
قصة
د. نحا طوبيا كوركيس
كان
يا ما كان في قريب الزمان حاكم عربي قيل فيه الكثير مما له والأكثر مما
عليه، الأمر الذي حدا بأحد نوابه أن يطلب منه أن يحل محله لفترة وجيزة.
ذات يوم من أيام تموز/يوليو الساخن، قال له السيد النائب:
سيدي، ما رأيك لو أخذت إجازة صيفية حتى تريح نفسك وأعصابك وعائلتك،
بينما أتولى أنا رئاسة الدولة، ولو لشهرين؟ يتملكني هاجس بأن شعبيتي
انحدرت إلى الحضيض. لذلك أود أن أعرف رأي الشعب بي كرئيس.
الرئيس: هههههههههههههههها (بملأ صدره، وكعادته المشهورة). والله، فكرة
معقولة. ولكن، يا...(ص)، الرئاسة بحاجة إلى دهاء من نوع فريد.
النائب: أوَ لست ذكيا؟! أما جرّبتني في المعاقل والسجون وخلف جبهات
القتال؟
الرئيس: طيب، يا...(ص)، ولكن عليك أن تجتاز اختبارا قبل توليك الرئاسة.
النائب: أمرك، سيدي.
الرئيس: إذن موعدنا في الفجر، كالعادة!
وعند الفجر...
حضر الرئيس (وحرسه الخاص) ونائبه (ص) في المكان والزمان المألوفين
لهما. طلب الرئيس من حرسه اخلاء غرفة واسعة من غرف القصر اخلاءا تاما،
وأن يتأكدوا من أن الغرفة خالية تماما من أية ثقوب في الجدران. تم
اجراء اللازم بسرعة مدهشة. ثم طلب منهم جلب صندوق يحتوي على (25) فأرة!
تم تنفيذ الأمر بدون نقاش.
وفي حضرة الفئران، توسط الرئيس ونائبه (ص) الغرفة.
قال له الرئيس: ما عليك الآن سوى فتح الصندوق وتحرير الفئران منه، ثم
إعادتها إليه، وهو المطلوب.
ولكن المطلوب اثباته كان أمرا صعبا. فتح (ص) الصندوق، وإذا بالفئران
الجائعة تندفع بسرعة مذهلة خارجا وتصيح: ويص...ويص...ويص.............
وتنتشر في أرجاء الغرفة هربا أو بحثا عن فتات!
بدأ النائب الكهل جريا في كل الاتجاهات ليمسك بهذه أو تلك. لم
يفلح...لم يفلح...لم يفلح، رغم محاولاته المتكررة. وبعد أن تقطّعت
أنفاسه، قال للرئيس: إنه اختبار صعب، سيدي. فهل لك أن تساعدني للخروج
من هذه المحنة؟!
الرئيس: ههههههههههههها! والله، يا (ص)، ذكّرتني كيف انتشلتك من
الطرقات والأزقة وجعلت منك نائبا. هل تذكر ذلك؟ حرس....!
حضر الحرس بلمح البصر!
الرئيس (مؤشرا براحة يده): تخلصوا منهم بالطرق المعتادة! ثم آتوني
بصندوق آخر يحتوي على نفس العدد من الفئران الجائعة.
تم التنفيذ!
يا الله! رفع الرئيس الصندوق بكلتا يديه إلى الأعلى، وبدأ برجّه يمنة
ويسرة بكل ما أوتي به من قوة. وضع الصندوق على الأرض وفتح بابه، وإذا
بالفئران تخرج منه مترنّحة وقد خارت قواها رغم حاجتها للغذاء. وبكلتا
راحتيه، راح الرئيس بادخالها إلى الصندوق دون مشقة!
إصفرّ النائب وتصبّب عرقا وهو يشاهد دهاء رئيسه. فقال في نفسه: أعرف
مكره جيدا، ولولاه لما كنت نائبا. ولولاه لما....................!
الرئيس: أرأيت يا (ص)؟! هكذا التاريخ، وإجازة الصيف مبروك عليك!
تعقيب
أخي الكريم الدكتور
دنحا ( أبو داني
(
نص يجمع بين الطرافة و الحكمة ، فإن إلهاء الناس بالضروريات
يمنعهم من متابعة سلوكيات ساستهم ، و هذا هو سلوك الكثير من الحكام عبر
التاريخ
.
