أدب

صفحات خاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

 الفردوس والقوة 

ردم الفجوة الفاصلة

 بين ساحلي الاطلسي أصبح سهلاً على الأوروبيين

تأليف :روبرت كاغان

عرض ومناقشة: رشا المالح

 

     أصدر  روبرت كاغان، المسؤول السابق بالخارجية الاميركية والباحث المعروف، هذا الكتاب الذي يقدم مراجعة للسياسة العالمية للولايات المتحدة وأوروبا لكي يفرض على كلا الطرفين رؤية نفسه من خلال منظور الطرف الآخر، سيما بعد زيادة حدة التوتر والخلاف بينهما مؤخرا. وتتمثل أهمية الكتاب في تزامنه مع شعور القادة الأوروبيين بالقلق المتزايد تجاه السياسة الخارجية للولايات المتحدة ومبادرتها الأخيرة المعتمدة على القوة والعنف، وهو الشعور الذي وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» في عددها الصادر بتاريخ 21 يوليو 2002 بأنه يمثل «لحظة الحقيقة».

ويعود تاريخ هذا الخلاف إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث اختلفت نتائج تلك الحرب بالنسبة للطرفين كليهما، إذ أدت حاجة أوروبا للهروب من الماضي الدموي إلى تحول في المفهوم العام للمعتقدات المرتبطة بالقوة والتهديد، في حين تمثلت حاجة الولايات المتحدة في فرض قوة التحول المرتبطة بمفهوم «فردوس ما بعد الحداثة» ونشرها في العالم.

إن التحليل التاريخي والواقعي المميز لكتاب «الفردوس والقوة» الصادر من دار نشر الفريد ك. نوف من نيويورك في عام 2003 ويضم 103 صفحات من القطع المتوسط، تتم حاليا مناقشته وتداوله ابتداء من واشنطن وباريس وليس انتهاء بطوكيو.

 فعلى مدى سنوات من النفور المتبادل والتوتر، يظهر بصورة مفاجئة الإدراك بأن الاهتمامات الحقيقية لأميركا وحلفائها قد تحول مسارها، وبأن علاقاتها بالدول التي يفصلها عنها المحيط الأطلنطي قد تغيرت بصورة شبه جذرية.

 وترى أوروبا أن الولايات المتحدة لها اليد العليا، وهي فردية عسكرية في استراتيجيتها الخارجية، في حين ترى الولايات المتحدة بأن أوروبا عديمة الجدوى وغير جادة وضعيفة، وهكذا تنامى الغضب وعدم الثقة بين الطرفين حتى بات جدارا صلبا يصعب من خلاله التفاهم.

 وتأتي مصداقية هذا الكتاب من خبرة مؤلفه روبرت كاغان. فهو كما أشرنا من كبار الباحثين في هيئة كارينجي إيندومانت للسلام العالمي، وأيضا مدير مشروع القادة في الولايات المتحدة، إلى جانب كتابته لمقال شهري في مجلة «واشنطن بوست»، كما ألف كتاب «صراع الأفق ـ أميركا ونيكاراغوا، بين 1977 و1995»، فضلا عن أنه ساهم مع وليام كريستول في تحرير كتاب «مخاطر الحاضر: المصائب وفرص أميركا الخارجية وسياسة الدفاع»، وقد خدم كاغان في حكومة الولايات المتحدة من عام 1984 وحتى 1988.

 ويستعرض الكتاب في فصوله تاريخ الاختلاف ابتداء من أسباب ظهور فجوة القوة بين القارتين، لينتقل بعدها إلى المفهوم النفسي للقوة والضعف وارتباطه بالتاريخ أو التجربة المميزة التي تلعب دورا كبيرا في تشكيل المفهوم، ومن ثم مفهوم التطور والمبالغة في القوة كما تراه الولايات المتحدة، ورؤية أوروبا لفردوس ما بعد الحداثة وواقعيته، والعودة إلى العالم الذي صنعته أميركا، وهل ما زالت صفة «الغرب» قائمة مع انتهاء الحرب الباردة، وأخيرا التأقلم مع السيطرة.

