-4-
الهندسة
البيولوجية
تفتح آفاقاً علمية جديدة
شهدت
أشهر كلية
هندسة في العالم حدثا من شأنه أن ينقل العلم إلى أفق جديد كلياً.
فقد أسفر اقتراع بين الهيئة الإدارية عن إقرار مادة الهندسة
البيولوجية التي ربما لا تعني شيئا كبيرا في مؤسسات علمية أخرى،
ولكنها في معهد ماساتشوسيتس للتقنية تشكل انعطافا مهماً. وهي مادة
دراسية من شأنها أن تلقي الضوء على آلية الحياة من خلال تسخير مادة
الحياة ذاتها والتي تتمثل في الحمض النووي والخلايا والبروتينات
والأحماض الأمينية، لاستخلاص المعادن من الصخور وتحويل أشعة الشمس
إلى الهيدروجين وإنتاج عقاقير أكثر فعالية وحتى تصميم كائنات
مبرمجة.
لا ينبغي أن ننخدع
ونعتقد أن هذا الفرع يشكل انطلاقة مرحلة جديدة من علوم التقنية
الحيوية. فالمهندسون البيولوجيون سيقومون بفصل جزيئات الحياة ومن
ثم يعيدون ترتيبها بطريقة ما لأغراض خاصة بهم باستخدام تقنية
رياضية دقيقة لم تكن متوفرة من قبل، وقد يكون باستطاعتهم برمجة
الحمض النووي لكائن حي.
وبالمقارنة، يمكن
القول إن التكنولوجيا الحيوية التي تعتمد كثيرا على التجربة والخطأ
فضلا أن عدم إمكانية التحكم بنتائجها، هي في الأغلب الأحيان رمية
من غير رام.
وقد خضع هذا المنهج
الدراسي للبحث والمناقشة لمدة عقد من الزمن في معهد ماساتشوسيتس،
قبل أن تبدأ جذوره بالتأصل عند مجموعة من المهندسين الذين أدركوا
أن فيض المعلومات القادمة من مشروع الجينوم البشري في أنحاء مختلفة
من العالم، أثار أفكارا مثيرة للاهتمام. فالباحثة أنجيلا بيلتشر في
معهد ماساتشوسيتس، على سيبل المثال، تدرس إمكانية استخدام
الفيروسات لإنتاج أسلاك دقيقة تستخدم في الدارات الإلكترونية
الدقيقة.
ويقول دوجلاس
لاوفينبيرجر، رئيس قسم الهندسة البيولوجية: “يحتاج تصنيع دارات
إلكترونية صغيرة أو أجهزة تخزين مغناطيسي في الوقت الراهن، إلى
استخدام مواد كيميائية شديدة السمية، ودرجات حرارة عالية ومستوى
عال من الضغط، وهذا أمر يلحق أضرارا بالبيئة.
وعليه فقد تم تعديل
فيروسات بيلتشر وراثيا بحيث أصبحت قادرة على تفعيل البروتينات
والتفاعل مع المركبات العضوية والمعدنية الصحيحة ليتم تحويلها إلى
أسلاك وحلقات رقيقة، من دون الحاجة إلى المواد السامة والحرارة
العالية وبذلك تم حل الجدل البيئي.
ويقول درو إندي،
استاذ مساعد في الهندسة الحيوية: “ما أسعى إليه هو ببساطة تصميم
وتطوير أنظمة بيولوجية قادرة إلى القيام بتطبيقات محددة. والمواد
التي يمكن أن نتعامل معها ليست محصورة في الأنظمة الطبيعية”.
ويتمثل أحد الأشياء
التي يريد أن يطورها إندي، في عداد يستطيع معالجة المعلومات، الأمر
الذي يثير التساؤل التالي: ألا يوجد الآن ما يكفي من العدادات
الإلكترونية الرخيصة؟ في الواقع أن مهندسي البيولوجيا لا يخططون
إلى استبدال التقنيات المتوفرة حاليا بأخرى جديدة، بل يريدون أن
يطوروا استخدامات جديدة ربما لم يفكر فيها البشر من قبل.
