مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أعمال الطبيبة الأديبة مادلين حنا

 في انتظار الموت

رواية قصيرة بقلم : د.مادلين حنا

drmadleen@hotmail.com
 

- انا خائفه من هذه الزيارة
قلتها فى صوت منخفض لمرافقى المصور "أندريه" و نحن خارجين من محطه مترو الأنفاق على مقربه من ذلك المبنى المخيف ..
رد "أندريه" فى سرعة :
- انه موضوع خطير و مضمون النشر و ربما سيكون موضوع للغلاف
ابتسمت فى تصنع محاولة أن أطمئن نفسى قائلة :
- كم أنت طيب يا "أندريه" .. موضوع غلاف عن مستشفى المعزل الشرقى(1) !!! كأن الدنيا قد خلت من الموضوعات السياسيه و أزمات الحكومة و حرب الشيشان و تظاهرات الجوعى لتتمها مجلتنا بموضوع عن مبنى الموت هذا
استوقفنا عدد من المتسولين على سلم محطة المترو لفت نظرى منهم رجل عجوز يرتدى زياً عسكرياً قديماً مهترئاً معلقاً تلك النجمه الحمراء الشهيرة ذات الدائرة الذهبيه - وسام الشرف العسكرى السوفيتى - يبدو أنه كان من المحاربين فى الحرب العالمية الثانية ..
كدت أن أخرج من حقيبتى ألف روبل و أعطيها له لكننى تراجعت ..
ألف روبل لشحاذ !
ألف روبل تشترى وجبه إفطار متواضعه الآن و ربما كأس من الفودكا ..
ياله من زمن ..
لقد حكى لى أبى بأن الروبل فى الماضى القريب كان يساوى دولاراً أمريكياً و ثلاثين سنتاً ..
قطع "أندريه" حبل أفكارى و هو يقودنى بعيداً عن ذلك الزحام و هو يخرج علبه سجائره من جيبه و يشعل سيجاره أثارنى دخانها الذى نفثه فى قوه متبعه بسعال طويل ..
- ستقتل نفسك بهذه السجائر .. ألا تعرف أن التدخين يسبب السرطان و السرطان مثل الإيدز لا علاج له و ربما بعد فتره ستصبح من "منتظرى الموت"(2)
قلتها و أنا وقفنا بمواجهه البوابه الحديديه قبل عبورنا الشا رع ..
ألقى "أندريه" بسيجارته أرضاً قبل أن نصل للبوابه التى يقف عليها حارس فى أواسط العمر بادرنا بالسؤال:
- أية خدمه ممكن أن أقوم بها؟
أخرجت له خطاب المجله و بطاقات هويتنا و حكينا له أننا صحفيين موفدين لمهمه تحقيق صحفى عن أول مستشفى مجانية لإستقبال و علاج مرضى الإيدز فى موسكو و سألناه عن مكتب مدير المستشفى
أجابنا و هو يهز رأسه:
- الدكتور "كيرنتش" غير موجود الآن و لا أتوقع أن يأتى قبل أسبوع لكن يمكنكم مقابله الدكتور "يفجينى" أو الدكتور "فاليريا" .. مكتب الدكتور "يفجينى" بالدور الثانى أمام السلم مباشره
دخلنا من البوابه و أخرج "أندريه" كاميرته ملتقطاً صورة لمدخل المستشفى و اللافته المكتوبه أمام المدخل الداخلى : "سيصير الزمن صعباً و الموت لازماً على كل خاطىء"(3) بجانبها صورة للرئيس "يلتسن" و هو يحيى الجماهير المحتشده
ابتسمت فى سخريه قائله للحارس:
- رئيس الجمهورية الآن هو الجنرال "بوتين" لو لم تكونوا تعرفون ..
شرح لى الحارس بأن "يلتسن" هو الذى افتتح هذه المستشفى عام 1996 و هذه الصوره هى صورة من مراسم الإفتتاح و نظر للكاميرا فى يد "أندريه" قائلاً:
- أنا اسمى "فيكتور باتدنرسكى" أعمل هنا كحارس و سائق و حانوتى .. لو أمكن أن تلتقطوا و لو صوره واحده لى تنشروها بالمجله أكون فى غايه الشكر
التفت إليه "أندريه" بكاميرته ملتقطاً له صوره و هو يبتسم فى سخرية ..
لاحظ الرجل سخرية "أندريه" منه و هم بأن يقول شيئاً لكننى اقتدت "أندريه" من يده إلى الممر المنتهى بالسلم بداخل المبنى ..