 ويذكر المؤلف في مقدمة كتابه أن جميع الأسئلة المهمة الخاصة بالقوة وكفاءتها وجاذبيتها ومفهومها، ينظر اليها من قبل الأميركيين بمنظور مختلف عن الأوروبيين مما يوسع باطراد الاختلاف بينهما.

 وفي الوقت الذي تتحول أوروبا عن القوة وبتعبير أدق تتخطى مفهوم الحدود الإقليمية بمسيرتها، مترفعة عن القوة إلى عالم منسجم مع نفسه وقوانينه ونظمه مع اعتماد المفاوضات والتعاون والصبر والتفهم، ودخولها فردوس ما بعد تاريخ الماضي إلى العلاقات المزدهرة، وكما أوضح الفيلسوف امانويل كانت مفهوم «أبعاد السلام».

 فإن الولايات المتحدة تبقى في مستنقع التاريخ، تختبر القوة في عالم فوضوي انفعالي، حيث لا يمكن الاعتماد على القانون والنظم العالمية، فالأمان الحقيقي يكمن في الدفاع والتطور ونظام التحرر المعتمد على الامتلاك واستخدام القوة العسكرية.

 وتبعا لذلك فإن استراتيجية اليوم والأسئلة المرتبطة بها في ضوء مفهوم القارتين كليهما، يجعل من الممكن القول بأن الأميركيين من كوكب مارس والأوروبيين من كوكب فينوس، فهم يتفقون على القليل وفهم كل فريق للآخر يقل باستمرار.

 وهذا الخلاف ليس عابرا أو نتيجة لتحول مفاجئ مثل انتخاب أحد الأميركيين رئيسا، أو التعرض لكارثة مفاجئة، إن أسباب الانقسام ما بين دول جانبي المحيط الأطلنطي عميقة، وتعود لمراحل تطور طويلة ومن الغير متوقع تجاهلها لزمن طويل.

 ويبرز الخلاف والمفارقة حين يتطلب الأمر تحديد أولويات الأمة، والإصرار على التهديد، أو اعتماد المفاوضات والأهم تبني السياسات الخارجية والدفاع.

 ثقافة الموت

من السهل إدراك التناقض الأميركي لمن يعيش في أوروبا. فالصورة الكاريكاتيرية التي يرسمها المفكرون الأوروبيون لأميركا تتمثل في عبارة «ثقافة الموت»، وهذا نتاج طبيعي لحضارة مجتمع يعتمد على العنف، حيث يحمل كل رجل مسدسا، ويجيز عقوبة الموت.

 ويذكر المؤلف أن أوروبا وكما هو معروف، قد بدأت تفقد قوتها العسكرية وثقتها بنفسها قبل قرن من الزمن، وذلك من خلال الحرب العالمية الأولى في عام 1914. فقد استنزفت تلك الحرب قوى ثلاث دول أوروبية وهي ألمانيا والنمسا والمجر والتي كانت مفتاح توازن قوى القارة منذ عام 1971.

 وقد حطم هذا الصراع الاقتصاد الأوروبي، وأجبر تلك الدول على الاعتماد على المصارف الأميركية لفترات طويلة، لكن الأهم أن الحرب حطمت إرادة بريطانيا العظمى وفرنسا وروحهما، وعلى الأقل حتى مرحلة قيادة تشرشل لبريطانيا في عام 1939 ولكن بعد فوات الأوان على تفادي حرب أخرى.

 وخلال تلك المرحلة، وحينما كانت فرنسا في حاجة ماسة للتصالح مع بريطانيا العظمى، كان البريطانيون يصرون على إقناع أنفسهم بأن الخطر الذي يهدد أوروبا يكمن في فرنسا وليس ألمانيا، واستمرت هذه الحال حتى عام 1934، حيث جردت فرنسا نفسها من أسلحتها لتصل إلى ذات مستوى ألمانيا.

