
قصة بقلم : محمود الجمل
أوتاد
كانت
جبهتي لاتزال دافئة ،رغم برودة أطرافي ، كان واضحا تماما أن الضربة أتت لي من
الخلف ،في منتصف العنق تماما ، الجرح كان غائرا بصورة تسمح برؤية الشرايين
والأوردة النازفة ، كانت عيني اليمنى نصف مغمضة واليسرى مقفولة تماما ، عندما
عثروا على جثتي مطروحة في الفضاء الممتد بمنطقة ( ركس ) تحيط بها الرمال من كل
جانب ، جاءت رقدتي في منطقة عميقة لم يكتمل ردمها ، تحمل بقايا ملح قديم ، لم
تكن آثار الملح قد بدأت في الظهور على لحم الجسد المتعب المقتول . لكن الجانب
المواجه للملح من الثياب كان قد بدأ في التآكل بالفعل . فزعوا في البداية ، فقد
كنت معروفا تماماً لديهم ، وكثيراً ما ارتطمت بهم ، كنت أهاجمهم وأفضح تصرفاتهم
،بعضهم كان يعمل سمسارا للأراضي رغم موقعه السياسي ، والأخر كان المستشار
القانوني لأحد اللصوص الكبار ، كانت أنصبتهم تأتيهم وهم في منازلهم ، أراد
أحدهم العبث في جيوب سترتي الممزقة ، كانت مجموعة أوراق متآكلة الحروف تبرز من
جيوب السترة الداخلي وقلم جاف من النوع الرخيص ، تراجعوا بعد أن حذرهم أحدهم من
خطورة الاقتراب ، كانت المنطقة المردومة تحتشد قبل الحرب بالمحار والكابوريا
وبالأسماك الصغيرة ، ساعات الجزر كانت فرصة للصغار أمثالي للهو في المياه
الضحلة دون خشية الغرق ، وكان الكبار ينطلقون إلى الداخل ويتركون ملابسهم في
حراستنا ، وفى ساعات المد وعندما تهيج الريح ، كانت الأمواج تضرب سور الشاطئ
القديم ويفلت بعض الرذاذ ليطدم واجهات العمارات القريبة ،كان أشهرها : ظاظا ،
كمبورس ، فندق سان ستيفانو . لم تكن كل الأبنية الحديثة الموجودة الآن قد ينبت
، مبنى المحافظة الجديد ومديرية الأمن ومجمع المحاكم ، كانت أراض فضاء تحمل في
أحشائها جزءا من تاريخ البحر القديم قبل أن ينحسر عنها تاركاً القواقع المختنقة
وسط ركام الرمال وعطن المحار . لم يكن أكثر المتشائمين ينتظر يوماً أن يتحول
هذا الشاطئ الممتد من فندق البوريفاج حتى مرسى صيادي الفلايك إلى مصب لمياه
الصرف المحملة بالبقايا الآدمية وبالأوساخ . كان قرار العودة من المهجر فجائياً
، قيل أنه كان قرارا سياسيا حتى تتحول حالة السلم مع إسرائيل لأمر واقع ، واضح
أن فكرة كون حرب أكتوبر هي آخر الحروب قد استبدت برأس من يحكم ، فكانت العودة
مزيجا من العشوائية وإعطاء الفرصة لصغار المقاولين لعمل ثروات سريعة .لم تكن
الأبنية المعتمدة في هياكلها وحوائطها على الحجر الجيري المنحوت سوى واجهة
مزيفة لعمليات سرقة سريعة يشارك فيها صغار المهندسين مع مقاولي الباطن الذين
أسندت إليهم عمليات البناء من قبل الشركات الكبيرة التي أكتفت برفع لافتات
خشبية كبيرة حملت أسمائها ، كانت عمليات النهب تجرى بصورة منظمة ، ( ولم تكن
التصدعات الأخيرة بحى السحاب بمدينة الصباح سوى نتيجة متوقعة للفساد القديم )
.. حدق أحدهم في وجهي ، كنت أعرفه جيداً ، كثيرا ما شارك في صنع قرارات تحمل
صيغاً قانونية ملفقة ، كان قبائليا حتى النخاع ، كانت شعبيته معقولة حتى عام
1980 ، وعندما أخذ في الترقي في مواقع تنفيذية انفصل تدريجيا عن الناس وصار
