مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 السرادق رقم  450

قصة بقلم : عاكف الجمل

ميدوزا

        امتلأت الغرفة بالأقارب والضيوف .. وكان الحديث الدائر بينهم هو عددالوفيات بين الأطفال وبعض الكبار .. وأعقبها لحظات صمت بددها الحاج علي قائلا: بالأمس شيعنا جثمان الطفل أحمد ابن الشيخ عبد الواحد رحمة الله عليه، كان يوما لن أنساه: الأم المسكينة تصر على مرافقة الناس إلي المقبرة، رغم اعتراض الكثير من أهلها وإخوة زوجها.
أخوها الكبير الحاج عبدالسلام يقول لها استحلفك بالله أن تبقي مع النساء، وأن تعملي علي تصبير بناتك. لقد أنهكهن الحزن وخاصة ابنتك إيمان. لقد كانت الأكثر تعلقا بأخيها، وهي في حالة يرثى لها.... الحزن والسواد والكآبة حجبت عن الأم كل تلك التوسلات، وما إن وصل الجميع للمقبرة حتى تقدمت تلك الأم المفجعة في فلذت كبدها تحمل ذلك الجسد الذي أجهضت الأيدي الآثمة روحه إلى مثواه الأخير جف حلق الأم، فلم يعد يسمع أنينها ونحيبها، وتحجرت الدموع في عينيها، بعد أن نضبت كل روافد نهر دموعها، وما هي إلا خطوات قليلة اتخذتها، حتى خارت قواها، وأسرع الجميع ليتفادوا سقوط الحياة والموت، وأخذوا ذلك الجسد الطاهر كطهارة مريم العذراء.
أودعوه في حفرة هي أكبر من دنياهم، حيث تتحرر الروح من الجسد، وتتخلص من ظلمهم الذي لاينتهي، وتنحت الأم جانب القبر، وتطلعت ببصرها وروحها وكل ما أوجد فيها من أحاسيس إلى ذلك الشهيد الصغير، وكيف يهال عليه التراب ويغيب عنها إلى أمد طويل
ماما.. أمي.. أمي.. أنا أموت.. إنني خائف.. لا تتركيني..
كانت تلك الكلمات آخر ما سمعته منه قبل أن يدخل في غيبوبته السرمدية، مخلفا جرحا يطول التئامه في وجدان الليبيين، وهواجس وكوابيس ستظل تلاحقهم إلى آخر أعمارهم.
وما إن أكمل الحاج علي حكايته تلك، حتى علا صراخ وعويل في الغرفة المجاورة، وعلى إثرها دخل عليهم عبدالعزيز وهو يردد بصوت يغلبه البكاء والنشيج:
- أخي عمر انتقل إلى رحمة الله .. وبموت عمر تم بناء سرادق العزاء رقم 450 لضحايا أطفال الإيدز بليبيا.