 كانت مرحلة الحرب المحاولة الأولى لأوروبا للتحرك نحو تجاوز سياسة القوى، لتصنع مفهوما جديدا فعالا من ضعفها. فبدلا من الاعتماد على القوة كعهدهم في الماضي، قام المنتصر الأوروبي في الحرب العالمية الأولى بتكريس هدفه في التصالح مع قادة الدول. وقد صرح في هذا الإطار أحد القادة الرواد بقوله، «إن هدفنا هو، جعل الحرب مستحيلة، وتدميرها. ولفعل ذلك علينا ابتكار نظام جديد».

 لكن هذا النظام لم ينجح، ويرجع ذلك في جانب منه لأن القادة الأعضاء لم يكونوا يمتلكون القوة أو الإرادة للعمل به. ومن العجيب أن القوة الفكرية الكامنة خلف الجهود المبذولة لحل كارثة الأمن الأوروبي وابتكار نظام جديد شرعي وغير عادي ، انبثقت من الرئيس الأميركي «وودرو ويلسون».

 وقد تحدث ويلسون عن سلطة الولايات المتحدة التي أصبحت مؤخرا وبعد مضي عدد من المراحل من أغنى بلدان العالم واقواها، وبأنه كان لدخولها المتأخر في الحرب العالمية الأولى دور كبير في انتصار حلفائها. وللأسف فإن نظام ويلسون الذي وضع نظامه لأميركا في المرحلة التي كانت هي نفسها تهرب من القوة، لم يكن من نصيب بلده، فقد رفضت أميركا المشاركة في هذا النظام الذي ابتكره والذي كان من المحتمل أن يكتب له النجاح لو منح عددا ضئيلا من الفرص.

 وقد ترك الأوروبيون بمفردهم في مواجهة القوة المتنامية لألمانيا، حيث في عام 1930 تلاشى مفهوم «تجميع الحماية» لتحل محله التهدئة كسياسة لحفظ السلام.

 وقد عمد قادة بريطانيا باستمرار إلى التقليل من شأن التهديد الألماني، وأصروا على انه ليس بالخطر الذي يستحق اتخاذ الاستعدادات لمواجهته.

 ومن منظور هتلر، كانت مرحلة الهدوء تلك مخططا مدروسا لكسب الوقت وتعزيز قوة اقتصاد بلده وصناعته. كانت تلك الاستراتيجية بمثابة كارثة لفرنسا وبريطانيا، حيث فاقت قوة ألمانيا دول أوروبا مجتمعة التي وجهت بعجز الحرب التي شنتها في نهاية المطاف، ويعقب المؤلف مشيرا الى ان الهدوء المرحلي هذا لم يكن نتاج دراسة وتفكير بل ضعف وتوار.

 وإذا كانت الحرب العالمية الأولى قد أضعفت أوروبا بحدة، فإن الحرب العالمية الثانية قد حطمت القوة العالمية للدول الأوروبية.إن حالة العجز التي واجهتها تلك الدول في مرحلة ما بعد الحرب، أجبرتها على الانسحاب والتخلي عن مستعمراتها في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط التي كانت خاضعة لإمبراطورياتها لما يزيد على خمسة قرون.

 وخلال أقل من مرحلة زمنية محدودة من الحرب الباردة، سلمت أوروبا مسئوليات مستعمراتها في آسيا والشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة. وكان ذلك إما طوعا أو بدافع ضغط الاميركيين، كما حدث في مغارة قناة السويس.

