و دمت مبدعا
نزار