
قصة قصيرة بقلم :
نهيل عصفور
nebal995@yahoo.com
------------------------------------------------------
رقصت وأبدعت فى رقصها , أجساد تلقى تحت قدميها المخضبتين
بالحناء وخلخال ذهبى يزين أحدهما ، قدمان
يتمنى أعظم الرجال تقبيلهما
لكنها كانت تشعر أنها أسيرة هذا الجسد المثير ،
فجنون رقصاتها تثير
شهواتهم المتوحشة الكامنة تحت جلودهم الباردة ، كم تود لو تخلع عنها هذا الرداء
وتلقي به فى صندوق ذكرياتها وتحكم إغلاقه وتلقيه من على جرف عذابها , أفاقت من
أحلامها لتجد أحدهم يمسك بيدها ويقبلها بنهم
يريد أن ينقض على ما تصل إليه شفتاه
العفنة , أبعدته عنها و ركضت إلى غرفتها لتغير ثوبها الملتصق بجسدها كما لو
كان جلداً
ثانياً
يتقاسم تفاصيلها ،خلعته و ألقت به فى خزانه ملابسها كما لو كانت تلقى به فى
الجحيم .
لم تنتبه إلى الشارع الفارغ من المارة فى هذا الوقت من
الليل ، فتابعت
سيرها تريد أن تستنشق بعض الهواء النقي بعيدا عن زفارتهم و أنفاسهم المعبقة
برائحة السجائر و الخمر
؛ مشت طويلا تريد أن تنال من هذا الجسد أكثر فأكثر , تريد أن تنتقم منه لانه
سبب عذابها وشقائها فى هذه الدنيا , وصلت لمنزلها فى ذاك الحى النائى بعيدا عن
أنظار الغرباء في ذاك المكان القذر التى تمقته , ولجت إلى داخل بيتها الصغير
التى تتشاطره مع صديقتها الوحيدة , طالعتها هدى بإستنكار :
- ما بك يا ياسمين لِمَ ارى نظرات الحزن تملأ
هاتين العينين الجميلتين؟
- لا شىء يا هدى لا شىء ، لا تهتمي
.
خلعت ملابسها ودست هذا الجسد الفاحش تحت المياه الباردة
تريد أن تطهره من شهواتهم السوداء المتناثرة عليه فركته بكل ما
أوتيت به من قوة
تريد أن تنسيه كل ما مر عليه من عذاب .
أرتدت قميص نومها الابيض الشفاف، طالعها وجهها الابيض فى
المرآة ، ملامحها الطفوليه و عيناها
الجامحتان
و جسدها الغض يجذب مخالب الذئاب الحادة اليه لتغرز شهواتهم المكبلة داخل
أجسادهم فيه , دست هذا الجسد فى سريرها و سرحت فى سقف الغرفة إلى أن غابت فى
دنيا أحلامها
الوردية التى تعيش فيها بعيدا عن واقعها الدامى
.
كانت تنام على جذوة صدره العارى كل ليلة وتقطف
عناقيد شفاهه وتنعم بدفء أنامله على جسدها , كان هو الوحيد الذى تسمح له
بأقتحام حصنها المنيع ، كانت ترى فيه قمرها المنير الذى يلمع فى عتمة ليلها
الحالك ،
عروساً
بثوبها الابيض تتهادى على عرشه المخملي
لتقسم على المذبح أنها ستكون له وحده ؛ هزتها هدى بقوة لتسحبها بعيدا عنه ,
أعادت
الغطاء مخبئة رأسها تحته ، تريد العودة إليه قبل أن يرحل .
- ياسمين أرجوك أفيقى أحدهم يسأل عنك فى
الخارج.
- ما بك يا هدى اتركينى كى أعود إليه .
- ارجوكِ يا ياسمين ثمة من يسأل عنك ، أفيقى ،
فهو لا يريد أن يغادر قبل أن تقابليه بنفسك ،
تململت فى سريرها ، و أخيرا قررت أن تغير ملابسها لترى من يريدها و لماذا !!!
فى هذا الوقت المبكر من النهار .