 وقد أمل الكثير من الأميركيين من أصحاب النفوذ أن تتمكن أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية من تكوين «القوة الثالثة» في العالم، للتصدي للاتحاد السوفييتي ولتتمكن أميركا من الانسحاب من أوروبا. وقد اعتقد فرانكلين روزفلت رئيس أميركا في مرحلة الحرب العالمية الثانية ودين اتشسون وعدد من المراقبين الأميركيين، أن بريطانيا العظمى ستساهم في حمل عبء حماية العالم من خطر الاتحاد السوفييتي.

 وفي عام 1947 كانت أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في حمايتها وحماية العالم. كما لم تحبذ بريطانيا وفرنسا فكرة استقلالية أوروبا حيث أن مفهوم القوة الثالثة سيمنح أميركا العذر للانسحاب من أوروبا، حيث ستضطر الدولتان لمواجهة ألمانيا بمفردهما وكذلك الأمر بالنسبة للاتحاد السوفييتي.

 ومنذ الحرب العالمية الثانية ولمدة خمسين عاما اعتمدت أوروبا في استراتيجيتها على الولايات المتحدة، وتمثلت مهمة استراتيجية أوروبا الوحيدة خلال الحرب الباردة في الوقوف بحزم والدفاع عن نفسها ضد السوفييت.

 دوافع التوتر

 من دوافع التوتر بين أوروبا والولايات المتحدة أيضا، رفض أوروبا رصد ميزانية خاصة لتعزيز جيوشها أسوة بأميركا، التي تؤمن بأهمية وحتمية القوة العسكرية، وذلك منذ تأسيس الناتو وحتى عهد جون كيندي، وفي أيام رونالد ريغان بدأت مطالبة رجال الكونغرس أن تشارك أوروبا في تحمل هذا العبء.

 ومع نجاح الأوروبيين في تعزيز اقتصادهم مجددا في المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة، تضاءل اهتمامهم بإغلاق الفجوة العسكرية.

 ومع قيام الاتحاد الأوروبي في عام 1992 مجسدا سياسة استراتيجية وقوه اقتصادية واحدة، زادت التوقعات والآمال أن تستعيد أوروبا قوتها العظمى كما في الماضي، حيث ستكون أوروبا القوة الخارقة المقبلة، ليس فقط اقتصاديا بل سياسيا وعسكريا أيضا، مما سيؤهلها للتعامل مع الكوارث المرتبطة بقارة أوروبا، مثل مشكلة حرب البلقان.

 ولو استطاعت أوروبا في عام 1990 أن تحقق هذا الأمل، ربما كان العالم اليوم في مكان مختلف.وربما كانت أوروبا والولايات المتحدة في الحاضر تتفاوضان على شروط جديدة للعلاقات الدبلوماسية اعتمادا على أسس تكافؤ القوى، وربما كان من نتاج التفاهم الجديد أيضا، أن تأخذ أوروبا جزءا من الأعباء في حماية العالم، ولكانت أميركا قد أولت اهتماما مختلفا للمصالح الأوروبية في سياستها الخارجية.

 صحيح أن أوروبا الجديدة لم تكن على مستوى التوقعات، إلا أن وحدتها حققت على صعيد الاقتصاد والسياسة معجزات، إذ أصبحت الوحدة الأوروبية قوة اقتصادية من الدرجة الأولى، وباتت قادرة على الوقوف بمفردها بمواجهة الولايات المتحدة وآسيا، سواء بالمفاوضات أو في التجارة العالمية وبشروط متساوية.

 وفي نهاية الحرب الباردة ظهرت مرحلة جديدة لقوة الاقتصاد التي فاقت القوة العسكرية، ولم يتوقعها كلا الطرفين، حيث تمكن الأوروبيون من الوقوف لتحديد نظام العالم بقوة تأثير تعادل الولايات المتحدة، كما أن نهاية الحرب البادرة لم تضعف من اهتمام الولايات المتحدة بتدعيم وتوسيع قوتها العسكرية.