ويضيف أندي: “ليست
الفكرة هي استخدام الهندسة البيولوجية لمعالجة المعلومات بهدف
استبدال أجهزة الكمبيوتر المحمولة، بل الهدف هو استخدام الحوسبة
البيولوجية في أماكن لم تستخدم فيها من قبل مثل الخلايا الكبدية”.
فتخيل وجود عداد
بيولوجي في خلية كبدية يعمل في كل مرة تنقسم فيها الخلية. وتخيل أن
هناك نظاما بيولوجيا آخر يراقب عمل العداد ومن ثم يتم قتل الخلية
عندما تنقسم 200 مرة. فمثل هذا النظام قد يشكل وسيلة فعالة لقهر
السرطان من دون تعريض المريض لأضرار العلاج الكيماوي أو الجراحة.
قد يكون هذا التصور
بعيد المنال الآن ولكنه على الأقل يعطينا فكرة عن إمكانيات العلوم
البيولوجية. ويقول إندي: “إنتاج عداد كهربائي أمر بسيط وتافه
بالنسبة لمهندس كهربائي أو ميكانيكي ولكنه بالنسبة لمهندس بيولوجي
حلم وتحد كبيران”.
وهذا الحلم ماض في
الطريق إلى أن يصبح حقيقة ماثلة ولكن خطواته بطيئة. لقد قام معهد
ماساتشوسيتس للتقنية بتأسيس فرع للهندسة البيولوجية في عام 1998
بعد أن أدرك العلماء الفرص والإمكانيات الكبيرة التي توفرها
البيولوجيا.
وأشار لاوفنبيرجر
إلى أنه منذ أن تم اكتشاف بنية الحمض النووي “دنا” في عام ،1953
يحاول العلماء معرفة ما ينبغي فعله لتطوير تقنيات تستثمر هذا
الاكتشاف. ويضيف: “التقنيات الخاصة بالتلاعب بالأنظمة البيولوجية
موجودة الآن ولكن فعاليتها غير كافية لأنها نتاج تجارب تقوم على
مبدأ التجربة والخطأ”.
بيد أن الهندسة
البيولوجية تختلف عن المجالات السائدة مثل التكنولوجيا الحيوية في
مسألتين، فهي أولاً تسخدم نماذج رياضية دقيقة للتنبؤ بالسلوك،
وثانيا إن تطبيقاتها ستتجاوز المجال الطبي والصحي.
وتقول ليندا جريفيث،
أستاذة الهندسة البيولوجية والميكانيكية: “لا يمكنني أن أساوي بين
الهندسة الوراثية والهندسة البيولوجية بأي شكل من الأشكال.
فالهندسة الوراثية تعبير بات يشير إلى تلاعب جيني في الخلية، ولكن
الهندسة البيولوجية بعيدة عن هذا الأمر كثيرا”.
وعلم الهندسة الصحيح
يبدأ مع نموذج رياضي دقيق لنظام ما، ومن ثم يتم تحديد آلية عمله في
ظروف مختلفة. وقد تم أخيراً بناء نظام آخر من مواد خام يتمتع بنفس
المواصفات، حتى يعمل كما هو متوقع.
ويوضح لاوفنبيرجر
قائلا: “عندما تصمم محرك سيارة، باستطاعتك ان تتنبأ بما سيحصل لو
قمت بتغيير النسبة بين الهواء والوقود أو درجة حرارة القدح. هذه
الإمكانية لم تكن متوفرة في الدراسات البيولوجية التي كانت تفتقر
إلى البيانات اللازمة لتطوير نماذج رياضية”.
لقد بدأ مشروع
الجينوم البشري بتغيير هذا الوضع، حيث ساهم الكم الضخم من
المعلومات التي وفرها المشروع في تمكين خبراء البيولوجيا في فهم
آلية عمل الأنظمة البيولوجية. ولكن بالنسبة لمهندسين مثل إندي، فهم
هذه الآلية لا تعني نهاية الأمر، فهم يريدون تعديل الآليات
البيولوجية واستخدامها في تطبيقات جديدة.
