|


عن موقع فضاءات
الولد فرج مختار العفشة جاءه
الأعور وهو في عربة الترحيلات ، فظل يمسك بطنه من ناحية تحت السرة ، ويعض على
شفته السفلى ، وهو يقول بينه وبين نفسه أنه مغص خفيف . مجرد مغص جاءه من التهام
نصف حلة المحشي التي جاءت " زيارة " لخميس الخرم زميله في التخشيبة .
لذا فقد كان كل ما فعله أن جلس القرفصاء ، وراح يئن أنينا خفيفا ، ومحركات
السيارة تدور ، والعادم يحجب رؤية من هم تحت الصاج المولع ، ثم ارتفع الأنين
شيئا فشيئا حتى أدرك زملاؤه أن الموضوع جد لا هزار فيه ، فراحت القبضات تدق
الصاج الغليظ دقا ، والسيارة تمرق من تحت سفح تل المقطم ، متجهة إلى مقر
النيابة في السادسة صباحا وخمس دقائق فقد كان صوت الشيخ محمد رفعت يخترق الغبش
الخفيف بغبرة صفراء ، ويطلع من جوف " الرداوي " كي يعلن عن مولد يوم جديد.
كانت عربة قديمة متهالكة يزحف الصدأ في أركانها حتى يوشك أن يأكل الهيكل كله ،
ومن الطبيعي أن تكون هناك مقاعد خشبية غير أن الحكومة رأت توفيرا للنفقات
وتوسعة على المساجين ومن دفعته أقداره لركوب الرزايا أن تلخلع الألواح ، وتبقي
على الزوايا والصواميل حتى إذا ما جاءت لجنة حقوق الإنسان للتفتيش كان من السهل
تركيب تلك الألواح على عجل ، بل والإسراع بمسحها بقطعة جوف خضراء من بقايا مكتب
الباشا الكبير .
الولد فرج مختار العفشة ـ وشهرته الزلنطحي ـ أمسكوه من أسبوعين وكان هاربا من
قضية مخدرات ، ورغم أنه قد تفنن وحلق شعر رأسه ، ونتف حاجبيه حتى صار أقرب
للعفريت فقد أوقعوا به ، وعرف الجميع أنه لا يقع إلا الشاطر ، وأن دليلة التي
حلقت لشمشون شعره بالحيلة لم تكن تفعل ذلك صدفة فدماء الدهاء تسري في عروق صنف
النساء .
النساء أحباء الله إلا في ساعات الغضب وهي قليلة ، فهم لا يطقن أن يجمع البعل
بين زوجتين رغم أن هذا من شرع الله ؛ فما أن يشتموا أن الرجل سوف يفعلها ويتزوج
على " القديمة " ، وينسى العشرة ، ويرفس النعمة ، ويتغاضى عن العيش والملح حتى
يفور هذا الدم ، ويغذي اليافوخ بعشرات الحيل التي تسقط الغريم سقوطا مدويا .
الولد فرج مختار العفشة عيناه زائغتان ؛ فزوجته حلاله قمر 14 ، ولها عينان ما
بين الأزرق والبنفسجي ـ فشر اليزبيث تايلور التي كان يضع صورتها فوق فراشه
مباشرته قبل أن يتزوج و يخش دنيا ـ لكن القلب وقع ، ورفرف في الصدر ، واندبح
بنظرة قتالة .
فراح إلى بيت دلال وطلب اليد بالحلال ، ووضع على الصينية جنيهين من الذهب
اللماع طراز الملكة فيكتوريا ، وفتل شاربه ، وهو يسمي ساعة أن جاءت بالشربات ،
فكانت تخطر كالغزال ، حينها رنت الزغاريد في الحي كله ، وبرفة رمش جاء الصبيان
بالكبش فعقروه ، وأسالوا دمه على العتبة التي تتصدر مدخل البيت في الزاوية ،
وجاءت النسوة العواقر اللاتي ينتظرن مثل هذه اللحظة فغمسن أصابعهن في الدم
اللزج الساخن ، ورسمن خيوطا فوق الجبهة وحول دائرة الثديين ، وبعيدا عن العيون
البصاصة فوق السوة طلبا للخلفة وجلبا للذرية التي تسند الضهر.
