
قصة قصيرة

د. محمد فؤاد
منصور*
جلسوا
جميعاً أمامى كالفئران فى حضرة
قط..ثرت ماشاءت لى الثورة ، أرغيت وأزبدت ووصفت غير المتعاونين بأبشع
الصفات ومع ذلك ظلوا مطأطئ الرؤوس ،ولم يحرك أحد منهم ساكناً .
حانت منى إلتفاتة إلى رئيس قسم المبيعات، لبق ناعم كأفعى رقطاء من الصعب أن
تمسك عليه غلطة ، يتشاغل فى تقليب الأوراق بين يديه ..أنحنى عليها فبدت
صلعته اللامعة فى مواجهتى تماماً.أيكون هو من فعلها؟ ..جائز مثله غير قادر
على المواجهة ويلدغ فى الخفاء ثم يتخفى وراء إبتسامة لامعنى لها.
درت فى المكان ببصرى..رئيس شئون الأفراد أعتمد بمرفقه على المنضدة وأسند
رأسه إلى كفّه وكأنما يتحدانى ويسخر من حيرتى..جرئ ومتهور لحد الصفاقة وليس
بمستبعد أن يكون هو.. سمعته أكثر من مرة يردد الألفاظ ذاتها لمرؤسييه فى
التليفون دون أن يحترم وجودى كان يعتذر بعدها بأن الموظفين لايؤدون ماعليهم
إلا إذا عاملهم بهذا الشكل ..أعرف مفرداته حين ينعتهم بأنهم أغبياء كالحمير
وكسالى كالبهائم ..هى ذاتها المفردات التى وصلتنى منذ يومين فى ظرف مغلق
وجدته بين أوراقى وعلى مكتبى وتبرأ منه السكرتير والساعى وكأنهما يعلمان
مابداخله وتحجج كل منهما بأنه لم يكن موجوداً لحظة وصوله ولفتا نظرى برفق
بأننى من يسمح بدخول رؤساء الأقسام إلى مكتبى مباشرة ودون إستئذان ، ومن
يدرى لعل أحدهم قد أنتهز الفرصة وألقى بالخطاب على المكتب..حاول السكرتير
متخابثاً أن يعرف محتوى الخطاب الذى أزعجنى لحد الثورة وخصم جزء من راتبه
لكننى رفضت وطلبت الأجتماع برؤساء الأقسام على عجل.
تدخل رئيس السجلات وكأنما يهدئ الموقف:
- حضرتك غاضب منا جداً ياأفندم دون مبرر لو تفضلت بذكر الأسباب.
هو أيضاً موضع شك ،يصطنع الشجاعة كى يرتفع قدره وسط زملائه شعرت وكأننى
محاط بعصابة تجيد توزيع الأدوار على أفرادها، صرخت فى وجهه لأمنعه من تمثيل
دوره المتقن حتى النهاية..
- تقول حضرتك دون مبرر .. الشركة على وشك الإفلاس وأنتم نائمون..
هل أصرّح بسبب الأجتماع الحقيقى؟ هل ألمّح لتسلمى خطاباً به من الشتائم
والإهانات مايقشعر له البدن ..أندفعت دون تريث قائلاً:
- الخطاب الذى وصلنى أخيراً..
توقفت لأعيد ترتيب كلماتى .. هيا أنطلق لماذا تجبن عن طرح مايضايقك دفعة
واحدة؟ ذكرت الخطاب فأكمل .. لكنّ لسانى لم يطاوعنى ، جاهدت حتى أسكت الصوت
الصارخ بداخلى. وأكملت متعمداً الهدوء الذى يغطى الغليان.
- الخطاب يؤكد إنخفاض المبيعات إلى حدها الأدنى.. واضح أنكم نائمون
ولاتبذلون مايكفى من مجهود.
لمحت شبح إبتسامة على وجه رئيس قسم التوزيع.. هل أدرك أننى غيّرت الموضوع
فى آخر لحظة وأن ثورتى ليس سببها إنخفاض المبيعات وإنما ذلك الخطاب الذى
أمتلأ بسبى والتطاول على مقامى ونعتنى بأبشع الصفات.