حارسا لمكاسبه ومدافعاً عن لصوص النقل ويقاتل الآن من اجل أن يترأسهم ، عندما
لمحه أخر يطيل التحديق ، نصحه بالابتعاد إذ لم يبقى أمامه سوى أسابيع ويقوم
بتسليم مفاتيح مكتبه ، ولا داعي لأن يزج باسمه في قضية سوف تكون حديث الرأي
العام في المدينة ، لان المقتول معروف للكافة ، كما أن عائلته الممتدة الجذور
والمعروفة باسم ( العوامر ) أن تترك هذه المسالة تمر بسهولة ، فقتيلهم كانوا
يجهزونه لخوض المعركة البرلمانية مع أوائل القرن الجديد كانوا قد تداولوا في
إمكانية ترشيحه للدورة القادمة إلا انه رأى أن العركة الآتية فرصة لإجهاد
الجميع ويمكن استثمارها جيدا عبر الصحيفة المحلية التي يصدرها ، ولأن المدينة
تقريبا قد خلت من السياسيين النجوم ، فان عملية تلميع منظمة ، واحتكاك مباشر
بالقواعد الجماهيرية يمكن أن يثمر في النهاية عن مفاجأة جميلة وإزاحة طبيعية
لهياكل ورقية وكروت محروقة انتهى عمرها منذ زمن بعيد على حد تعبير ( الدرديرى )
.
* كانت رغبة في التبول قد استبدت بي ، ويبدو أنني كنت مقبلآ على ذلك بالفعل قبل
أن تأتينى الضربة المجهولة في منتصف العنق تماما في المسافة الفاصلة بين
المساحة المخبوءة المائلة للبياض والتي تداريها في العادة ياقات القمصان
والأخرى التي لفحتها الشمس الذين اكتشفوا جثتي أولآ ، لم يكن بينهم عبد المعطى
المقصدار فأرسلوا يستدعونه ، ربما احتاج الآمر لفتوى على المقاس تقر بأن حالتي
ليست سوى انتحار مع سبق الإصرار ، وأن الأمور طبيعية ، كما أنني لو لم أكن
منتحرا ، فقتلى واجب قانوني طبقا لقانون العاملين بالدولة ، فالذين اعتادوا
التجاوز مثلى في مخاطبة الكبار مصيرهم كمصيري وما أنا إلا عبرة ..
يتحدث المستشار كالماكينة دون أن يرمش له جفن ، ولا أدرى سر بقائه طويلآ
بالديوان ، رغم أن زمن انتدابه قد مضى فانه من الصعب تماماً أن يأتوا بمقصدار
مثله أو يدانيه . كانت ملابسهم متشابهة ، وكانوا يرتدون قبعات إفرنجية وكانوا
ينادون كبيرهم ب ( البك ) . كنت قد ضبطته مرتين يزور تاجر الأراضي الشهير ، مرة
مع أحد الصحفيين ، ومرة مع مندوب جهاز المراقبة .. كان يطالع إحدى المذكرات
بعناية ، بينما تلمع حفنة جديدة من أوراق البنكنوت داخل مظروف لم يغلق بعناية .
* عندما حاول موظف العلاقات العامة والذي صار عضوا بالمجلس المحلى أن يحصل على
مجموعة الأوراق المتآكلة الموجودة بجيب سترتي الداخلي لعله يجد فيها ما يفيده ،
تلون وجهه بصفرة مخيفة ، زادت من هيئته المرتعشة واهتزازه المعروف ، كانت
الأوراق تحمل تحقيقا كاملاً ، واضح أنه يكتب بعناية عن واقعة تنازل المحافظ
لوزارة المجتمعات العمرانية عن ثمانين بالمائة من أراضى مدينة ومحافظة السويس ،
وتدخل في حيز هذا التنازل أراضى الخور وركس بكاملها ، وهى التي لو عرضت بمفردها
للبيع لحققت أكثر من مليار جنيه ، المثير أن التحقيق أشار أن هذه المساحات سوف
تصبح في المستقبل تحت ولاية ابن مسئول كبير ، وسوف تخصص لبناء المكاتب الإدارية
وبعض المنشآت السياحية لخدمة الاستثمارات المتوقعة لمشروع تنمية شمال الخليج .