ما أن علمت محاسن ابنة عمه ، والتي هي ستره وغطاه بالفعلة النكراء حتى أصابها
الخفيف ، ولأنها ماكرة وتلعب بالبيضة والحجر ، فقد كتمت في قلبها وهشت وبشت في
وجه زوجها وهو راجع ، وبسطت المائدة في العصر ، وقبل أن يخطف الأربع ركعات
الفرض راحت تطوف بالمنقد حجرات البيت وفوقه البخور الجاوي لتطرد الحسد والعيون
الصفراء التي تندب فيها رصاصة .
في الليل هجم رجال المباحث ، وقلبوا البيت عليه ، لكنه كان قد قفز من شباك
مفتوح على المنور ، وذاب في الظلمة الحالكة ، أما كبير البصاصين فقد دس يده تحت
المرتبة وأخرج طربة حشيش تزن حوالي كيلوجرامين ، وقبل أن يحرزها جاء الباشا
المتوسط فقطع بالسكين قطعة للذكرى ، وضعها في جيب الساعة ،ثم لفوا الحرز في
السلوفان ، وكانت تقف بالقميص الشفتشي تلوك اللبانة في فمها ، فدقت على صدرها
وهي تتمتم في حسرة : ماقدروش على الحمار قدروا على البردعة .
لم يسألها الباشا المتوسط عن زوجها فهي ليست غريرة لتدل على مكمنه ، لكنه نظر
نحوها في ارتياب ، وحدجها باحتجاج خفي : هنجيبه!
ورأتها فرصة لتعلن عن شعور كان يتنازعها بين الأسى العميق والإحساس بالتشفي :
أبقى قابلني .
والولد فرج مختار العفشة الذي ركع يلحس التراب الآن في أرضية العربة صار بوجه
ممتقع يصرخ كالنسوان ، ويجأر بصريخ متقطع : يا أولاد الكلب .. يا حكومة .
وسّـع له الزملاء في الأرضية مكانا ، وأناموه على جنبه السليم ، ودلكوا بأصابع
خفيفة الجانب الموجوع ، ثم بدأت دقاتهم تشتد على الصاج حتى صارت القلعة التي
كادوا ينتهون من المرور تحت سورها ترتج .
تمهلت السيارة ، وتوقفت فيما أطل وجه صول مخضرم : جرى أيه يا أولاد المجانين ؟
لوحوا له بإشارات يفهمها من وراء الشبك السلك أن فرجا يموت من الوجع ، فاختفى
لحظات ، وأطل وجه باشا لطيف الوجه أراد أن يبدأ بالهجوم قبل أن يأكلوه : فيه
أيه يا أولاد ستين كلب؟
قال أقدم المساجين والملمومين رتبة : يا أفندم الزلنطحي تعبان قوي.
أشار الضابط أبو دبورتين بيده أن يوسعوا له ليلقي نظرة ، فصعب ذلك جدا ،
وتصاعدات أصوات الاحتجاج : مفيش في قلبك رحمة ؟
وصاح آخر وهو يخفي وجهه في عتمة الهيكل المشحون بالأجساد : حكومة بنت حرام .
فيما وضع السجين عرفة فص أفيون تحت لسانه ، وطوح برأسه وهو يبحلق في الولد
الشاب الضابط الذي يخب في الميري : ألحقوه يا باشا . باين عليك ابن ناس صحيح
ومتربي.
ولكن الولد فرج مختار العفشة رغم أن وجهه كان مصفرا وجسده كله يرتجف جاب الكلام
من صرمه وهو يوشك على الموت : أحملكم المسئولية.
