
حكاية واقعية في حلقات
ازدهار الانصاري*

الحلقة الأولى
كانت
السنة سنة رعب مليئة بمشاعر أكثر حدة من الرعب .. والتي لا إسم
لها على الارض إذ أن كثيرا من المعجزات والعلامات قد حدثت ،
ويخيل اليّ
وهذا ما اتضح لي من خلال دراسة للعمق الانساني
"أن شقاء الانسان
يعود بوجه عام الى خرقه لبعض القوانين الانسانية البسيطة والتي
ما أن تتراكم حتى تتوالد منها الخطايا والجرائم
.."
كنت أهجس أن وجه الشمس الشاحب نافذة دائرية
لا غير ، وكنت أستشعر أن هناك كارثة ما ستفقدني راحة البال الى
الابد .. كانت كل موجة متلاحقة من فكري ترهقني برعب شديد لكن!
لماذا أطيل القول ..؟ إنني أحمل هذه السلاسل اليوم وغدا سأكون
حرة .. ولكن! إلى أين..؟
كان يوما حارا من أيام تموز الحارقة .. البقعة التي سأتحدث
عنها في أفريقيا .. بقعة تفصلني عن الوطن الاف الاميال .. في
سنوات عمري الاولى قرأت طرفة يرويها أحدهم لا اذكر له اسما
فأنا لا اذكر الاسماء ولا الملامح ..! الطرفة تقول :
" المرأة و هي صبية دون العشرين مثل قارة أسيا في صقيعها
و تهورها ..والمرأة وهي أنثى بين العشرين و الخامسة و الثلاثين
مثل قارة افريقيا في سخونتها ونضوجها
.. والمرأة بين الاربعين والستين مثل قارة اوربا تمجد في تاريخ
لم يبق لها منه سوى الذكريات .. والمرأة فوق الستين مثل قارة
استراليا تسمع بها ولا تعرف عنها الا القليل .."
هكذا كنت أتخيل افريقيا ملكة غير متوجة على الارض .. و منذ
اللحظة الاولى التي ركبت فيها الحافلة أقنعت نفسي بأني اتجه
صوب النجاة هربا من القهر الذي لازمني ، وسوء الطالع الذي
حالفني طيلة سنوات غربتي في حلي وترحالي .. وكانت هذه الرحلة
نتاجا للرعب الذي تولد في نفسي جراء احداث تلك السنة التي كانت
تنذر بوقوع الكارثة ..! رحلت حاملة معي سنوات
عمري ولدي و ابنتي وتركت لنفسي حرية الحلم الذي ودعته
منذ أمد طويل ، حلم الاستقرار و الامان ، حلم البيت الزجاجي
الصغير المشيد على ساحل البحر ..!
تركت لروحي حرية ان تحلق في فضاء السماوات السبع بأجنحة
الملائكة تنعم بهنيهات من السكون والاحلام الوردية والمؤجلة..
والحافلة تمضي تكد السير تحملني وأحلامي ومجموعة شبان وامرأة
شابة وطفلتيها في أعماقها راحلين الى عالم لا نعرف عنه سوى
القليل .. الى مدينة لم نكن ذات يوم نتوقع او نفكر في القدوم
اليها.. كانوا ما بين الخامسة والعشرين والثلاثين ، يحملون في
قلوبهم الفتية حماسا شديدا للمستقبل ، وروحا كسرتها ضراوة
الحرب والجوع والخوف ، كانوا يودعون شوارع العاصمة التي انهكها
الصراع الدامي بعيون دامعة ولكل منهم حكاية مؤلمة أجبرته
على الرحيل ..كنا معا نؤلف ثلاثة عشر راكبا ، وسرعان ما تآلفنا
وتعارفنا لعلنا ننسى الدموع ونجد طريقا جديدا بلا دموع ..!!
اخيرا وصلنا الى نقطة الحدود الاولى .. وجاءت الصفعة الاولى..!