 

واكتشف الأوروبيون لاحقا بأن قوة الاقتصاد لم تترجم إلى قوة استراتيجية اقتصادية وسياسة عالمية لها نفوذها، فقد بقيت الولايات المتحدة تملك قوة الاقتصاد بماردها العسكري، والتي جردت أوروبا في النهاية من قوتها في إطار النفوذ العالمي.

 وقد برز ضعف تقدم التقنية الحربية للأوروبيين خلال حرب البلقان، حيث كانت تعتمد على جنودها في القتال مما زاد من حجم الخسائر، في حين ساعد تقدم تكنولوجيا الجيش الأميركي في ضرب الأهداف المرجوة عن بعد مع تفادي الخسائر البشرية.وكما ذكر المؤلف فإن الأوروبيين لا يرون في تعاظم وتنامي قوة أميركا تهديدا لهم.

 بل انهم غير راغبين في التوافق مع الصين التي تنفق أموالا طائلة على قوة دفاعها لكي تتوازن مع الولايات المتحدة. وعوضا عن ذلك فإنهم يلجأون إلى التحكم والتواصل من خلال مخاطبة الضمير. وهي استراتيجية صوتية بكل أبعادها.

 وفي الوقت ذاته فإن الولايات المتحدة لا تجادل حتى نفسها، وهي لا تؤمن بحق القوة أو تؤمن بنظرية أثينا في العهود القديمة بأن «القوي يحكم أينما استطاع، وعلى الضعفاء معاناة ما يتحتم عليهم»، فالأميركيون لم يتقبلوا تلك النظرية الخاصة بأوروبا القديمة. فالولايات المتحدة نظام حر، ومجتمع يتقدم باستمرار، إلى الدرجة التي أصبح فيها الأميركيون يؤمنون بالقوة، وقانعين بأنها سبب تقدم مفاهيمهم الخاصة بحضارة وحرية العالم.

 القوة المندفعة

 إن التوتر الحالي بين شاطيء الاطلسي، لم يبدأ مع حكم جورج بوش في يناير 2001 وأيضا لم يبدأ مع كارثة 11 سبتمبر، على الرغم من إن إدارة بوش منذ البداية حددت الخط الفارق للاختلاف بين مفاهيم أوروبا وأميركا بشأن حكم القضايا العالمية.تلك الخلافات كانت ظاهرة خلال سنوات حكم كلينتون وحتى خلال إدارة حكم بوش الأول، وقد برز هذا التوتر مع بداية عام 1992 ومشكلة البوسنة.

 فإدارة بوش الأول رفضت التدخل إيمانا منها بأن لديها التزامات استراتيجية بقضايا أخرى أكثر أهمية، وقد صرح الأوروبيون بأنهم سيتدخلون وأصروا بأنها «ساعة أوروبا»، إلا أن هذا التصريح أثبت انه اجوف وبات واضحا أن أوروبا غير قادرة على حسم الأمور في البوسنة من دون الولايات المتحدة.

 كانت الصورة سيئة بالنسبة للقارتين، فالولايات المتحدة بدأت تفقد اهتمامها بالحفاظ على أمن الأوروبيين، وفي الوقت ذاته كان الأمر مربكا للأوروبيين بشأن أخذ المسئولية على عاتقهم بالكامل. تذمر الأوروبيون من إدعاء الأميركيين الولاء، واشتكى الأميركيون من ضعف الأوروبيين وعدم عرفانهم بالجميل.

 وينظر الأوروبيون اليوم الى سنوات كلينتون، باعتبارها الزمن الذي كان يمثل الانسجام بين القارتين، وإن كان في الواقع السنوات التي بدأت فيها أوروبا تشتكي من قوة الأميركيين وتكبرهم، سيما بعد مرحلة الحرب الباردة. وقد وصف رئيس الوزراء الفرنسي هوبير فيدرين القيادة الأميركية خلال سنوات كلينتون، بأنها قوة مقلقة تتمثل في «القفزات المندفعة» الخارقة. كما بدأ الأوروبيون خلال التسعينيات ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها «قيادة متحكمة».

