
قصة قصيرة
د. محمد فؤاد منصور
حركة
غير عادية انتظمت المكان
..
توقفت سيارات وسطعت أضواء وجاء القوم على عجل يفركون أعينهم من أثر النعاس
.. تهامس
البعض وهم يحثون الخطى نحو الأرض الخلاء .. ماذا هناك ؟ .. ارتفعت الأكتاف
وانقلبت
الشفاه تنفي المعرفة عوضاً عن الكلام .. في الليل يسري الهمس ويصبح له دوي
.. لابد
أن حدثاً جللاً قد وقع بالبلاد وإلا لماذا يجمعنا الزعيم قبل الفجر بهذه
الصورة
المفاجئة حيث يلذ النوم أو يحلو الوصال
..
أخيراً وصل السوسي وزير التموين إلى
داخل الخيمة الفارغة إلا من طاولة الأجتماعات التى ابتلعت المكان .. تنهد
في ارتياح
حين اكتشف أنه لم يتأخر كما كان يظن وانه لاأحد قد سبقه في الوصول سوى بضعة
أشخاص
بينما جلس النقيب المريقعي وزير الداخلية صديقه الحميم منفرداً في زاوية
الطاولة
البعيدة ..سحب كرسياً بعد أن دار بعينيه في أنحاء الخيمة ليطمئن إلى خلوها
من
المراقبين تثاءب وتمطى وهو يجلس ملاصقاً لصاحبه ثم مال عليه وهو يداري فمه
براحته
حتى لايضبطه أحد متلبساً بالكلام في غير حضرة الزعيم
:
-
خير ؟.
-
علمي علمك.
-
كيف ؟ ألست وزير الداخلية ؟
كاد صوت السوسي يعلو محتجاً ومتهماً صاحبه
بخداعه ، لكن المريقعي مال عليه وهو يتشاغل بالأوراق التي أمامه وقال:
-
لاتتعجل
الأمور بعد قليل، سيحضر الزعيم بنفسه ونعرف كل شئ
-
ربنا يستر
..
همس بها
السوسي كأنما يخاطب نفسه ، الأجتماع بالخيمة لايبشر بخير فالقرارات الهامة
كلها
تصدر بعيداً عن قاعات القصر الفسيحة التي يخشى الزعيم دائماً أن تكون
مزروعة بأجهزة
التنصت ، مال مرة أخرى على صديقه وقال:
-
ألم يكن من الأفضل تأجيل الأجتماع حتى
نتناول السحور.. سيؤذن الفجر والأجتماع لم يبدأ بعد لم أفطر بالأمس جيداً
وقبل أن
ينتهي رمضان سأكون قد قضيت جوعاً
.
تأفف المريقعي وهو يلكز السوسي بخفة وربت
براحته على المنضدة ليمنعه من مواصلة الأحتجاج.
هرج ومرج عند مدخل الخيمة
أشعرهم بأن الزعيم على مقربة من مكان الأجتماع فهبوا واقفين وتعلقت أنظارهم
لأعلى
كعرائس المسارح بينما عقد كل منهم ذراعيه فوق بطنه دون حركة..
أخيراً وصل
الزعيم ملتحفاً عباءته السميكة ، قال السوسي في نفسه إنه انتقل إلى الخيمة
ليكمل
نومه أثناء الأجتماع بينما انتزعنا من فراشنا الوثير وكأن القيامة قد قامت
.
اتجه الزعيم صوب رأس المائدة من جهة السوسي والمريقعي فاجتاحتهما معاً موجة
من
الأضطراب والقلق، تفرس في وجه السويسي الذي بدأ العرق يتفصد من جبينه
بغزارة وأدرك
ان الأمر ربما يخصه هو وأنه لامحالة سيفقد منصبه الرسمي هذه الليلة وراح
يستعرض
أعمال وزارته كتلميذ يراجع المنهج قبل الأسئلة الشفوية ، أخذ يلعن ذلك
الشعب
المنحوس الذي لايكف عن الأكل وعليه هو أن يغرق الأسواق بالسلع ، أفاق على
صوت
الزعيم الأجش وهو يهتف باسمه فكادت روحه تزهق
..
-
مابك ياسوسي ؟ .. هل انت على
مايرام ؟
تمالك نفسه وسرى الأرتياح في جسده مع هذه اللهجة الودية فقال وهو ينحني
بأدب
-
أنا بخير ياسيدي مادمت فخامتك بخير.
ضحك الزعيم بصوت عال ٍ وهو
يستأنف ملاطفته
-
أثر الصيام واضح عليك يبدو أنك لم تفطر جيداً
أوشك أن
يعتذر بأنه لم يفطر على الأطلاق وهاهو وقت السحور يوشك أن ينقضي دون أن
يتناول
شيئاً ،لكن عدوى الضحك التي انتقلت للجالسين مشاركة منهم على استحياء
للزعيم دون أن
يعرفوا السبب أوقفته.