  ليلـــــــة اختناق سيزيف

 قصة بقلم :محمد غالمي

ميدوزا

            حمدا لله على سلامتكم.. هيا يمموا شطر تلك الغابة.. لا تبرحوها حتى يأتينكم مني نذير.. شغلوا هواتفكم المحمولة.. خذوا حذركم.. الوضع في غاية السوء.. استنفار حاد في صفوف رجال الأمن.. استعينوا بما يكفيكم من البلاستيك لإقامة حواجز تقي من لفح البرد... رعب مكين استبد بكيان ياسين.. طيلة الرحلة السندبادية البغيضة.. غاز المحرك على وشك النفاذ.. هيئوا المجاديف.. موج ثائر يكيل للمطية صفعا عنيفا.. لم تمهلها المياه الغاضبة.. انتفضت الطيور المروَعة.. تعالى العويل واحتد النحيب.. ومساعد القائد مفتولة عضلاته، يصرخ ملء عقيرته.. اسكتوا أيها الغربان المشئومة.. وكالجرافة امتدت يده بلا رحمة... ما أصلبها من أياد فولاذية جرفت إلى بطن اليم أرواحا مروعة.. زفتها عرائس للقروش تفض بكارتها! عاد إلى مكانه وكأن شيئا لم يقع.. واصل صياحه في من لاحت على سماهم رباطة الجأش.. هيا.. أسرعوا.. أفرغوا المركب قبل أن يبتلعكم اليم.. وكاد فؤاد ياسين ينخلع من رعب..ما يزال مصرا معتصما.. يعظ على حبل النجاة بالنواجذ.. أهي الرغبة الملحة في الخلود والتشبث الأعمى بتلابيب الوجود؟ أم هو الوعد الخالد خاف عليه الانهيار والوأد؟! ومهما يكن فقد شمر عن ساعديه.. لا يبالي البرد والبلل.. يفرغ المياه الطائشة بما أوتي من عزم، وكأنما يتبارى في سباق ضد الساعة.. حقا شفع له ما هو فيه من كدح في مفاوز الرهبة والرعب.. ضد صولة الموت المكشر وزمن الغصب.. وإلا فعل به المساعد ما فعل بغلامين ملآ الدنيا عويلا.. للتخفيف من وطأة الحمل الثقيل كان لابد من إفراغ بعض من الحمولة.... كادت تلحق بهما امرأة لولا أن شفع لها وضعها كحبلى.. ورغم ذلك لم تسلم من ركلة كادت تجهضها.. ما زال ياسين يسعى في حركات آلية يقضم مكرها ما عاين عن كثب من قرابين آدمية تقدم لسلاطين البحر.. يتجرع الألم مشفقا من حال الوعد الخالد.. وهو يحتسي سكرة اللحظة الفاصلة بين الحياة والعدم، تذكر مالكته.. عروسة حقول الفول.. في ذلك اليوم الربيعي الرائق.. في حضن القرية المهزولة العجفاء.. انتشى من سرور وهو يزف لها النبأ.. كانت مكبة على الفول تجنيه ويجني بجانبها مسرا في انفعال.. لاحت بوادر الفرج.. عنت تباشير الفجر الذهبي.. قري عينا وهللي يا مالكة روحي.. جميع الأمور رتبت.. سوف تنطلق الرحلة مساء هذه الليلة من أدغال جبال الريف.. سوف تصبحين نجمة نجوم القرية.. سلطانا تنحني له الرقاب.. إذا كان محفورا على الجبين أن نكد في أرضنا كفاية بطوننا ولم نبلغ الأرب، فحري بنا أن نبيع عرقنا في أسواق الجملة.. في ما وراء البحار.. ليس لياسين من مخرج غير التطلع إلى تلك العوالم النائية... هنالك يستجدي بعرقه ودمه مهر مالكته.. ذلك النفس العليل والجسد البض الأسيل.. وكيف لراعي غنم، حفار الشمندر ونتاف الفول أن يستأثر بقلب تواق إلى الخفقان... خارج أشواك القرية.. النعيم كل النعيم في أن تذوب الذات في عالم المدن والحواضر.. تلك فلسفة مالكة و شريعتها في ملكوت دنياها.. وفجأة أرعد الرعد.. وأبرق البرق.. وأفلت الومضة، وأظلم البحر. عادت سطوة الموج وهوج الرياح تتقاذف المطية القاصرة المحتضرة.. أما هو فخارت قواه من فرط ما استنزف من الطاقة في إفراغها.. وبعد لأي خبا لهيب الأنواء.. توارى نفسا من اليأس، ودب شعاع الأمل في النفوس.. زاد الوضع اطمئنانا أن صاح القائد