 كانت تلك الشكاوى موجهة بصورة خاصة إلى وزيرة الخارجية الاميركية آنذاك، مادلين أولبرايت، التي وصفها أحد النقاد الأميركيين بأنها تكثر من المبالغة، وهي أول خارجية اميركية انحصر دورها الدبلوماسي في إلقاء محاضرات على الحكومات الأخرى، مستخدمة لهجة التهديد مع التبجح المباشر بقوة بلدها.

 وفي التسعينيات أيضا بدأ الاختلاف واضحا في سياسة كل من أوروبا وأميركا اتجاه العراق. وقد راع الأوروبيين ما صرحت به أولبرايت والإدارة الرسمية في عام 1997 بشأن الحظر الاقتصادي على العراق بعد حرب الخليج وإصرارهم على انه لا يمكن رفعه طالما أن الرئيس صدام حسين باق في الحكم في العراق.

 وتبعا لنمط تفكير الأوروبيين الكلاسيكي فإنه يفترض تقديم الحوافز للعراق لتحسين استراتيجيته وسلوكه بدلا من التهديد حسب نمط الأسلوب الأميركي الكلاسيكي. وقد اتسعت فجوة الخلاف بينهما، حينما حاولت إدارة كلينتون علنا في عام 1997 زيادة الضغط على بغداد من خلال السماح للأمم المتحدة بشأن التفتيش على الأسلحة المحظورة.

 وقد انضمت فرنسا إلى روسيا والصين بشأن وقف مقترح الأميركيين في مجلس الامن والأمم المتحدة، وحينما تحولت إدارة كلينتون أخيرا إلى القوة العسكرية وضرب العراق في ديسمبر 1998، نفذت ذلك من دون الحصول على موافقة من المجلس وبمساندة بريطانيا فقط.

 وقد أظهرت الحرب في كوسوفو في ربيع عام 1999، عدة مؤشرات لمستقبل العلاقات، فعلى الرغم من أن حملة الحلفاء العسكرية ضد الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش كانت ناجحة، وهي الفرصة الأولى التي جعلت حلف ناتو يتخذ قرارا عسكريا منذ تاريخ تأسيسه قبل 50 عاما، وقد ظهر في حينها التصدع الهش بين حلفاء ما بعد الحرب الباردة، هذا التصدع الذي تمثل في حرب الكوسوفو والتي أكدت بأنه لا يمكن احتمال ضغوط أكبر في حروب مختلفة تحت ظروف عالمية أخرى.

 إن تدخل هاتين القارتين في تلك الحرب عكس عدم توازن القوى العسكرية فيما بينهما، فتقدم التقنية العسكرية للأميركيين فاق بكثير القوة العسكرية الأوروبية التي شكلت قوتهم في تلك الحرب نسبة 4 % فقط سواء في الطائرات أو القنابل التي أسقطت وكذلك الأمر بالنسبة لإصابة الأهداف المطلوبة.

 والإشكال الآخر الذي برز أيضا هو اعتماد الأوروبيين على القوة العسكرية للأميركيين، مما منح الولايات المتحدة قوة التنفيذ، ليس بشأن إدارة الحرب فقط بل على صعيد الدبلوماسية العالمية لما قبل الحرب وخلالها وبعدها.

 وتمثل اختلاف الاستراتيجية السياسية بأن الأوروبيين ضربوا كوسوفو بضعة أيام ثم توقفوا ليمنحوا ميلوسيفيتش الفرصة لإنهاء الكارثة، في حين اعتمدت الولايات المتحدة استراتيجية التدمير الشامل السريع لتغيير رؤية الزعيم وضربه بأقصى ما يمكن.