وعليه، فإن تحويل
البيولوجيا إلى تقنية يعني ببساطة أن مهندسي البيولوجيا بحاجة إلى
مكونات بيولوجية معيارية يمكن استخدامها في تطبيقاتهم كما هو الحال
في جميع فروع الهندسة.
وسوف يحتاج بعض
مهندسي البيولوجيا إلى فهم التفاعلات الذرية بين الحمض الأميني
وجزء من الحمض النووي “دنا”.
ويقول أندي: “ربما
نتمكن من التلاعب بالبيولوجيا بطريقة يمكن من خلالها إنتاج مكونات
مشتقة من بعضها الآخر وبالتالي يمكن تجميعها مرة أخرى بطريقة
تجعلها تسلك سلوكا محددا”.
وبينما تتوفر لدى
مهندسي الكهرباء الترانزيستورات والمقاومات، فإن لدى مهندسي
البيولوجيا أحجار بناء بيولوجية. وكان توم نايت، وهو مهندس كمبيوتر
في معهد ماساتشوسيتس للتقنية أول من فكر في عام 2001 بالأحجار
البيولوجية، وهي عبارة عن “بيتات” من المعلومات تصف جزءا من الحمض
النووي “دنا” وتمتلك شيفرة الوظيفة التي يقوم بها.
ويقول أندي: “تشكل
الأحجار البيولوجية أول مثال على المكونات البيولوجية المعيارية
التي يمكن استخدامها لبرمجة أنظمة قادرة على القيام بوظيفة أي نظام
بيولوجي”.
والأحجار البيولوجية
تأتي في ثلاثة أنواع، فهناك “قطع الغيار” التي تتضمن شيفرة الوظائف
البيولوجية الأساسية، وهناك “الأجهزة” المكونة من مجموعة من قطع
الغيار وتمتلك شيفرة بعض الوظائف البشرية (مثل البوابات المنطقية
في الدارات الإلكترونية) وأخيرا “الأنظمة” التي تنجز المهام (مثل
العد).
وتمكن نايت من إنتاج
أول ستة أحجار بيولوجية وساهم أندي في تطوير هذا العمل ودفعه إلى
الأمام. ومن خلال العمل مع فريق من الطلاب على مدى السنوات القليلة
الماضية، وصلت قاعدة بيانات أحجاره البيولوجية إلى 500 قطعة غيار
أساسية. وهو يتوقع أن يصل هذا الرقم إلى أكثر من 10 آلاف في القريب
العاجل.
وقد أشار طلاب اندي
خلال السنوات القليلة الماضية إلى خلايا يمكن أن تطلق سلسلة من
الومضات وكائنات تنمو في مستعمرت مبرمجة ومتعدد الألوان. بيد أن
الأحجار البيولوجية هي امتداد طبيعي لشيء بدأه اندي أيام كان يحضر
رسالة الدكتوراه. فقد ابتكر نموذجا حاسوبيا لفيروس أطلق عليه اسم
“تي 7” يستطيع أن يهاجم بكتيريا إي. كولي، وذلك من خلال محاكاة
آلية الفيروس في الانقضاض على فريسته. واستطاع نموذجه أن يتوقع
جميع التفاعلات العامة والمعروفة التي يقوم بها الفيروس ولكنه فشل
تماما عندما حاول أندي معرفة ما قد يحدث في السيناريوهات غير
المتوقعة، بعد أن تغاير الفيروس إحيائيا، على سيبل المثال، أو تم
تشغيل ووقف عمل الجينات في تسلسل خاطئ.
وعليه، أدرك اندي أن
الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك تتمثل في تجزئة الفيروس ودراسة تسلسل
الحمض النووي بشكل مفصل ومن ثم بناء نسخة جديدة. ورأى أنه إذا ما
استطاع أن يطور فيروسا جديدا فإنه سيكون عارفا تماما بآلية عمله
بالكامل.