ولجت إلى غرفة الضيوف طالعها وجه وسيم قمحى البشرة ترتسم
ملامح القلق عليه ، نظرت مطولا لهذه الهالة العظيمة
التي تخيلتها فوق رأسه
فشعرت أنها أمام إله من ألهة اليونان القديم ،عيونه السوداء ليل حالك تغرق فى
عتمته , مدت يدها مصافحة فسرى تيار لذيذ
فى جسدها .
- تفضل بالجلوس لو سمحت يا ....
- أدعى أحمد , أحمد كمال .
- أهلا يا سيد أحمد هل تكرمت و
أخبرتني
عن سبب زيارتك لى
فى هذا الوقت ؟
- كما ذكرت لك سابقا أدعى احمد , ابى كمال حسن
، الم تسمعي بهذا الاسم من قبل ؟
- المعذرة منك يا أستاذ احمد لا , لا أعرفه !
- إلتفت إليها والشك يملأ
مقلتيه السوداء
أكدت له بأنها
لم يسبق لها أن سمعت به
ثم أضافت :
,- ولكن ما علاقتى بك أو بأبيك يا سيد أحمد ؟
- أبى يريد أن يراكِ قبل أن يموت
- يريد أن يرانى أنا ؟ قلت لك سابقا أنني لا
أعرفه !
- أنه أحد الذين يخرون تحت قدميكِ كل ليلة يا
ياسمين .
اكفهر وجهها وصمتت لا تعرف ماذا تقول له ، فهى حينما
ترقص لا تنظر إلى وجوه من حولها بل تؤدى جنونها ببراعة
ثم ترحل عن هذا
العالم من غير أن تأبه
بكل هذه الاجساد الملقاة
تحت قدميها كل ليلة .
نظر مطولا إليها
و كأنه يريد
معرفة جوابها عن طلبه,أكدت
له بكل ثقة :
- أسفة يا سيد أحمد فأنا لا أختلط برواد الملهى ، فقط
أؤدى عملى وأرحل ، لا أعير انتباهاً
لأي أحد .
- سأدفع لكِ اى مبلغ تطلبينه
مقابل أن تزوريه فهو على فراش الموت .
- ما لدى قلته لك أنا لاتهمنى نقودك يا سيد
أحمد .
رمقها بنظرة شك كادت تشطرها نصفين .
ثم تراجعت قائلة :
-
حسنا يا سيد أحمد سوف أذهب فى وقت لاحق ، فقط
اترك لى العنوان ولا أريد أى نقود منك أو منه .
- بل ستأتين معى الان
، رجاءً .
- الآن
هل انت مجنون ؟ لقد استيقظت لتوى من النوم وانا متعبة جدا واريد أن أنال قسطا
من الراحة .فقط سجل لى العنوان ، و سأذهب لزيارته لاحقا أعدك بذلك .
- الا تدركين ما أقول
؟ أبى على فراش
الموت ويريد أن يراكِ الان !
ترددت ياسمين , ثم استسلمت إليه ، و كأن سحر عينيه أسكتت
كل اعتراضاتها ؛ وقفت , أحست أن شيئاً
بدأ ينمو في داخلها يوسوس لها بالبقاء معه أطول فترة ممكنة .
- انتظرنى هنا سأعود بعد لحظات , طالعت وجهها فى المرآة
وآثار التعب
ظاهرة تحت
عينيها ،
وضعت بعض المساحيق كى تخفى هذه الآثار، تعطرت كأنما تود لو يستنشق عبيرها الأخاذ
ويضمها إلى جذوته المشتعلة , أفاقت من تخيلتها الحمقاء وذهبت لملاقته فى غرفة
الضيوف ، نظر مطولا إليها
ثم أشاح بنظره بعيدا عنها كأنما يهرب من شبح أقترب منه قائلا :
- هيا بنا .
ركبت إلى جواره فى سيارته الفارهة , كانت أول مرة تجلس
فى سيارة مثلها نظر باستغراب لها وكأنه غير مصدق لنظراتها الفاحصة لهذه السيارة
الفخمة ظانا
أنها تعبث به كما تعبث بغيره ، و لكن
عيونها الجامحة وجسدها وملامحها الطفولية
توحي بعكس ذلك .