وكان يعرف في محنته هذه أن محاسن هي التي فعلتها ، فمن يعرف أنه قد حلق شعر
رأسه ( زيرو ) غيرها ، ومن رآه منتوف الحاجبين كالبرص سواها ، وكونهم جاءوا له
في الليل الغطيس ، وكمنوا في المدخل حتى صعد وبيده سطل اللبن ليبيع للزبائن
أكبر دليل على ذلك ، فما أن طرق الباب حتى أحاطوا به وامسكوه .
قال بقلب ميت : أنا سعد بياع اللبن .
كشف الضابط وجهه فكان كالمسلوخ ، سأل محاسن وهي تلوك اللبانة: هو ده جوزك؟
وجف قلبه ، وهي راحت تتأملته من فوق وتحت ، وراحت تقلب فيه كأنها تشتري
كيلوجراما من الطماطم من فوق عربة خضار ، ومدت إصبعيها الإبهام والسبابة ،
ونتفت شعرتين : مش عارفة .
لكن الضابط كان مصرً ان هذا هو فرج ، سألها وروحه تكاد تصل للحلقوم : هو ده
جوزك يا ست محاسن ؟
وهنا وجد المخبر صابر فرصته ليعلن للباشا أن كل شيء بالأصول ، فصوب الكشاف في
وجهه ، ومع التماعة الضوء رأته يهز رأسه متوعدا ، فحدجته بنظرة مستاءة : أهو
كلهم زي بعض . قطيعة الرجالة .
وهو هنا بعد الفيش والتشبيه ، ومضاهاة البصمات مقطوع تماما في رقدته على
الألواح الملتهبة في عز حر أغسطس ، والوجع يتصاعد حتى كاد يصل إلى اليافوخ .
أطل الضابط وهو يحاول أن يفهمهم وجهة نظره : جواب المأمورية من التخشيبة
للنيابة . ده خط سير مستحيل أعدله .
رد خميس وقد تناسى حلة المحشي التي طارت في بطن هذا الجشع : يعني هو خط السير
أنزل من السماء . غيـّـره!
امتقع وجه الضابط ، وسمعوه يتصل بالمأمور الذي كان نائما بجوار زوجته طرية
اللحم ، فالساعة لم تتعد السادسة والنصف ، وقد زجره المأمور : أتصرف يا حضرة
الملازم أول .
وهو ابن ناس ، رباه أبوه على احترام مشاعر الناس ، يعرف أن هؤلاء بشر ، لكنهم
بشر ملاعين ، وفي سنوات الكلية علموه الشخر والنخر وقولة " نمرة " وهي الأخف في
العرف السائد . لقد قرر أن يعدل خط سير العربة نحو أقرب مستشفى ميري، وليكن ما
يكون .
كاد يبكي وهو يحدثهم بقلب مفعم بالطيبة مع نبرة شر متصنعة : يا رجالة . أنا
هاوديه المستشفى بس أسمع منكم كلمة شرف.
ردوا جميعا في صوت يكاد يكون واحدا : واحنا رجالة مع الرجالة .
تهادت العربة في طريق معاكس باتجاه المستشفى ، ومن كان يرقب الطريق فقد رأى
أصحاب عربات الفول يكشفون القدر النحاسية عن أفواه يتصاعد منها البخار ، ورأوا
الأمهات يهبطن بقمصان الباتستا الخفيفة من البيوت لشراء الأرغفة الساخنة ، وملأ
الأطباق بالفول المدمس محلى بقرون شطة خضراء .
كان الشيخ محمد رفعت قد ختم التلاوة ، و جاء الصول ، وأمام الباب الداخلي حرك
المزلاج الحديدي ، وتقدم من الباب الموارب ، قال بصوت أقرب للرجاء منه إلى
الأمر : وسعوا له من فضلكم .
تقدم خميس الخرم وهو يسحب جسد المريض ، وكانا مكبلين في " كلبش " واحد " ورفع
للصول معصمين أحدهما ساخن مستعفي ، والآخر بارد متخشب : بسرعة يا صول حمودة .