 وبصرف النظر عما اذا إن كان الأوروبيون او الاميركيون على صواب بشأن التعامل مع تلك الحرب، فإن الحقيقة التي تبقى هي انه تم مواجهة وإيقاف الحرب بمعدات الاميركيين وقوتهم، النجاح الذي حققته سياسة الاتحاد الأوروبي لا يلغي ضعف القوة العسكرية الأوروبية.

 كما لم يكن الأميركيون راضين أيضا عن مماطلة الأوروبيين وتسويفهم في حسم النزاع وما رآه الأوروبيون في «القضايا الشرعية» كان بمثابة عوائق بالنسبة للأميركيين.

 والعبرة من هذه الحرب بالنسبة للأوروبيين هي، الحاجة إلى خطوات لتحرير أوروبا ولو جزئيا من اعتمادها على قوة الأميركان، والتي كانوا يعتقدون بأنه لا ضرورة لها بعد انتهاء الحرب الباردة، وهذا يعني أن تقوم أوروبا بتأسيس كفاءة عسكرية مستقلة.

 وفي نهاية عام 1998 تمكن توني بلير مع جاك شيراك من الحصول على موافقة أوروبا لبناء قوة عسكرية مؤلفة من 60 ألف جندي يمكن لها العمل خارج الديار لمدة عام على الأقل، وإن لم يعتمد تنفيذ هذا المشروع. وإن أثمرت تلك المبادرة الفرنسية الإنجليزية، فإنه كان من الممكن للولايات المتحدة وأوروبا أن تخلق نوعا جديدا من العلاقات اعتمادا على كفاءة القوة الأوروبية العسكرية والأهم من ذلك التحرر من الاعتماد على القوة الأميركية.

 غير أن هذه المبادرة آلت إلى مصير المقترحات الأخرى نفسه، وقد بات الأمر محرجا بالنسبة للأوروبيين، ولا يزال الحال اليوم على ما كان عليه قبل 3 سنوات، وهذا الفشل الأخير يطرح السؤال التالي، لماذا لم تف أوروبا بوعدها بشأن سياسة الدفاع الخارجي والقوة العسكرية واتباع «فردوس ما بعد الحداثة».

 والجواب يكمن في مكان ما من حقيقة الإيديولوجيا الخاصة بالأوروبيين في مواجهة صرف ميزانية خاصة بالدفاع باتجاه القوة. وهو يعادل في أهميته قوة الفجوة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وإن كانت الحاجة الماسة لكفاءة عسكرية هي الإشكال الوحيد.

 وفي هذه الحال يبدو الحل صريحا، فمع التعليم العالي والكفاءة الإنتاجية لما يقارب من 400 مليون نسمة، ومع اقتصاد مزدهر، فإن أوروبا اليوم تملك الثروة والتقنية والإمكانية لتجعل من نفسها قوة عالمية مع تحقيق الشروط العسكرية للحصول على هذا النوع من القوة، كما أنه من السهل عليهم إنفاق ضعف ميزانيتهم الحالية على الدفاع إن اقتنعوا بضرورة ذلك، وبالتالي فإن ردم الفجوة الفاصلة للعلاقات بين القارتين يصبح أمرا سهلا.

 

إلا أن الأوروبيين لا يطمحون اليوم إلى القوة، وبالتأكيد ليس في مجال القوة العسكرية، وذلك يرجع إلى المعاناة التي تكبدها الشعب الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهذا ما لا يستطيع الأميركيون استيعابه أو تفهمه بسبب اختلاف تجربة القارتين.

عالم أميركا

 اذا كان الأميركيون غير راضين عن الوضع الحالي للعلاقات، عليهم أن يتذكروا بأن أوروبا اليوم بمفهومها الجديد وبضعفها هي في الحقيقة نتاج سياسة الأميركيين الخارجية على مدى تسع أحقاب.

