الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

صفحة خاصة  

.

الحمام لا يطير

قصة

 

عزام أبو الحمام*


       هاهو  يرى "العمارة" مقر الإدارة العسكرية
الإسرائيلية شرق تلك الجبال ، لكنها الآن تبدو كقزم بعد أن صارت خلف هذه الجبال العالية ،،، كنا نراها كالعملاق أو كالطود العظيم حينما كنا نمر بمحاذاتها أثناء ذهابنا للجامعة وإيابنا منها ،،، حتى مدينة رام الله بأكملها تبدو لي الآن كطاولة لعبة النرد، البيوت والعمارات الكبيرة أراها كحجارة النرد،، ، أول مرة أرى رام الله بهذه العين،،، كانت المدينة تبتلعنا في أحشائها فنشعر أننا النمل الذي لا يعرف أن خلف كل كبير ثمة ما هو أكبر منه ،،، كدتُ أضحك من مشهد المدينة المتقلص،،، ثم "العمارة" الضخمة التي تربض فوق المعتقل في طوابقها السفلى ، ومكاتب الجيش وجهاز "الشين بيت" الذي لا يهدأ وهو يطارد كل نسمة قادمة من غصن مزهر.
تخيلت زملائي وأصدقائي ، وهم يجوبون شوارع المدينة يبحثون عن مطاعم الحمص والفول والفلافل والمكتبات الرخيصة ، كأنني أراهم الآن كمجموعات النمل ، أو كالجداء السائبة ، حقائب كتبهم تتأرجح على أكتافهم كأضرعة الماعز....يسيرون في مسارب لا يجوز الخروج عنها ،،، رجال "الشين بيت" والجيش الإسرائيلي يحرسونَ تلك المسارب طوال أربع وعشرين ساعة،، ، والنمل يدبُ فيها وكأنه لا يرى أولئك الحراس الغاضبين...المتوجسين خيفة من كل جَديٌ ينط من فوق الرصيف.
هو الآن ينظف سلاحهُ بتلك الخرقة البالية التي لا تزال تحتفظ بنكهة الزيت الأحمر،،، زيت السلاح يذكر بالطعام المقلي...بدأ أنفه يتنسم نكهة الدجاج المقلي....إنه يشتاق لقطعة دجاج ساخنة من يد والدته...يشعر بطفل يبزغ في نَفْسهِ ويرغُبُ بالاحتجاج والمطالبة بقطعة دجاج أخرى ،،، سيأكل الدجاجة كاملة لو يتاح له ذلك.
هذا السلاح ليس هو كل قوتي...بل سأظل أذكر أن إرادتي على البقاء هي سلاحي الحقيقي...لن أسمح لهم بالنيل من إرادتي وزجي في ذلك المعتقل القمئ تحت العمارة العملاقة....أين سلاحي هذا من سلاحهم...هذا السلاح "الكارلو" أحُبُ أن أسميه "ورسعيدي" مثلما كان يسميها الحاج كامل،،،كأنها صناعة مصرية صُنعت في أسوان أو في السويس ، أنا أتفائل بها على كل حال لأنها من بورسعيد التي صمدت ضد العدوان وانتصرت عليه سنة الستة والخمسين،،،كأنها من مخلفات حرب السويس،،،أيه..أيه...ما يدريني ،،، المهم أنها تطلقُ النار في الوقت المناسب ،،، هي جيدة ولا بأس بها،، ، لو بقي لدي الكلاشنكوف لكنتُ أحسنَ حالاً،،، سامحهم الله ،،، فقد إضطر الأخوة الإعتراف وتسليم السلاح في الأسبوع الأول من التحقيق والتعذيب...لِأكُنْ صريحاً مع نفسي...أنا أحتاج إلى دجاجة مشوية...أحتاج إلى طبق "المقلوبة الكبير" وهو ينفثُ البخار في أرجاء الحجرة ،،، رائحة الزهرة أو الباذنجان تشدني إلى الوراء...إلى حياة لا مطاردة فيها ولا خوف ولا أفاعي ولا عقارب...كم هي جميلة ولذيذة تلك الحياة الآمنة التي افتقدتها منذ شهر....كم أشتاق لحقيبتي التي كانت تتأرجح فوق كتفي الأيسر كدرةِ ماعزٍ شامية مثلما قال الراعي الذي مررنا به قرب حرم الجامعة الجديد.