صعدنا السلم للطابق الأول .. لاحظنا فى الموجهه لوحه كبيرة تمثل معجزة إحياء الميت التى فعلها السيد المسيح .. انها لوحه معبره حقاً و لو أنه لا يوجد ما ينقذ هؤلاء المرضى ..
الممرضات يرتدين زياً أزرق باهت كئيب .. سألت إحداهن عن مكتب دكتور "يفجينى" فقادتنا إلى مكتب صغير بنهايه الممر ..
الدكتور "يفجينى" نائب مدير المستشفى رجل فى الخمسينيات من عمره .. أبيض الشعر تقريباً يدخن السيجار و ياله من نموذج سيىء للطبيب المدخن .. استقبلنا بترحاب شديد و كان ودوداً معنا لأقصى درجه و تعلل بمشاغله الكثيرة و أحالنا للدكتور "فاليريا" المسئولة التنفيذيه .. احترمت الرجل لأقصى درجة عندما رفض أن يصوره "أندريه" لتنزل صورته بالمجله كما كان يريد ذلك الحارس الفظ ..
دكتور "فاليريا" فى الأربعينيات من عمرها .. طويلة القامة لها بشرة قوقازيه داكنه نوعاً ما تختلف عن بشرتنا نحن الروس الأصليين و شعر أحمر واضح أنه مصبوغ .. كانت عصبيه نوعاً ما و هى تشرح لنا و تحدثنا فى نقاط متتالية كلاماً محفوظاً مثل :
- تم إكتشاف مرض الإيدز عام 1980 و تم تشخيص أعراضه كمرض لأول مره
عام 1983 و تم وصف و تصوير فيروس HIV المسبب له لأول مره عام 1984
- كلمة AIDS هى اختصار لخمس كلمات باللغة الإنجليزية هى : الأعراض المتزامنة
المكتسبة المدمرة للمناعة و هو وصف علمى لفيروس يقوم بتدمير خلايا جهاز المناعة فى
الجسم البشرى
- يقول الدكتور كيرنيتش مدير المستشفى أن فيروس HIV المسبب لمرض الأيدز تم إختلاقه
فى معامل بيولوجيه أمريكية أثناء الحرب البارده لإستخدامه فى الحرب البيولوجية ضد
الإتحاد السوفيتى و تمت تجربته فى الكونغو كينشاسا فى أفريقيا لأول مره لكنه إنتقل بفعل
الصدفة أو الخطأ إلى أوروبا و أميركا لكننى أعتقد أن الدكتور كيرنيتش شيوعى متعصب و
كلامه بعيد تماماً عن الناحية العلمية (و أنا أيضاً ...!!!)(4)
- مرض الأيدز هو أخطر أمراض العصر لأنه لا يوجد حل تم إكتشافه حتى الآن ليقضى على
ذلك الفيوس اللعين و الدواء الوحيد المعتمد من منظمة الصحة العالمية هو مجرد مقوى
للخلايا المناعية و ضغطت الشركة السويسرية المنتجه (5) له لإعتماده مقابل رشاوى و
عمولات ضخمه
- مرض الأيدز لا ينتقل باللمس أو المصافحة أو عبر الهواء
- مرض الأيدز ينتقل باختلاط سوائل الجسم عن طريق نقل الدم – العلاقات الجنسية – حقن
المخدرات
- ينتشر مرض الأيدز بشده فى روسيا و سائر جمهوريات الكومنولث بشكل مفزع منذ إنهيار
الإتحاد السوفيتى عام 1991
- السبب الرئيسى لإنتشار الإيدز فى روسيا هو المخدرات و بيوت البغاء
- يبلغ عدد المصابين بالإيدز فى جمهورية روسيا الإتحادية أكثر من 400 ألف مريض
معظمهم من النساء و مدمنى المخدرات
- السبب الرئيسى لإرتفاع عدد المصابين هو تخلف الحكومة الروسية ما بين عامى 1992 و
1995 عن تقديم أية مساعدات لميزانية الصحة أو العناية بالمرضى
- لا يوجد سوى أربعة مستشفيات مجانية فى روسيا تختص بالعناية بمرضى الإيدز
- لا يوجد فى موسكو سوى مستشفى المعزل الشرقى المخصص للعناية بمرضى الإيدز
- لا يوجد أى أطباء متخصصين فى العالم يمكن أن نقول عنهم (أخصائى علاج مرض الأيدز)
لأنه و بكل بساطه لا يوجد ما يستطيع أى طبيب تقديمه لمريض الأيدز سوى تخفيف آلامه
الجسدية قليلاً و الدعاء له بسرعه الموت و الخلاص
- مريض الأيدز يمكن أن يكون خاطىء و مجرم لكنه ضحيه للمجتمع
- مريض الإيدز يحتاج لتقبل المجتمع له ليعيش آخر أيام حياته فى هدوء