 

فالولايات المتحدة تخلت عن أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى ووقفت على الحياد لدى انقياد أوروبا إلى الحرب العالمية الثانية، ومع نهاية الحرب خرجت أميركا مباشرة، كانت رؤية الرئيس الأميركي في ذلك الحين فرانكلين روزفلت وبعد الحرب أن تكون أوروبا منفصلة وبعيدة، وتلك الرؤية معاكسة للتقدم، فقد اعتقدوا بأن أفضل خدمة يمكن تقديمها هي، إخراج أوروبا من الأفكار الخاصة بالاستراتيجية العالمية. وفي الواقع أن روزفلت كان يفضل التعامل مع ستالين روسيا في ذلك الوقت.

 كما تساءل الرئيس علنا حينها بعد تجريد ألمانيا من أسلحتها عن سبب احتفاظ فرنسا بقوة عسكرية ضخمة! وقد رأى تشارلز ديغول أن مثل تلك الأسئلة تثير القلق سواء لفرنسا أو أوروبا.

 كانت الرؤية القديمة لروزفلت والاميركيين في تلك المرحلة، أن أوروبا متداعية وتتهاوى. وتلك الرؤية اليوم مشوبة بالرضا لضعف أوروبا واعتمادها عليهم، وقد كان الاميركيون بعد الحرب العالمية الثانية أكثر من سعداء للضعف الأوروبي الذي أخرجهم من مكانتهم كقوة عالمية.

 وبعد حادثة 11 سبتمبر لم تتغير أميركا بل أصبحت هي نفسها، فسياستها لم تتغير منذ القرون الأربعة الأخيرة، فهدف الولايات المتحدة الفعلي هو التوسع الدائم حتى من قبل تأسيس أمتهم المستقلة، فالقيادة الأميركية التي أسست من القرن التاسع عشر هي ذات الصورة لسياستها العالمية في التوسع المستمر.

 ولم تنسحب أميركا بعد انتهاء الحرب الباردة ولم تغير من استراتيجيتها، بل وجدت فيها فرصة لزيادة نفوذها في بعض الأجزاء الأخرى من العالم مثل مركز آسيا والذي لم يكن معروفا لمعظم الأميركيين في السابق.

 والغامض في هذا الأمر أن الرغبة في التوسع الدائم والنفوذ كانت على الدوام متواجدة في تاريخ الولايات المتحدة، والطموح في لعب دور عالمي كبير يعود بجذوره إلى الشخصية الأميركية.

 وخلاصة الكتاب تتمثل في السؤال الذي يطرحه المؤلف ما الذي يمكن فعله؟

 يرى المؤلف أن الاجابة البديهية هي، أنه على أوروبا أن تأخذ برأي كوبر وغيره بشأن بناء قوة عسكرية ولو بصورة جزئية. وليس هناك من أمل كبير في تحقيق ذلك، ولكن من يعلم ما الذي يمكن حدوثه؟ ربما أن هيمنة قوة أميركا ستوجد قوة معادلة في أوروبا!

 وربما يتعين على أميركا أن تظهر المزيد من التفهم والتقدير للآخرين، مع التسامح في السياسية الخارجية واحترام رأي الآخرين وهي دوما السياسة الأكثر حكمة، وبالتأكيد فإن في هذا الرأي فائدة للولايات المتحدة، فكسب الأصدقاء على الصعيد المادي والمعنوي خصوصا من أوروبا أفضل بكثير بالتأكيد من العمل بصورة فردية وبمواجهة معارضة من أوروبا.

 وهذا الأمر بمثابة خطوات قليلة قد لا تحل المشكلات العميقة بين القارتين، إلا أنها يمكن أن تبنى على أرضية مشتركة بينهما وتتمثل في مفهوم الغرب، إن اهتمامهما بالإنسانية متماثل وإن كان منظورهما للقوة قد وضعهما في قطبين متنافرين، وليس من السذاجة بمحل التفاؤل والاعتقاد بأن المفاهيم المشتركة المحدودة بينهما يمكن أن تحقق الكثير على المدى الطويل.

===============

رشا المالح

rmaleh57@hotmail.com