كان الوقت يمرُ ثقيلاً...لم يكن كذلك عندما كنتُ مع طلاب الجامعة نتنقل من غرفة صف إلى آخر، أو عندما كنا نتجاذب أطراف الحديث مع زميلاتنا الطالبات المنثورات كزهر نيسان الملون في أركان الجامعة... ما قيمة الوقت بالنسبة لرجل تَحطمتْ سفينته ليجد نفسه وسط محيط هادر بصمتهِ المطبق ؟! ليس ثمة أهمية فيه لصباح أو مساء أو ساعات أو دقائق...ليس ثمة محاضرات بعد، ولا مواعيد مع الفتيات أو مع الأصدقاء أو مع مهرجانات الطلبة المتنوعة الأغراض.
عندما بدأت تَخِفُ حدة إنهمار المطر ، عاودتهُ شهوته التي تملَكتهُ منذ الأمس بتناول طعام يحتوي على القليل من اللحم ، بدأ يشعر بالحرج في قرارة نفسه من هذه الرغبة التي اعتبرها أكثر من مرة بأنها غريزة طفولية ، ومع ذلك فقد كان لها من القوة والحافز ما يصعب قهره والتغلب عليه ، لكنه ازمعَ في قرارة نفسه التوجه الى بيتِ صديقهِ الحاج كامل لتناول المقلوبة بالدجاج أو المسخن بالزيت البلدي الشهي . كان الحاج كامل صديقا وفياً لجَديَ رحمه الله ، وهو من قدامى المناضلين ، سجين سابق ولكنه لا يمارس غير دور الحضن الدافئ للمناضلين،،، وهو خير من يُستشارُ في مسائل الكَرَ والفرَ،،، وهو ايضا خير من يلجأ إليه لطلب العون في شتى المجالات ومنها الشكوى من قساوة بعض اسـاتذة الجامعة أو الآباء.
كان المطر قد توقف مرة واحدة أيضاً ، رحمك الله يا جَدي كنتَ تقول "شباط الخباط ، مهما شبط ومهما خبط ريحة الصيف بتظل فيه" ،، ، عندما بدتْ الأجواء هادئة ، أحكم لفّ كوفيته حول رأسه ، وصار صوت يتردد في دخيلته: البروتين مادة لا بد منها للجسم ، وخصوصاً في مثل أحوالنا،، ، كان جَديَ لا يحب لحم الدجاج لكنه يحبُ لحم الضأن مثلما يحبُ العنب والتين...
كانت بشائر الربيع قد بدأت تكسو الأرض ، وعبقت الأجواء بروائح الزعتر والميرمية والحشيش اليانع ، سارت قدماهُ نحو الوادي قاصداً الالتفاف حول ذلك الجبل الشامخ لدخول القرية من طرفها الغربي ، بدت الأرض حواليه بتولاً تتوهج شبقاً وجموحاً... لا أثر فيها للإنسان أو آلتهِ أو مخلفاته ، قطرات المطر على نباتاتها وأعشابها وزرعها يضفي على هذه البتول سحراً وجاذبية خرافية ، فتزداد قناعته بأن الجنون أو العذاب في سبيلها ومن أجلها ليس بالامر العظيم....أو كأنهُ يُطمئِن نفسهُ....
دافئةٌ هذه الأحضان رغم هذا المطر وهذه الرياح ، رحيم هذا الصدر رغم هذا الإغتراب المُر...
سار بضع خطوات مبتعداً عن مخبأه ، وفجأة ، تشتد وتيرة سقوط الأمطار ، وتفتح السماء صنابيرها فينصبُ المطر خيوطاً فضية ما بين بساط الأرض الأخضر وقبة السماء البرونزية ، ويقرر حالاً العودة الى مغارته قبل الإبتعاد عنها ، وراح يهرول عائداً بينما كانت الأمطار تبلل كوفيته وملابسه ، أحس بجسده سمكة صغيرة في بحر المياه الغامرة...
عندما دخل المغارة فوجئ بسربٍ من الحمام وبعض العصافير كانت قد إلتجأت الى شقوق وجدران المغارة بعد أن أصابها البلل ، وبسرعة خاطفة إنقض عليها إنقضاض الصقر ، وبدون عناء قبضَ على أربعٍٍ منها واحدة بعد الأخرى ، بدأ يتحسسها بكف يده ، فَتَنْكمِشُ بين يديه وتستسلم وبكفيهِ يحسُ تَسارُعِ نبضها...