أنت قاص مبدع ليتك تهتم بهذا الجانب اهتمامك بجوانبك الأدبية الأخرى
تهنئتي
لك و لك طول العمر و دوام التألق
نزار
اللغة والأدب
لعبة جرّ الحبل
قصة واقعية
د. دنحا طوبيا كوركيس
(مهداة إلى الأديب الكبير نزار الزين الذي شجعتني كلماته على توثيقها،
وأن تكون جوابا على ما جاء في مداخلته وتعليقه، مشكورا، على قصة
"الرئيس ونائبه والفئران" التي نشرتها على منتدى القصة القصيرة يوم
7/10/2007).
ذات
يوم من أواخر صيف عام 1974، أرسل عميد كلية الآداب بجامعة بغداد،
المرحوم البروفيسور خليل ابراهيم حماش، في طلبي. دخلت مكتبه، فأشارت
إلي سكرتيرته بالجلوس ريثما يخرج الضيوف. تلاطمت الأفكار في رأسي،
وكأنها أمواج بحر هائجة. بدأت التساؤلات تتراشق وكأنها طلقات صادرة من
بندقية رشاشة، ولم يكن من بينها ما يدعو إلى التفاؤل. دقائق عصيبة عصبت
القلب والمخ والمخيخ، وضربات قلب سريعة تزايدت مع النداء:
- تفضل أستاذ.. السيد العميد بانتظارك.
طرقت الباب كالشحاذين، وإذا بوجه بشوش مبتسم يناديني ويقول:
- أينك يا رجل؟ تعال واجلس إلى جانبي.
نبرته جعلتني أتنفس الصعداء، فحييته وبادلني التحية، بينما كانت لفافة
تبغ "الروثمانز" الإنجليزية بين شفتيه.
- الله بالخير!
- الله بالخير!
ناولني سيجارة من علبة الروثمانز القابعة على مكتبه المكدّس بالملفات
والأوراق والكتب. كان يحب هذا النوع من الدخان حد العشق. أما أنا، فكنت
أعشقه حد الفجور والفسق. قاسم مشترك بيننا دون سابقة تذكر، وآخر في
الانتظار على ما يبدو بين رشفة ورشفة من القهوة العربية التي تتغنى بها
حاسة الشم قبل الذوق. وكانت المفاجأة:
- هل أنت متزوج؟
- كلا.
- هل تريد أن تتزوج بسرعة؟
- نعم، ولكن حسب الظروف.
- هل تريد أن نعيّنك في هذه الكلية استاذا؟
- نعم، دكتور.
- إذن عليك أن تنهي رسالة الماجستير بسرعة، وخلال أشهر.
- ولكنني لا أستطيع، يا دكتور، فقد اخترت موضوعا في الأدب، والبحث في
المواضيع الأدبية يستغرق وقتا، كما تعلم.
- إذن البحث في اللغة لن يستغرق وقتا.
- ولكنني اخترت موضوعا عن الشاعر الرومانسي كوليريج، وكتبت فيه بحثا،
وكنت الوحيد بين زملائي العشرة ممن حصل على "امتياز" في مادة الأدب،
والأدب حلم حياتي.
- ولكنك كتبت بحثا ممتازا وأصيلا في اللغة ايضا!
- أعرف ذلك، ولكن...
- ولكن أنا من سيشرف على رسالتك. واللغة، يا بني، ستبقى عذراء، في حين
أنك تستطيع التواصل مع الأدب وأنت في سريرك! لن أمارس الضغوط عليك،
ولكن أمهلك ثلاثة أيام لتحتكم خلالها إلى عقلك وتتشاور مع أهلك
وخلاّنك. سأكون بانتظار قرارك، بيد أنه عليك أن تتذكر مسألتي التعيين
والزواج.
بقيت لساعات طوال من ذلك اليوم حائرا... قرار صعب يترتب عليه الكثير...
إنها لعبة الحبل!
وبعد التشاور مع العقل والقلب والمنطق والأهل، تمت الخطوبة عل "لغة"
بدون شهود أو أقارب صبيحة اليوم التالي قي مكتب المرحوم. واتفقنا أن
يكون "الأدب" اشبينا للعروس لينظم لها أشعارا في الغمز واللمز كلما
أخطأت في نحوها وصرفها، وفي الغزل كلما تؤانسه في البديع من الكلم. وإن
تخاصما، وانفطر القلب مرة، سيظلان شريكين، كالبطين الأيمن والأيسر،
ويستمر القلب الواحد بالخفقان إلى أجل غير مسمّى.