في القطيع.. تنفسوا الصعداء أيها البغال المنهكة.. ليس بيننا وبين الغابة سوى دقائق معدودات.. ورقص ياسين طربا ونشوة على الرغم مما هو فيه من ارتباك ومحنة.. وعنت مالكة في الأفق البعيد تترقب أخبار طائرها الرحال.. انبرى يناغي طيفها بين اليأس والرجاء.. هوني عليك مالكتي.. ها قد بلغت بر الأمان.. أرقب العمران وتداعب روحي نسائم الجنان.. سوف تهدأ العاصفة.. وتنسحب عين الرقيب.. وأغزو الديار فارسا لا يخيب.. سوف أعود إليك سلطانا مظفرا.. سوف أوشح صدرك بمهر أغنمه من ساحة المعارك الشائكة.. لا يفصلني عن تلك الرياض المضاءة سوى أن يعلن الليل انسحابه.. دغل لا يطاق يلفنا يا مالكة.. يكاد يجهز علينا برهبة ظلامه ولسعة برده.. حفيف الأفاعي تتربص عند جذوع الشجر.. والقردة على الأفنان تقذفنا بتمار البلوط،، ثم تكشر ساخرة منا .. أما الخنازير المعربدة فحدث ولا حرج.. من أين لأجفاننا أن تنعم بلذيذ النوم يا مالكة؟! لا هم ولا شجون.. كل أمر في سبيلك يهون.. وحيى السراب واستدار ساغب البطن مقرور البدن.. كاد فؤاده ينخلع من وطأة ما هو فيه من جحيم مزعج مميت.. أحنى رأسه وانسل في عشه البلاستيكي يترقب انبلاج الفجر.. أطبق براحتيه على أذنيه اتقاء صياح لم يشك في طبيعته.. كان قدر باهية الفارة من نيران أرضها أن تكوى بنار مرافق لها غليظ.. بات الليلة كلها يزدردها ازدراء.. وبسط الفجر أرديته الفضية على السهول والجبال.. وقف ياسين يغالب الأرق.. ينظر إلى تلك المباني المشرفة على المخيم الإجباري في قلب الغاب.. مالكتي وضمادة جراحي وأشجاني.. قريبا قريبا سنختم آخر الأشواط.. سنطير كالنحل إلى سماء الروض.. استيقني حبي.. سأملأ بطني بالرحيق وأعود إلى الخلية ملك يمينك.. أفرغ فيها عصارة جوارحي..
سمع حفيف أقدام من خلفه.. أدار وجهه من فضول.. كان ثمة عجوز لا تباشر عملها إلا في عز الفجر كهذه اللحظة.. تسرق الحطب وتشحنه على بغلتها.. تقدم نحوها سائلا، مومئا ببنانه إلى ذلك العمران الذي لازالت الأضواء تغمر أزقته وشوارعه:
ــ ألا تزال حالة الاستنفار قائمة هناك سيدتي؟ ألم ينسحب حراس الأمن بعد؟ لقد سئمنا المكوث في هذا الغاب الموحش.. برد وجوع.. قرود.. خنازير.. جفوة النوم.. جهنم لا تستحمل يا خالتي..
ـ ومن أرغمك على اللجوء إلى هذا المكان.. آه، تلك الحرفة اللعينة.. التهريب.. من أرد العسل فلا بد أن يصبر لقرص النحل..
ـ اتقي الله فينا سيدتي.. ليس من شيمتي أن أغمس يدي في هذه الحرفة اللعينة.. لو وجدت العسل في موطني لما هرولت أبحت عنه في هذه الديار الغريبة.. أنا طائر رحال.. لا أستطيب غير الرزق الحلال..
ـ من أين انطلقت في رحلتك يا هذا؟
ـ من جبال الريف..
ظنت الحطابة بعقل الفتى الظنون.. خالته مخبولا آثر حياة الغاب والأحراش، وانطلق يضرب الأخماس في الأسداس..وخاطبته مستغربة:
ـ عن أية بلاد غريبة تتحدث... وأي استنفار تعني؟
ورد في حال من الدهشة:
ـ إسبانيا! ألست في أرض غريبة يا امرأة؟
وعادت الحطابة تطمئنه وتحاول رد الاعتبار لوعيه الكسير:
ـ شمل الله عقلك برداء العافية يا بني.. واعلم أنك حي ترزق في غابات جبال الريف.. أجل حبيبي.. إننا على مشارف عمران تطوان أيها الطائر الولهان..
جحظت عينا ياسين وحملق في محدثته.. فغر فمه وشرع يلهث متدليا لسانه كالكلب.. ربما أدرك بأن الراحلة المشئومة دارت دورتها الأفعوانية وحطت من حيت انطلقت.. أرسل آهات متقطعة.. جبال الرررر؟!