يبدو أن بعض البلل قد أصاب الأوراق المهترئة ، فلم يستطع موظف العلاقات العامة
قراءة كل الأوراق بالتفصيل ، وكان عادل الدرديرى قد علم بواقعة مصرعي فقام
بسرعة بالاتصال بعوض مرزوق وحسين سمير ، رغم أن علاقتي بحسين قبل واقعة قتلى
بشهور لم تكن طيبة ، كنت قد انتقدته وبشدة عقب انسحابه المفاجئ من الترشيح
لرئاسة مجلس المحافظة ، وكتبت كلمة قصيرة بعنوان
( انسحاب الجنرال ) ورغم أنها جاءت مخففة إلى حد كبير إلا أنه .. ولأنه جنرال
فقد ساءه أن يتطاول مثلى عليه ، خاصة أن من في سني وتخرجوا في كلية الشرطة ما
زالوا في رتبة النقيب . أتوا جميعا مسرعين ، كان عوض أكثرهم تأثرا ، وبعيدا عن
علاقة النسب بينى وبينه كأن واضحا من دموعه التي طفرت من خلف عدسات نظارته أنه
كان يكن لي مشاعر طيبة ، الدرديرى لم يكتفي بالنحيب ، يبدو أنه قام بأجراء
العديد من الاتصالات قبل مجيئه ، وخلال دقائق كانت قافلة من السيارات تخترق
طريق الكورنيش الجديد ، كان في المقدمة الحداد والسمان وبشير ، أما متولي فلم
يكن موجوداً ، وحضر أخوه ومعه ماهر الذي حاول التقليب في جثتى ، وكانت ما تزال
في مكانها بالقرب من كازينو ( الطائر الأزرق ) والذي أكتفي صاحبه بمتابعة
المشهد من مسكنه بالدور الثالث ، كنت قد اتفقت مع صاحب الكازينو على صياغة
مذكراته في كتاب يحمل عنوان (ذكريات 50 سنة سينما) وكنت كلما التقينا أساله :
أخبار الكتاب إيه ؟ فيجيب ببشاشة بعد تناولي زجاجة من الكوكاكولا الباردة (
باحضر لك الصور ) . كان عبد الكريم ممثل الدائرة التي أسكن في أحد أحيائها وهو
في الوقت نفسه واحد من أقربائي ، بل من عائلتي مباشرة ، قد علم هو الأخر
بالواقعة فحضر بسيارته .. قال بأسى ممزوج بالاندهاش : كان مخه ناشف الله يرحمه
، لقد نصحته بأن يهتم بأكل العيش ولا داعي للدخول في معارك مع الكبار ، ولكنه
لم يكن ينصت ، وهذه هي النهاية . كان بشير قد أرسل أخاه سعيداً لإحضار غطاء
يسترني ، كان شقيقه الأخر قد حضر ومعه نصف أعضاء مجلس محلى حي عتاقة ، كان
النصف الأخر ينوى الحضور إلا أنهم خشوا غضب الكبير فتراجعوا .. عندما حضر
أخيراً أحمد حزين ومعه عدلي حسين ، اندفع الجميع نحو الأول لتعزيته إذ كانوا
يعلمون طبيعة علاقتنا معا ،ً لم يتحمل أحمد حزين عبارات الرثاء وغلبته دموعه
فجلس بجوار جثتي ، كان سعيد قد وصل لتوه ومعه الغطاء ، كان من القماش السميك ،
تعاونوا جميعاً في فرده ، وما أن انتهوا من مهمتهم حتى كان ثمة رذاذ خفيف
يتساقط ثم أخذت القطرات تتسارع بصحبة رياح بدأت خفيفة ثم سرعان ما اشتد صفيرها
، سارع الجميع بالاحتماء أسفل الأبنية القريبة ، كنت وحدي أتسمع القطرات
المتتالية ، وهى تحدث أصواتاً مكتوبة عقب ارتطامها بالغطاء السميك ، عندما
اشتدت الريح وبدأت المياه تهطل بغزارة وارتفع منسوبها من حولي حتى كاد يغطيني ،
وعندما اقتربت المياه الممتزجة بالملح من وجهي المنتفخ وبدأت تلسع جرحى الغائر
، قبل أن تصل إلى حلقي وفتحتي أنفى ، كنت قد غبت عن وعيي . وعندما عادوا يخوضون
في الرمال الرطبة ، بعد هدوء الريح وتوقف المطر ،كشفوا الغطاء عنى ،كانت جثتي
قد اختفت .