واحد من هؤلاء لابد قد فعلها وإلا من هو صاحب المصلحة؟ من الذى يعرف أسرار
العمل غير هؤلاء الجالسين فى خشوع ويتظاهرون بالأدب الرفيع.. الآن لابد من
المواجهة..أن ألقى إتهاماتى فى وجوههم ..أن أدفع عن نفسى التهم وأجرهم إلى
المحاكم..لكن.. ألا يجعلهم هذا ينكرون فعلتهم ويقسمون أمامى بأغلظ الأيمان
ثم يلوكون سيرتى بعد الإجتماع حتى يصبح مضمون الخطاب على كل لسان وغداً
سيتحدث صغار الموظفين والسعاة بأن مديرنا حمار كبير، لايفهم فى الشغل ولاهم
له سوى سرقة أموال الشركة وتعقب النساء الجميلات..سيذكرون مافى الخطاب كأنه
حقائق ثابتة لاتقبل الجدل وستصبح فضيحتى فى الشركة بجلاجل..
قطع صوت رئيس قسم التوزيع تسلسل أفكارى وقال فى أدب جم.
- التوزيع بخير وسيادتك تعلم أن السوق تعج بمنتجاتنا ولامنافس حقيقى لما
ننتجه فعن أى خطاب تتحدث؟
هاقد أرادنى أن اعود لذكر الخطاب الذى وصلنى ..كشف اللعين نفسه وأنه من قام
بكتابة الخطاب الذى وصفنى بالحمار الكبير الذى لايصلح لإدارة دكان صغير فى
حارة لاشركة كبرى ذات أصول وفروع..هل أواجهه؟..أرمى الخطاب فى وجهه ليعرف
أننى كشفته ...لا.. وألف لا لن أدعه يستفزنى ويشهّر بى أكثر .
عدت أدير البصر فيمن حولى متردداً بين الشك واليقين..أدفع نصف عمرى لأعرف
منْ من هؤلاء الأوغاد قد تجرأ وكتب ذلك الخطاب.. قلت وأنا أصطنع الهدوء..
- ياحسنين أرقام التوزيع ثابتة منذ شهور ونحن متخلفون عن الخطة التى
وضعناها فى مجلس الإدارة.
ثم وأنا أنظر فى عينيه مباشرة..
- إن الذى يرضى بأن تتوقف مبيعاته دون زيادة إما أن يكون لصاً أو حماراً
لايعرف آليات السوق.
تعمدت أن أستخدم المفردات ذاتها التى وردت فى الخطاب على حين أنطلق هو يقول
وهو يدارى عينيه منى.
- العفو ياأفندم..العفو سيادتك بذلت مجهودات ضخمة طوال العام لكن السوق كما
تعلم فى حالة ركود.
لم يتأثر أحد منهم وبدا أنهم لايعلمون شيئاً عن مضمون الخطاب ..أنحسر الشك
عندى حتى لم يبق متهماً سوى حسنين ولكن أين الدليل؟ المواجهة تزيد فى
خسارتى أما التحدث المباشر فى الموضوع فسيقودنى إلى أن أصبح حديث
المجالس..لامفر إذاً من تجاهل أمر الخطاب وكأنه لم يكن ..خبطت على المائدة
وأنا أعلن نهاية الإجتماع.
- أريد مجهوداً أكثر!!
********************
دكتور/ محمد فؤاد منصور
الأسكندرية
m_mansour47@hotmail.com
********************
أخي المبدع الدكتور محمد فؤاد
نص رائع و تصوير مدهش ، و كأني بك عايشت هذه الجلسة
لمجلس إدارة الشركة ، بين رؤساء أقسام متوجسين ، و مدير غاضب ثائر ، تمكن -
رغم غضبه - من إخفاء أمر الرسالة
لمعرفته أنها ستصبح وسيلة متداولة للسخرية منه
خطاب بقدر ما فيه من سلاطة لسان فيه بعض الحكمة ، و هذا التناقض هو الذي
رسم على شفتي ابتسامة واسعة .
***
نص مشوق حتى الحرف الأخير ، و لا عجب فهو من يراع
الدكتور محمد فؤاد منصور .
نزار