الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

صفحة خاصة

 

.

الرجل ذو المعطف الطويل

قصة قصيرة

  

 

 

    

 

 

عزام أبو الحمــام*

   طَلَبَتْ مني المصلحة مراقبة ذلك الرجل ذو المعطف الرجل ذو المعطف الطويل بقلم عزام أبو الحمــامالطويل على مدار الأربع والعشرين ساعة، إن ذلك دلالة أكيدة على خطورة الملف ، كنتُ بالطبع لا أستطيع فعل ذلك بمفردي، فاستعنت بزميلين آخرين من فريق التحري وبدأنا العمل، كنت قد اخترت لنفسي أن أراقب الرجل في فترة الصباح ، وأن أترك فترة آخر النهار وآخر الليل لزميلي الآخرين، لم تكن لدينا معلومات كافية عن شخصية الرجل وعن مدى خطورة التهم الموجهة له، لكنني أحسب أنه رجلٌ خطير لأن التعليمات كانت تقتضي بأن نبقي أيدينا على زناد مسدساتنا عند الاقتراب من الرجل أو من محيط منزله.
في اليوم الأول تابعت الرجل بنفسي، وتيقنت منذ الساعات الأول أنه رجل خطير الشأن بالفعل، وأنه يتقن فنون ومهارات التضليل والتخلص من الرقابة والمتابعة، كان وجه الرجل محاطا بلحية زرقاء اختلطت فيها الألوان وبدا وجهه نحيلا وشعر رأسه مختلط بين الأسود والأبيض وعيناه زائغتان حينا ونشيطتان حينا آخر، كان في أواسط العقد السادس من عمره، تابعته منذ خرج من شقته في طرف المدينة، لقد كان الرجل مسافرا قبل هذا التاريخ، وهو كثير التنقل والسفر ، ولا يشاركه أحد في الشقة ، علما أن المعلومات تشير إلى أنه متزوج وأن لديه أسرة فيها الزوجة والابن الأكبر 35 سنة والبنت الكبرى 28 سنة ثم الصغرى 18 سنة، هذا كل ما كان لدينا. أما عمل الرجل فهو كما كان مسجلا في بيان المهمة (عاطل يبحث عن عمل) لكن بالتأكيد فإن مثل هذه اليافطات لن تنطلي علينا، لأن الكثيرين يرفعونها لتغطية أمر ما غالبا ما يكون جريمة أو جنحة أو مخطط خطير.
أول ما لاحظناه أنه حاذق في تضليل الرقابة والمتابعة، كنت ذات مرة قريب منه، خلته يتحدث بصوت خافت مع جهاز يخفيه في ياقة المعطف، كنت أسير خلفه واقتربت منه كثيرا، وعندما اشتغلت حاسته السادسة، توقف الرجل عن الكلام، وتسمر أمام واجهة محل زجاجية وراح يقدح زناد ولاعته كساتر لوقفته تلك، أي حذاقة يملك هذا الشخص الخطير!!، ولا ريب أنه شاهد صورتي على الواجهة الزجاجية وأنا أمر من خلفه، مما اضطرني للابتعاد كي أطرد من ذهنه الشك بالرقابة، لقد كان مدربا بالفعل.
بدأنا نجمع معلومات من المصادر المحيطة، صاحب البقالة القريبة، الجزار، جيران الشقة في العمارة التي يقطن بها، لا شيء مهم من كل ما تسرب منهم ، يبدو أن الرجل كان حريصا جداً على سيرته وتحركاته، وكنا حريصين على عدم توجيه أسئلة مباشرة حول الرجل. النتيجة الأولية لكل عمليات التحري في البناية أن الرجل جد خطير وغامض وتحركاته وأعماله غير معروفة، احتكاكه بالجيران ضنين وسريع وغالبا ما يأتي بالصدفة أو اضطراريا.