- تكلفه العلاج المؤقت لتقويه الخلايا المناعية و المسكنات لتخفيف بعض آلام المريض تتجاوز
العشرين دولاراً أمريكياً يومياً لذلك فإن مرض الإيدز يعتبر مشكله إقتصادية بجانب أنه مأساة
إنسانية
- مرض الأيدز لا ينتقل باللمس أو المصافحة أو عبر الهواء لذلك يمكنكم الإلتقاء بمرضى
الأيدز و مصافحتهم و الجلوس معهم و التصوير و كل شيىء
- يحتوى المستشفى على 1105 مريض : 590 امرأه و 471 رجلاً و 44 طفلاً و طفلة
موزعين على ثلاثة مبانى و ستمائة و سبعين غرفة
- نسبة الوفيات اليومية فى المستشفى من مريضين إلى ثلاثة
- أهالى المرضى من النادر جداً أن يسألوا عنهم أو يزوروهم لدرجه أنه لو توفى مريض
يرفض أهله إستلام جثمانه و يدفن بساحه الكاتدرائية فى جازينتمس(6) لو كان مسيحياً أو
بمقابر المركز الإسلامى لو كان مسلماً
- " لو أمكن دكتور ... يكفى ما قلتيه و لو يمكن ترتيب مقابله لنا مع بعض المرضى نكـــ...... "
قطعت عبارتى بأسلوبها الجاف و هى تصيح :
- " لونارد ... لونارد .... أيها الـ .... تعال و خذ السيد وو السيدة إلى دكتور باترنوف بالمبنى الثانى "
ثم رفعت سماعة تليفون كان يختفى تحت الجريده المفتوحه لتتصل بشخص ما تهمس له بما لم نفهمه ..
شكرناها على كل ما قدمت لنا و إلتقط "أندريه" لها بعض الصور ثم جاء رجل ضخم الجثة يرتدى نفس الزى الكئيب الأزرق توجهنا خلفه للخروج من هذا المبنى ثم سرنا فى الفناء الواسع إلى المبنى الآخر ..
لم يحدثنا الرجل بكلمة واحدة و لم يلتفت حتى خلفه ليتابعنا .. همس لى "أندريه" قائلاً:
- ألا يوجد أى مرضى هنا ؟؟ لم أشاهد مريضاً واحداً حتى الآن بالرغم من أن هذا هو ثانى
مبنى ندخله فى هذه المستشفى .. كل الغرف مغلقة و حتى العمال بالمستشفى عددهم قليل جداً بالمقارنة بما قالته تلك الطبيبة ..
لكزته بمعصمى محاوله إسكاته و نحن واقفين أمام شاب وسيم مبتسم واقف أمام غرفه مغلقه عرفنا بنفسه قائلاً :
- أليكس باترنوف .. طبيب بالمستشفى و مهمتى هى توصيلكم لعمل لقاء صحفى مع مرضى بالإيدز فى المستشفى ..
مد يده فصافحناه و هو يقول :
طبعاً تعرفون أن مرض الأيدز لا ينتقل باللمس أو المصافحة أو عبر الهواء بالإستنشاق أو التواجد بمكان واحد مع مريض بالأيدز ..
ثم ضحك بشده و هو يقول :
- إن فيروس الأنفلونزا FLU أسهل و أفتك بالإنتشار من فيروس HIV
إبتسمت رغم توترى فأردف فى لهجه مسرحية :
- سنبدأ بأهم مريض لدينا فى المستشفى و موجود بهذه الغرفة
فتح الباب و دخل هو أولاً و قبل أن ندخل شعرت بقشعريرة فى كل جسدى فبعد لحظات سأكون وجهاً لوجه مع مريض بالإيدز .. مع رجل ينتظر الموت
أمسكت جهاز الكاسيت بيد و حقيبتى باليد الأخرى و جهز "أندريه" كاميرته و دخلنا ..
كانت غرفه واسعه تحتوى على أربعه أسره و دولابين و مكتب و باب أعتقد أنه لدورة مياه .. لون الحوائط كالمعتاد: أزرق باهت و لون مفارش الأسره و الستائر كان أبيض و بفعل الزمن تحول لذلك اللون الرمادى الكئيب
كانت الغرفه فارغه.. و كان الدكتور "باترنوف" جالساً على أحد الأسرة
سألته : أين ذلك المريض دكتور أليكسى ؟؟
قام الرجل من على السرير قائلاً فى لهجه غريبه :
- أنا ..
تراجع "أندريه" للخلف لا إرادياً بينما لم أدرى أنا بالدنيا من حولى إلا و أنا مستنده على الباب من خلفى محاوله الفرار لأجد ذلك الرجل الضخم الذى قادنا لهنا يسد طريقى للباب و هو يبتسم إبتسامه شيطانية