وأعمل الصول مفتاحا صغيرا في "الكلبش" فانفتح الترباس وحرر المعصم من الأسورة
الحديدية .
كانت فرصة للمرحلين كي يشتروا سجائر ، ويشربوا ماءا مثلجا من أولاد الحلال ،
وامتدت أيد كثيرة بسندويتشات الفول والفلافل ، وعلى " التروللي " تمدد جسد فرج
مختار العفشة ، وقبل أن يذهب معه الضابط ربت برفق على كتف الصول والإثنين عساكر
المصاحبين للترحيلة : فتحوا عنيكم . دول اولاد حرام .
بعد الكشف الظاهري أمر الطبيب المناوب بتجهيز حجرة العمليات ، وشخـّـص المسالة
بأنها انفجار الزائدة الدودية . هرعت الممرضات لتجهيز الحالة ، وتعقيم المشارط
، ولم يقبل الطبيب الجراح أبدا بدخول الضابط حجرة العمليات ، حتى وهو يهمس في
أذنه : لو هرب سيادتك هاروح في داهية .
ما كان من الطبيب إلا أن صرخ فيه : يا سيادة الملازم باقولك عملية . فيه عملية
تنفع تتم على أيدي البوليس .
وفي الخارج كان الصباح يشقشق ، والأولاد مع البنات ـ حيث لا مدارس ـ يذهبون إلى
ورشهم ، وكانت الشمس تخترق ما تبقى من سحب متناثرة قليلة ، ووجد الولد عرفة
مساحة من الشباك تبلغ 50 سم 2 ليشير بيده عدة مرات لمريضة بالصدر كي تهبط نحوه
، وتضع بين يديه علبة بسكويت بالفراولة ، مع وردة بيضاء فيما كان سعالها يشق
صدرها الضعيف .
لم يعرف أحد من الذي أبلغ أسرة الزلنطحي بما حدث ، فقد أتت محاسن وهي تلطم
خديها ، والكحل يسيل من عينيها من أثر البكاء ودخلت من الباب الرئيسي بعد أن
سجلت بياناتها ودفعت رسوم الزيارة ، وبعدها بدقائق جاءت دلال العروس الجديدة ،
وهي بملاءة لف سوداء محبوكة على جسد يضح بالأنوثة ، ومن الباب الخلفي دخلت بعد
أن دفعت المعلوم .
التقت الضرتان أمام الباب المغلق ، وكان الضابط يزرع الطرقة ذهابا وإيابا في
قلق واضح ، وهما تبادلتا نظرات حانقة متفجعة .
وحين صعد الصول حمودة السلم ليسأل الضابط عن شيء يريده ، وجد المرأتين جالستين
علي مقعد خشبي على مقربة من حجرة العمليات يتكلمان بحميمية واضحة .
أشار له الضابط أن يشتري له علبة سجائر ، فاستغرب الصول : لكنك ـ سعادتك ـ لا
تدخن ؟
هز رأسه بأسى : من اليوم سأدخن .
وخرج الطبيب ليعلن للضابط أن العملية انتهت بخير ، وأن الحالة استقرت ، فاندفعت
المرأتان نحوه لمزيد من الاستفسارات ، فما كان منه إلا أن أشار للضابط : سيادته
يطمئنكم .
أعطى لهم ـ للمرأتين والضابط ـ ظهره ، واتجه لحجرته ، وبعد أن أفاق الزلنطحي من
البنج ، تحرك متوجعا ، وقعت عيناه على الضابط الذي كان يرمقه بحيرة ممتزجة بغضب
متكتم ، فهز رأسه ممتنا ، فيما أغمض عينيه عن عمد رغم توسلات دلال ونحيب محاسن
.
بصعوبة أراح الزلنطحي رأسه على الوسادة ، وقد علم كل أفراد الترحيلة ـ بعد شهر
من حدوثها ـ أن الضابط قد خصم منه 15 يوما من راتبه ، وتم نقله لشرطة المرافق
لأنه قد أخل بمقتضيات العمل الوظيفي . |