صفحة الغلاف

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 

إنانا

www.inanasite.com

الحمار

قصة

عبد الرزاق جبران

إنانا

       كانت السماء غريبة في هذا اليوم..جانب منها أسود داكن والجانب الآخر أزرق صاف..الشمس بينهما حائرة ..نصفها متشح بالسواد ونصف مبتسم لامع..في هذا اليوم الغريب كانت تمطر في الجانب المعتم بغزارة وكان يكفينا أن نقف في الجانب المشرق كي لا نبتل..كنا نفسر امتساخ الطبيعة بقولنا: زوج الذئب ابنته وطلق امرأته في نفس الآن...
في هذا اليوم الممتسخ شد "نون" العربة إلى حماره..مرر يده في حنو على ظهر الحمار وكأنه يعتذر على بداية يوم جديد من العذاب..حرك الحمار رأسه ورشق صاحبه بنظرة عاتبة..أخذ "نون" مكانه على العربة ثم همز الحمار بمهمازه متراجعا عن اعتذاره السابق..تحرك الحمار في انضباط تام راسما إيقاعا حزينا يتسيده صمت مصيري..
"
نون" يسافر في شروده المعتم..لو امتلكت عشرة حمير، لأصبحت من الأسياد..عشرة حمير بعشر عربات ..وأنا السيد الآمر والناهي..وكل حمار دب إليه الوهن دفعته إلى الجزار ليصنع منه نقانق لذيذة ...الحمار يتقدم في دأب..لعنة صبت فوق رؤوسنا منذ تعرفنا على هذا الحيوان الذي يمشي على اثنين ويستعمل رأسه بشكل غريب في أشياء غريبة..لا أعرف كيف ارتضى جدي.. -الحمار الأول الذي منه بدأت سلالتنا- ..هذه العلاقة الشاذة مع هذا الحيوان..يحكي أبي عن أبيه الذي كان يضرب به المثل في علم الأنساب الحميرية عن جده، أن جدنا الأول التقى في سفره حيوانا منهكا..أضر به الجوع والعطش..رق لحاله فأطعمه وسقاه ثم حمله على ظهره إلى وجهته..فلما وصلا رفض ذلك الحيوان النزول ..ومنذ ذلك التاريخ بدأ تاريخنا الأسود..همز نون حماره من جديد..مداخيلي ستكثر وسأبني قصرا وأتزوج أربع نساء.. وكلما اشتاقت نفسي لامرأة جديدة طلقت واحدة من نسائي..طبعا بالدور لأني إنسان عادل لا أحب الظلم..فكر الحمار في معنى الحرية والاستعباد..وتوصل إلى نتيجة قاسية ..لو أن أجدادي رفضوا الذل والاستكانة..وصارعوا هذا الحيوان لعاشوا أحرارا، لكنهم استطابوا حياتهم الجديدة..وارتضوا امتطاء هذا الحيوان وسلالته ظهورنا..هذا الوضع لا يمكن أن يستمر..لابد من توحيد السلالة الحميرية في لغة واحدة تمثل الرفض..لابد من نشر الحداثة الحميرية وبناء وعي حميري ديمقراطي يحكم فيه الحمير أنفسهم بأنفسهم..لابد من الخلاص والانقلاب على هذا الحيوان البئيس الذي يمتص دماءنا بشراهة.. مسح "نون" وجهه بكلتا يديه..نظر إلى السماء وابتسم..سأدخل القبة وسأقول للسادة الوزراء لا تخافوا شعبنا الطيب، فالقليل يرضيه وأنا أكفيكم ابتهالاته..فرغم الفقر والمرض فالشعب المسكين يدعو لكم بزيادة النعمة ..وهو لا يحسدكم ويتمنى أن ترضوا عن صبره..وإن رأيتم أن صبره غير كاف فهو مستعد أن يضحي من أجلكم بما تبقى من تاريخه المأزوم والمهزوم.. هز الحمار رأسه وهو يلوك اللجام..إحدى عينيه دامعة والأخرى فيها سهو غريب..كيف قبلنا أن يركبنا ويتحرش بإناثنا،ونحن أقوى منه ؟ أي غباء هذا وأية غيبوبة؟ بالأمس تسللت خفية إلى أغواره المظلمة وأعدت ترتيب أحلامه وفق رغباتي الحميرية..تركت له أكثر من رسالة وعدت إلى مكاني مزهوا في انتظار ما سيحبل به الصبح من مفاجآت..في واحدة من رسائلي العجيبة قلت له:إننا معشر الحمير وإن كنا نمشي على أربع نملك من العقل ما يجعلنا قادرين على تسيير العالم ،وأكدت عليه ألا يندهش، فنحن من سلالة مقدسة ارتبط قدرنا بالأنبياء والملوك، فكيف نقبل أن ينحدر بنا الحال إلى أسفل سافلين..
وفي رسالة أخرى أخبرته أني أحبه كثيرا بحكم الرفقة،لكني أرفض أن أظل عبدا لنزواته..لكني الآن أخاف غضبته فقد هددته في واحدة من الرسائل التي تركتها قريبا من منطقة أحلامه..
عدل "نون" وضع جسمه المنخور، رمى بابتسامة بلهاء في وجه السماء الداكنة، وسحب أخرى من جيبه زين بها وجهه المعقوف..أنا "نون"بن "نون" المنحدر في نسبه من سلالة الشرف والجاه ،حكمنا البلاد والعباد من زمن العمالقة الأشداء..أنا "نون" أملك ما لا يملكه الآخرون..ولا حاجة بي للحكمة والعلم فهما زاد الفقراء وأنا اخترت مكاني بين الوزراء والولاة والأغنياء...توقف الحمار عنذ علامة "قف" فنخسه "نون" بمهمازه المدبب..لم يملك معه إلا أن يواصل السير ..أحمق هذا الحيوان لا يحترم القوانين ..دوت صفارة الشرطي فانتبه "نون" ونزل باللوم على حماره المغلوب على أمره..دس يده في جيبه ثم مدها نحو الشرطي، تبسم هذا الأخير وعاتبه برفق ثم أمره بالانصراف..لم يمتلك الحمار نفسه..فثار وقفز بقوة،انقلبت منها العربة وركل صاحبه،ثم اتجه نحو الشرطي وعالجه بركلة قوية،وفر هاربا لا يلوي على شيء... 

تعقيب

أخي القاص الرائع عبد الرزاق جبران
صدقني أن ( حمار 1 ) أعجبتني أكثر من حمار2 )
النص في قمة الإبداع معنى و مبنى ، هذا التبادل بين تداعيات الحمار و تداعيات صاحبه ، جاء سلسلا و مشوقا و محتويا على الكثير من الأفكار الفلسفية ، فهذا يشكو مظالم سلالته و ذاك يشكو الفقر فيعوض عنه بأحلامه في الثراء ، و لا يخلو من غمزات سياسية و اجتماعية كرشو ذلك الشرطي
و تنتهي القصة بتمرد الحمار و ثورته العارمة
قصص الحمير كثيرة كثرة عددهم و كلها قصص ساخرة ، تهزأ من صبره غير المحدود و خضوعه للإستعباد ، رغم قوته الجسدية
و على العموم القصة مشوقة و تمكنت من إيصال رسالتها لقارئها
دمت و دام تألقك
نزار