يتبع بالجزء الثانى ..


هوامش هامه

النص الأصلى للكاتبه الروسية : هيلانا أندرييف
الترجمة من الروسية للإنجليزية : كارول اينليت
نشرت بمجلة Cairo Times عدد 28 أكتوبر 2005
ترجمتها للعربية بتصرف : د.مادلين حنا
نشرت بمجلة حورس عدد 1 ديسمبر 2005
أقدمها اليوم لقراء الموقع فى ذكرى اليوم العالمى لأيدز و للتشويق قسمتها لحلقتين

(1) مستشفى مجانى خاص لإستقبال و علاج مرضى الإيدز يقع فى ضاحيه بشرق
العاصمة الروسية موسكو
(2) منتظر الموت هى الترجمه الإنجليزيه الحرفية للكلمة الروسية التى إستخدمتها
كاتبه النص الأصلى و الظن أنها كلمه عاميه روسيه لوصف مريض الأيدز
(3) من الكتاب المقدس – رساله كورنثوس - الإصحاح الثانى عدد 14
(4) الملاحظه من كاتبه النص الأصلى على لسان الصحفية بطلة القصه
(5) شركة Roche السويسرية قدمت دواء يساهم برفع المناعه البشرية و يؤخر فعالية
عمل فيروس الإيدز للمصابين به (نظرياً) و هو الدواء المعترف به كعلاج من منظمه
الصحه العالمية إلى الآن رغم عدم فاعليته المؤكده طبياً
(6) كاتدرائية القديس توماس من أكبر الكنائس فى روسيا و تقع فى ميدان رئيسى
بالعاصمه موسكو تأسست عام 1739 و أغلقت لثلاثين عاماً فى العهد السوفيتى
أيام جوزيف ستالين