تقارير المتابعة الليلية لم تفدنا الكثير أيضا، يفيد رجالنا في النوبة المسائية أن الرجل يصحو من غفوته قبيل المساء ، بعد ذلك سيكون بالإمكان مشاهدة ظله في المطبخ وهو يجهز القهوة، ثم يحمل فنجانه ويتجه نحو الصالة، ثم يفتح جهاز المذياع قرب النافذة بينما هو يتابع جهاز التلفاز أيضا. هذه كانت أكبر المؤشرات أن الرجل يفعل ذلك لأنه يمارس اتصالات لا سلكية ويرغب بالتشويش على أي تنصت إلكتروني من خارج الشقة أو من داخلها.
وبعد ساعة من ذلك النشاط، يخرج المشتبه به بعد أن يحل المساء، يلبس معطفه الرمادي الطويل ولا يغيره ، من المحتمل جدا أن أجهزة اتصالات دقيقة زرعت في ذلك المعطف القديم ويمكن أن يكون بوسعه الاتصال مع مشغليه دون أن يتعامل مع أدوات واضحة ، على الأغلب فإن سماعة الهاتف وميكروفونه مخفيان في ياقة المعطف ببراعة، يتناول الرجل طعام العشاء في مطعم للحمص والفول الشعبي في أحد شوارع المدينة المزدحمة وأثناء ذلك لا يتوقف عن بث المعلومات وكأنه يهمس في أطباق الحمص والفول، ثم يعقب ذلك بكأس من الشاي قبل أن يخرج، وينطلق مشيا عبر الأرصفة إلى أن ينتهي إلى شاطئ البحر، يجلس هناك فيدخن السجائر بينما عيناه ترنوان إلى البحر وكأنه في انتظار شيء ما ، يجب أن نعرف بسرعة لأي نوع من المنظمات ينتمي هذا الرجل؟ ويجب علينا أن نحصل على طرف الخيط وأن نبقيه تحت أعيننا طوال الوقت كي لا يقع المحظور في اللحظات الحرجة ويسجل علينا الفشل. الرجل ظل شديد الحرص على عدم الاتصال بالآخرين، شوهد مرة يسأل رجلا عن الساعة وهو يهم بمغادرة الشاطئ، كانت تلك إشارة قوية أنه ينتظر شيئا ما أو حدثا ما أو عميلا آخر. سجلنا ذلك في تقرير المتابعة اليومية وأبرزنا تلك الواقعة بشكل مناسب.
مضى على متابعتنا للرجل أكثر من أسبوع دون أن نأتي ببيانات أو معطيات حاسمة في كنه الرجل ومهمته السرية أو ارتباطاته مع الجهات الأخرى، هذه دلالة واضحة على خطورة الموقف لأننا نتعامل مع عميل محترف، في نهاية الأسبوع الأول أيضا ازداد الموقف صعوبة وتعقيدا، وبدا أن أمراً جللا يحدث، إذ إن الرجل بدأ يغير من طباعه وخيل لنا أنه بدأ يشعر بالرقابة فأمتنع عن الخروج من منزله، وها هو اليوم الثالث منذ تمنع الرجل في شقته ، بل إنه ظل طوال الوقت يشعل بعض أضواء الحجرات ولا يوقف جهاز التلفاز على مدى الأربع والعشرين ساعة، وقد لاحظنا أيضا أنه توقف عن الحركة في الحجرات والمطبخ.
في اليوم الرابع كان القرار اقتحام الشقة والقبض على المتهم متلبسا، وهذا ما كان بالفعل، إذ حضرت قوة مخصصة للاقتحامات وهجمت على الشقة قبل بزوغ الفجر وحطمت الباب خلال ثوانٍ ودخلت الشقة في حال استنفار كامل.
تم التحرز على المتهم وقمنا بتفتيش شقته ومعطفه تفتيشا دقيقا، ووجد في معطفه بعض حبات الدواء وتقارير طبية تفيد بمعاناته من أمراض عديدة، الكآبة المزمنة، مرض انسداد الشرايين، ولم يوجد في شقته أي نوع من الطعام خلاف القليل من السكر والملح والخبز الجاف.
في أحد جيوبه وجدتْ بطاقة هويته، لقد كان الرجل واحدا من رجال جهازنا، وكان قد أحيل إلى التقاعد قبل عشرة سنوات.
لقد كان الرجل ميتاً منذ ثلاثة أيام متأثرا بجلطة قلبية حادة.

===============

*عزام أبو الحمام - فلسطين

azzam-mhd@hotmail.com