نفض غبار الشك من عقله وتابع المسير إلى أن وصلا
إلى مبنى فاخر تحيط به حديقة كبيرة رائعة الجمال
، تقدمها
مشيرا لها بالدخول ، نظرت حولها بتمعن ، شعرت أنها تحلم , لكنها قريبا سوف
تغادر هذا الحلم ولن تعود إليه .
ولجت إلى احدى الغرف
الفخمة ، كان هناك
رجل عجوز يرقد فى مخدعه الوثير طالبا منها الاقتراب أكثر ، نظرت إلى أحمد
مترددة ، و لكنه
أومأ إليها
بالاذعان إلى طلبه .
أشار إليها
بالجلوس إلى جواره فجلست على
مضض ، فأمسك يدها ولكنها سحبتها من بين انامله ،
إلا أنه نظر إليها
بحنو وعطف فأعادتها إليه ؛ ثم لمحت شرارت تخرج من عينيه تخترق جسدها الغض
وتحرقه , ارتعشت لوهلة من هذه النظرات ، و انتبهت أخيرا أن والده يحادثها ويمدح
فى جمالها الاخاذ تبسمت له وشكرته ،استأذنت منه كى تغادر لان لديها عمل الليلة
فى الملهى
- انتظرينى فى الخارج لو سمحتِ
يا ياسمين سأوصلك بعد قليل لمنزلكِ , فاعترضت :
- لا داعى لذلك أعرف طريق العودة
- فقط إنتظرينى فى الخارج .
اسكتتها نظراته , جابت الرواق بأقدام قلقة
تريد الرحيل عن هذا القصر تريد الهرب بعيدا عن عيونه الفاحصة , ما الذى جعلها
تذعن لطلباته ؟
أسئلة كثيرة جابت عقلها الصغير , ولكنها لم تجد
الاجابة
قررت الرحيل فلم يعد بمقدورها الانتظار أكثر ,
همت بنزول الدرجات ولكنه استوقفها
قائلاً :
- ألم أطلب منك الانتظار ,
- لكنك تأخرت ولدي
عمل الليلة
فى الملهى
- هل تسمين ماتقومين به عملاً
؟!!!
اعتراضت على لهجته الساخرة .
- لا أسمح لك أن تخاطبنى بهذه
اللهجة المقللة من
شأن عملي .
ضحك باستهزاء ثم
أجابها :
- حسنا سأوصلك إلى المنزل.
أراد أن يضع يده على كتفها ولكنها ابتعدت عنه خائفة من
نيرانه المهددة بإحراقها
فى أى لحظة .
هبطت الدراجات سريعا هاربة من القصر كأنها تهرب من جحيم
يتربص بها , ثم
ركبت بجواره وأشاحت بنظرها بعيدا عن جحيمه
و أخذت تشغل
نفسها بمشاهدة
المبانى الفاخرة المترامية على طول الحى هذا
الأنيق الراقي .
لم تقارن بين الحى الذى تسكن فيه و بين هذا الحى
الفخم فلم تكن من
النوع الذى يأبه لتلك الامور , لو أرادت ذلك لباعت جسدها منذ وقت طويل , لكنها
حافظت عليه كأى فتاة ترغب بتسليم روحها وجسدها لمن يسلبها قلبها, و لكن
ذلك إن هو إلا من
نسج مخيلتها الواسعة ، فمن يرغب بالارتباط بفتاة مثلها , سؤال يقطع روحها
الطاهرة إلى أشلاء .
وصلت منزلها و فتحت باب السيارة تريد الهروب منه ، و
لكنه أمسك بيدها
مانعا ، نظر إليها مطولا بعينيه
الحارقتين :
-
لى حديث طويل معكِ يا ياسمين , و لكن
هل هذا هو
اسمك الحقيقى
أم أنه مزيف مثل هذا الثوب الكاسي
لجسدك الفاحش
؟
سحبت يدها من بين أنامله الناعمة العابثة
ثم فتحت باب
السيارة وخرجت مسرعة .
تركها ترحل وهو على يقين أنها لن تفلت من بين
براثنه الحادة ذات يوم .