جوازات و حدود .. وجوه تنظر الينا بازدراء تارة و بإشفاق تارة
أخرى .. سألونا من نحن..؟ والى أين نمضي ..؟ من أين جئنا..؟
والى اين نسير..؟ كنا متعبين نرجو أن نجد لديهم بعض الراحة
بعضهم عاملنا بلطف ..!
كان بيننا شاب قلق باستمرار لم أعرف حتى هذه اللحظة سبب قلقه ،
نظروا اليه قليلا ثم تركونا .. وقبل أن تعاود الحافلة سيرها
أنزلوا الشاب ..! سرت الهمهمات وعلا القلق وجوهنا والفزع
نفوسنا .. بعد ساعة من التوتر صعد الشاب الى الحافلة وهو يتمتم
بكلمات لم افهمها..! وبعد دقائق أمرنا الشرطي بترك الحافلة
والنزول ولا ندري لماذا..! وهل لنا أن نسأل ..؟ وهل من مجيب
..؟ أدار السائق الحافلة عائدا أدراجه و تركنا في العراء ..
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل ..
والليل في الصحراء بارد في أكثر الايام حرارة .. أبلغنا الشرطي
أنه سيعود بعد ساعة .. ومضت الساعة تلو الاخرى .. !!
طفلتي نامت بين ذراعي ، وافترش الشبان الارض ، أما المرأة
الاخرى فقد احتضنت طفلتيها وقد اجتاحها شجن عنيف .. كانت
الاجواء حولي مشحونة بالألم ، والظلمة ، والبرد الشديد ،..ودون
أن ادري داهمني النعاس أغمضت عيني أحاول منع دموعي من الهطول
لكني شعرت بسخونتها تخترق جفوني .. تركتها تنهمر معلنة بداية
الرحلة..!

الحلقة الثانية
في
صباح اليوم التالي عاودنا المسير ودخلنا المدينة الجبلية
الجميلة ، وبعد
أن استرحنا من وعثاء السفر تركت أولادي ينعمون ببعض الراحة
فالمسيرة
مازالت طويلة..
وذهبت أجوب شوارع المدينة في محاولة لتجاهل الاحساس بالتوتر
والذل الذي عانيته ليلة البارحة .. تركت لنفسي ثانية حرية
الحلم لكن الوقت كان ضيقا لم يسمح لي الا بالقليل فكان علي
العودة الى الفندق ألجم لجاجتي على مهل وأعيد ترتيب حاجياتي
وأنعم قليلا ولو ببعض الراحة..!
في المساء تجمعنا مرة اخرى في باحة الفندق وانضمت الينا حشود
كثيرة
من المسافرين .. أودعنا أغراضنا حافلات أخرى انضمت الينا ووسط
الزحام
اندسسنا لنعاود المسير.. كان الليل طويلا والعتمة تملأ المكان
والحافلات تمضي بنا الى المجهول ..!
في الصباح أفرغت الحافلات محتوياتها من اللحم البشري المتكدس
فيها وعادت ادراجها .. تركتنا بانتظار ان نركب العبارة لتقلنا
الى الجانب الآخر من الارض .. لست ادري اذا كان أحدا منهم
سيقرأ هذه القصة أو إن احدا ممن سيقرأها قد رأى في حياته ما
رأيت ، و لكن ومن دون شك سيستوعب المزيج الغريب من هؤلاء
المسافرين الباحثين عن جزيرة خضراء ، وصوت آتٍ من المستقبل ..
ركبنا العبارة المحملة بآلاف مكدسة من اللحم البشري الباحث عن
عالم
يظنه الافضل ..! سرنا بمحاذاة الشاطيء تحيط بنا الصخور من كل
جانب ، كان
الطقس حارا والوجوه عابسة .. في ومضات الضوء امتلأ صدري بالحنق
، فكرت
بالنحيب لكني أعرف أن لا فائدة..!