أربع حماماتٍ كافية لوجبة غداءٍ فخمة ، وهو لن يضطر للمخاطرة من أجل وجبة الغداء لهذا اليوم ، ها هي الحمامات تتقدم مشكورة لإطفاء رغبته الطفولية... ها هو يعمد الى عقد أجنحة الحمامات بشكل متعارض كما يفعل بائعوا الدجاج ، حيث لا يستطيع الطائر الطيران ، وراح يشحذ خنجره الذي يلازم خاصرته ثم يبدأ بتجميع بعضاً من الحطب الذي يحتفظ به في المغارة بهدف التدفئة وتحضير الشاي أحياناً... ورويداً رويداً أحسّ بأوصاله رخوة ضعيفة ، شعور غامض يتحرك في أعماقه ، لكنه لا يبصره بوضوح ، كأنه الحلم القديم لا يقوى على إعادة تركيبه واستيضاحه...
- لو أنني ذهبتُ الى بيت الحاج كامل لتناولتُ طعاماً ساخناً... لو أن الحمامات تأخرت قليلاً لما آلت الى هذا المصير ، لو أن الحمامات قاومت قليلاً... لكن ما ذنبها المسكينة.؟؟!.. لو أن سرية من الجنود قد داهمت المغارة أو أحد مخابئه لكان الآن في مثل حال هذه الحمامات ...
- لمعتْ هذه الخواطر في ذهنه لمع البرق ، أو كصناديق من الأسئلة الصعبة تنهال فوق رأسه من علٍ ، لكنه يحاول تجاهلها ، مُتعللاً بحاجته الماسة و الملحة لتناول طعام ساخن ، وجبة دسمة.
ومع ذلك ، فإن الشعور الآخر لا زال يلازمه ، أعاد خنجره الى غمده ، وراح يتفرس وجوه الحمامات ، كانت عيون الحمامات تتحرك ببطءٍ ، بسذاجة لا تقل عن سذاجة الدجاج الأبيض ،،،، غريب هذا الإستسلام للقدر الذي يَقْطرُ من عيونها...
- لماذا لا تقاومنَ هذا السكين وهذا المصير؟!.
أراد أن يصرخ بذلك من أعماق ذاته... لكنه يضبط لسانه وإنفعالاته التزاماً بقواعد الامان والإنضباط الذي يلتزم به.
وأخيراً ، كان القرار واضحاً ، حاسماً:
- الغداء هذا اليوم عند الحاج كامل،،،على الأقل سيحكي لي قصة عن مغامرات جدي في برية بيت لحم أثناء رعي الأغنام .
أعاد أجنحة الحمامات الى وضعها الطبيعي.
خَصمكُنَ أيتها الحمامات هذا اليوم لديه قدر كافٍ من الرحمة... حذار في المرات القادمة ، وراح يدفعها من أجل الطيران...
عقدت لسانه الدهشة ، الحمامات لا ترغب بالطيران ، أو أنها لا تقوى عليه... وبدتْ في غاية الطمأنينة والهدوء وكأنها فضلت الموت على الخروج إلى هذا المطر المنهمر! أو لعلها تحسب حسابا أكبر للجيش الإسرائيلي ورجال "الشين بيت" الذين يطاردون النمل ، لا بأس لن أكون مثلهم على كل حال ،،، أو كأنها إستمرأت الذبح ونتف الريش فأضحى ذلك مصيرها المحتوم... ؟ !
- ما العمل إزاء ذلك ؟! هل أخطأت في عدم ذبحها ؟ ! وهل سأصمد إزاء هذا الإغراء ؟! الحمامات الغبية الساذجة تتحداني ...
الوقت يمر بسرعة... والحمامات بدأت تنبش أرض المغارة بحثاً عن طعامها ...
أنطلقَ كالسهم تحت المطر الغزير قاصداً منزل الحاج كامل ، وقد غمرهُ شعور طافح بأن أجنحة تحملني وتطير بي ، محلقاً فوق هذه الأرض العارية التي راحت تغتسل بدموع السماء .

===============

*عزام أبو الحمام - فلسطين

azzam-mhd@hotmail.com

===============

تعقيب

أخي المبدع عزام

قرأت لك قبلا و أعجبت بما قرأت ، و لكن هذه أدهشتني و شدتني ..

نفس روائي ، و تصوير متقن ، و تعريج فني إلى القضايا الوطنية و الصراع مع العدو ، و رمزية شفافة و خاصة موقف بطل القصة من الحمام ...

رائع ما كتبت ، أهنئك من صميم الفؤاد

نزار