ولا يقتصر طموح اندي
على ذلك فحسب، بل كان يسعى إلى إنتاج نسخة من الفيروس تعمل بطريقة
صحيحة وتكون في الوقت ذاته بسيطة بحيث يمكن تعديلها حسب الرغبة.
وجينوم الفيروس “تي7” معقد جدا حيث هناك العديد من الجينات التي
تعمل مع بعضها الآخر، وبالتالي فإن إجراء التجربة على واحدة منها
فقط قد يكون أمرا ممكنا. وعليه، قرر اندي أن يزيل جميع الأشياء
الذي يعتقد أن تكمن وراء تعقيدات فيروسه الاصطناعي دون أن يؤثر ذلك
على وظائفه.
ولم يكن هناك شيء
يضمن نجاح التجربة، ولكن رغم التعديلات العديد التي أجريت على
الفيروس، إلا انه تصرف بشكل طبيعي. وكان ذلك إنجاز كبير. فتحقيق
هذا الأمر كان في غاية الصعوبة قبل عدة سنوات، واكتمال مشروع
الجينوم البشري يؤكد صحة هذا الكلام. فكتابة تسلسل الأحماض
الأمينية عملية صعبة للغاية، وتشير الدراسات إلى أن التوصل إلى
تقنية خاصة بهذا الأمر قد يستغرق حوالي 10 سنوات. وهذا بدوره يعنى
أن عملية تصنيع شرائط الدنا مكلفة للغاية (حوالي دولارين لكل زوج
قاعدي من النيوكليدات الحروف الأبجدية الجينية) لا سيما وأن
الجينوم البشري يتكون من 3 مليارات زوج قاعدي في حين أن تحقيق ذلك
على مستوى الفيروسات بات إلى حد ما ممكنا (فيروس تي7 يمتلك 60 ألف
زوج قاعدي).
والواقع أنه لا يمكن
تجاهل أهمية تقنيات تركيب الحمض النووي لا سيما أنها تفتح أمام
الهندسة البيولوجية آفاقا واسعة. فمن خلال هذه التقنيات يستطيع
العلماء برمجة الحمض النووي. ويعول العلماء كثيرا على هذه التقنيات
رغم ما يواجه هذا الأمر من تحديات كبرى. فمهندسو البيولوجيا يسعون
إلى تصميم فيروسات تحتفظ بخصائصها المفيدة (مثل القدرة على دخول
الخلايا) واستئصال الضارة منها (القدرة على إحداث التهاب).
والمشروع الذي تفكر
فيها الباحثة جريفيث مثال واضح على ذلك. فنظرا إلى ندرة الأكباد
الموهوبة، بدأت الخبيرة في البحث عن طرقة لإنتاج هذه الأكباد في
المختبر. وعندما عرفت أن السبب الأول الذي يكمن وراء فشل الكبد في
العالم الغربي هو التهاب الكبد سي، رأت أن ما يسعى إليه مهندسو
البيولوجيا من خلال دراسة الفيروس بطريقة مفصلة لم يسبق لها مثيل،
يشكل أملا كبيرا لعلاج هذه المشكلة الصحية الخطيرة. فإيجاد طريقة
لتحييد الفيروس المسبب للمرض سيكون بمثابة قفزة علمية نوعية.
مما لا شك فيه بأن
تحديد صورة المستقبل في هذا المجال الغني بالاحتمالات صعب جدا. بيد
أن لاوفينبيرجر واثق من الخمسين سنة القادمة، سوف تشهد صناعة
الأدوية تحولا كبيرا حيث ستعتمد على الأسس والمبادئ الهندسية التي
ستلغي الحاجة إلى أسلوب التجربة والخطأ في إنتاج وتطوير الأدوية.
ومن جهته، يعقد معهد
ماساتشوسيتس للتقنية أملا كبيرا على طلاب المنهج الجديد الذي
سيتوفر خلال العام الأول في 20 مؤسسة تعليمية، ولكن من المتوقع أن
يزداد هذا العدد ليشمل الجامعات في مختلف أنحاء العالم .