شعرت بغربة حقيقية وأنا أطالع الوجوه الغريبة التي تنظر اليّ
بفضول واستغراب ، تركت الجميع داخل الصالة مرهقين متعبين مما
عانوه جراء الانتظار الذي لم نذق له مثيلا في حياتنا ، كان
انتظارا خارقا للعادة ..! ذلك أننا
حين تركتنا الحافلات مشتتين في مكان خال من مظاهر الحياة
تطلعنا يمينا فإذا بنا أمام مدينة هياكلها تقع على منحدر جبلي
، مدينة بناؤها باللون الابيض علمنا فيما بعد انها مدينة العدو
، وعلى يسارنا البحر ، تذكرت حينها مقولة القائد العربي طارق
بن زياد لجيشه:"
البحر من ورائكم والعدو من أمامكم "
فكان البحر عن يسارنا والعدو عن يميننا وخلفنا
فراغ وهوّة عميقة ..!!!
لا مجال للعودة أو للتقدم وما علينا اذاً سوى الانتظار الطويل
.. كان مشهدنا بائسا و نحن نطارد الحافلات
بعد انتصاف النهار و وصول الشمس لأقصى
طاقات حرارتها لنصل الى العبارة .. وكانت الصفعة الثانية حين
جعلونا نحن العراقيين في قفص واحد ننتظر ان
يصدر علينا الحكم بالبراءة..! كنا مدانين و لا ندري بأية
تهمة سوى أننا عراقيون ..!
كنت مستندة على حاجز العبارة أتطلع
الى البحر .. أتذكر الماضي و سنواته الطويلة ..
كانت دموعي تنهمر ولا أدري كيف أوقفها حين سمعت اسمي يتردد في
المذياع فعلمت انه قد حان دوري للمثول أمام ضابط الجوازات ،
كان رجلا فظا جافا صرخ بنا :
"قفوا هناك ولا تلمسوا شيئا "
تعكر مزاجي أكثر مما كان والألم يعتصرني و أنا أجد نفسي أقف
بذلة أمامه و هو يسألني من أكون ؟ و الى أين أرتحل
..؟ و كانت تلك الصفعة الثالثة..!!
بعد ثلاث ساعات تقريبا ، رست العبارة في الميناء ، ونزل كل
ركابها عدانا نحن..! وكأننا حيوانات مصابة بالطاعون ..! و بعد
ان افرغت العبارة محتواها
اقتادونا كالأسرى في حافلات تقلنا خارج الحدود وهنا بدأت
معاناة جديدة فلا ماء لدينا ، وكلما اردنا شربة ماء كان الرد :
لا يوجد ..! استغربت في بلد عريق ، و نهر عريق ، و لا ماء ..؟
وبعد صراع شديد بسبب قلة الحافلات وعددنا الكبير تكدسنا بعضنا
فوق بعض لعلنا نعاود المسير.. ولا يهم ان كانت الطريق طويلة ،
والرحلة قاتلة فأرواحنا كانت قد استنزفت تماما .. بوجه عام
استغرقت هذه العملية ساعات طويلة كانت آلام الكلى قد أثقلت علي
احتاج الى الماء وما عندي ادخره لاولادي .. !
ومضت بنا الحافلة تنهب الطريق طوال الليل .. وفي الصباح وصلنا
مقر الشركة التي تدبرت رحلتنا .. كان المكان أقل ما يمكن وصفه
بالقذارة .. و لكن ! كان فيه ماء وكنا نظن ان بإمكاننا التجوال
في شوارع المدينة حتى موعد الرحيل وفوجئنا بأن الشرطة تمنع
ذلك..!
وتحفظوا على جوازاتنا ..! عوملنا كما فئران في المصيدة ولكن هل
لدينا خيار آخر..؟
و بعد ساعتين عادت بنا الحافلة وكانت أيسر من سابقاتها..وسارت
بنا طوال اليوم مع وقفات بسيطة حتى
وصلنا الحدود و تكررت نفس الحكاية فيما عدا أنهم
أعتقونا وسلمونا الجوازات..!!
ودخلنا حدودا جديدة وكانت المشكلة معي هذه المرة..!!