انتقل الزعيم ببصره إلى المائدة فخرست الأصوات ولف المكان
وجوم وصمت ، وقعت عينه على المريقعي الذي تململ في قلق ليطمئن على سلامة
جلسته ،
لكن ابتسامة الزعيم وهو يتأمله أدخلت السكينة إلى نفسه وهو يخاطبه في ود
-
كيف
حال الأمن يامريقعي
-
في أحسن حال ياسيدي ..الناس لايكفون عن الدعاء لفخامتكم
ليل نهار.
عادت نوبة الضحك للزعيم وهو يقول
-
ألم يجد أهلك سوى هذا الأسم
الرقيع ليطلقوه عليك..
استخذى المريقعي وهو ينظر إلى أسفل وقال بصوت
كالفحيح
-
إنه اسم القبيلة ياسيدي .. لو أمرت فخامتك نغيره على الفور..
تجاهل
الزعيم رد المريقعي وتوجه للحاضرين قائلاً في حزم
-
بالأمس خطرت لي فكرة اتخذت
على إثرها بعض القرارات الهامة وأريد أن أبلغكم بها .. أنتم وزراء هذا
البلد وعليكم
متابعة التنفيذ بدقة
.
طأطأت الرؤوس في تسليم على حين تابع الزعيم حديثه
الجاد
-
تعلمون أن الناس قد اعتادوا صنع الحلوى والكعك لعيد الفطر ويستهلكون
كميات كبيرة من الدقيق والسمن فضلاً عن السكر والفسدق والبندق
.
سرت موجة من
الأرتياح بين الحضور وتطوع أحدهم ليقول في ود زائد
-
فخامة الرئيس ، كل عام
وفخامتكم بخير .. هذه عادات متوارثة من قديم
.
بان الغضب في وجه الزعيم وخبط
بقبضته على المائدة وهو يصيح
-
ولكننا نستورد هذه الأشياء وندفع فيها عملات صعبة
وتكلفنا الكثير
.
أيقن المتحدث بالهلاك فسارع يقول متلعثماً
-
نمنعها ياسيدي
..
لالزوم لها أصلاً.
شوّح الزعيم بيده وقال بجدية
-
لقد أصدرت قراراً يمنع
أكل الحلوى والكعك بعيد الفطر
.
ثم مشيراً إلى السوسي وتابع في حزم
-
هذه
مهمتك ياسوسي ..عليك متابعة التنفيذ بدقة
.
انحنى السوسي ووضع راحته على صدره
علامة الأمتثال الكامل على حين فاجأه الزعيم قائلاً
:
-
ولن نستورد الشاي بعد
اليوم .. سيكون العرقسوس هو المشروب الرسمي للدولة ، إنه مفيد صحياً فضلاً
عن أننا
نزرعه في بلادنا
.
أوشك السوسي أن يلفت نظر الزعيم إلى أنه يسبب ارتفاع ضغط الدم
وأن حياته ذاتها قد تتعرض للخطر لكنه آثر الصمت خشية العواقب وهز رأسه
موافقاُ
بينما استمر الزعيم يعدد فوائد العرقسوس..
نهض الزعيم من مكانه إيذاناً بانتهاء
الأجتماع وقال وهو يهم بالأنصراف
-
ستنشر هذه القرارات غداً بالجريدة الرسمية
..
أريد يقظة ومتابعة
.
كانت تباشير الصبح تلف المكان وأشعة الشمس تطل على
استحياء من خلف الأفق البعيد حين ألقى السوسي جسده المنهك على المقعد
الخلفي
للسيارة وأشار للسائق أن يتحرك بينما كان ينوي الصيام لليوم التالي على
التوالي
بلاسحور.
تعقيب
أخي
المبدع الدكتور محمد فؤاد
الزعيم فرض نفسه و زعامته ،
ربما بانقلاب عسكري ،
و لكنه ما كان لينجح ،
لو لم يجد رؤوسا مطيعة مطأطئة
كالسوسي و المريقعي
و أمثالهما من جماعة
/ :
أمرك يا سيادة الزعيم
/ .
أما صاحب الخيمة
،
ففي أوربا يسمونه المجنون
..
***
و قد كتب علينا
،
أن نتقدم إلى الخلف ،
بفضل هكذا زعماء
..
نص طريف ، بقدر ما لامس
وجع الشعوب العربية ،
و
شعوب العالم الثالث
.
***
إبداع من مبدع ،
سلم يراعك أخي الدكتور محمد فؤاد
،
و دمت
متألقا
نزار