الحلقة الثالثة و الأخيرة
دخل
كل من معي على ضابط الجوازات لتأشير جوازاتهم وحين جاء دوري
سألني ما هي مهنتي ..؟
فأجبته .. حينها أخذ مني جواز السفر و
طلب مني الانتظار في الخارج ..و مر الوقت طويلا والجميع
جلس في الحافلة بانتظاري ..!
وأنا اقف عند الباب انتظر بعدها ناداني ضابط الجوازات قائلا :
انت صحفية ..
ممنوع أن تدخلي ..! صعقت كيف لا ادخل بعد كل هذا
القهر و الالم و الطريق
الطويل و لماذا ..؟ فقط لاني صحفية.. وهنا لم استطع أن أتخيل
بداية الرحلة و اللحظة الاولى التي فارقت بها بغداد .. داهمني
وجع شديد في الروح والقلب معاً .. ماذا يعني أتراني سأعود في
خمس أيام أخر لذات المعاناة و القهر و الذل حتى أصل
بغداد .. لم أكن أستطيع تخيل الامر كانت دموعي
وحدها تتكلم و الضابط مصر على اعادتي مع الحافلات
الذاهبة ..انزلوا حاجياتي من الحافلة وجلسنا واولادي في العراء
ننتظر ان تعيدنا حافلات اخرى الى بغداد ..!!
وقبل ن تتحرك الحافلة بلحظات خرج ضابط الجوازات وهو يحمل
تأشيرة دخول لي وطلب من السائق أن يعيد حاجياتي الى الحافلة ..
و وسط دموعي المنتحبة
سألته لماذا ..؟ قال :
"كانت مزحة وأنت صدقتها..!!"
كل ذلك كان في الليل ..حينها وقعت عيني على صخرة رمادية كبيرة
وتصورت
لو أن الحافلة تدحرجت من خلالها نحو الوادي..! بعد أن اجتازها
السائق علمنا
أننا تجاوزنا الحدود بعد مسيرة دامت يوما كاملا ..
رحلة لم تكن موفقة منذ البداية .. وفي غروب شمس اليوم الخامس
من الرحلة
دخلت الحافلة مدينة المرج الاخضر كانت المشاهد التي تحيط
بالمرج تتميز بسحر فريد ، الطبيعة عذراء كليا و لو كنت
في حالتي الطبيعية لما توانيت لحظة عن تصوير ذلك
الجمال الأخاذ .. ودخلنا المدينة وقت الغروب كان هادئا رطبا
محملا
بالكآبة..ورائحة البنزين الغريبة حولنا .. ولكن متى نصل..؟
في اليوم السادس على التوالي انطلقنا الى هدفنا الذي يبعد بعد
كل هذا المسير 850 كم بعد ان و دعنا
رفاق الرحلة .. أية كآبة كانت في قلبي ، صور
من الماضي وصور من الحاضر، ومستقبل مجهول ، سألت نفسي كثيرا
كيف يبدو هذا
المستقبل ..؟؟ و بعد أن سرنا اليوم
السادس بكامله وصلنا منتصف ليلة اليوم السابع .. و في
اللحظة التي وصلت فيها انهارت أمامي كل الاحلام ..!
شعرت أن الحزن الخبيء عن الاخرين
قد أمسى قريبا مني ويكاد لا يوصف الشعور الذي
تولّد في أعماقي والذي لم افكر فيه طوال فترة زمنية
طويلة كنت فيها على الرغم من الالم اتلذذ بحلم زجاجي
سرعان ما تهشم حولي ..!
كان المنزل مجرد قبر تحت الارض ..! جحر تهرب منه حتى الفئران
..!
شعرت برغبة مفجعة في الصراخ ..! كنت اتمنى لو أني استطيع تحطيم
الجدران
المحيطة بي ، .. أحسست برعشة من الخوف والانفعال ، بحثت في
ذاكرتي عن احلامي فوجدتها غائصة في جب عميق ، لم استطع أن افكر
في مصيري ، كانت حلقات الايام تضيق بسرعة و
كنت أختفي .. أغوص.. و كنت أظنها الصفعة
الاخيرة...!!!!

*
إزدهار الأنصاري
- العراق