صفحة الغلاف

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

الجمعية الدولية للمترجمين و اللغويين العرب

arabswata.org

الـجــدار الأحــمر

قصة قصيرة

 

فيصل الزوايدي


        ارتقى الديكُ صخرةً صغيرةً و أطلقَ صيحةً قصيرةً كـأنـه يؤدِّي واجبا ثقيلا ثـمّ همس لنـفسه قــائـلا : مــنذ أن نَقُصَت دجاجاتُ القريةِ أصبح العملُ مُـمِلا .. يـخرجُ شـيخٌ ببطءٍ من داره و يتخذُ سبيلا يـعرفُها جيدًا نـحو الجامعِ و الظلمةُ لا تزال تُلَملمُ بقايـاها بتثاقلٍ عائدةً إلـى خدرِها .. يقترب الشيخ من ساحةٍ حذوَ البُرجِ القَديـمِ ، برجٍ ترابـيِّ اللونِ قديـمٍ جـدًّا و لا يعرف أحدٌ تاريخَ بنائه و قد نال منه الإهمال منذ سنوات فتصدعت جـوانبه و تساقطت بعض حجارته و نبتـت عليه أعشابٌ ..و يلحـظُ شيخُنا وقوف جَارٍ له فـي الـمكان مبهوتًا فارتفعَ بِبَصَرِهِ إلـى حيث ينظرُ فـهَالَه ما رأى: كان جدارُ البُرجِ الـمواجِه للساحةِ أحـمرَ اللونِ .. نعم أحــمر اللون ..
في دقائـقَ قليلةٍ تـجمّعَ أهلُ القريةِ عند البُرجِ و الـجدارُ أمامهم شامخٌ بـحُمرتِهِ الـجديدةِ .. انفتح فمُ الشيخِ عن أسنانٍ صفراءَ قليلةٍ تباعَدت عندَ قولِهِ بغَيظٍ : "من الـخبيث الذي فعلَ هذا ؟ كيف استطاع أن يلطِّــخَ البرجَ و يعتـدي على تراثِ أجدادنا ؟. قال مديرُ الـمدرسةِ بعَصبيةٍ واضحةٍ : "لا يفعلُ هذا إلا الصِّبيانُ ، هـؤلاء الشياطين إنّـي أعرفهم .. لقد انتظروا انصرافَنا من صلاة العشاء البارحةَ و قاموا بـهذه الفعلةِ ".. أمَّن على قولِهِ بـعضُ الرِّجالِ لكنَّ إمامَ الـجامعِ هـزَّ رأسه يـمينًا و شـمالًا رافضًـا ذلك الرأي :" و كيفَ بلـغوا أقصى الـجِـدارِ وهو عالٍ جدًّا كما ترى ؟ و أيـن آثارُ الطِّلاءِ و رائِحـته ؟". ثـم التفت إلـى الـجمع رافعا يديه قائلا :" إنَّ هذه آية على قُدرةِ الله عزَّ و جلّ ، أرسلها إلينا ليُنَــبِّهَنا إلى وُجوبِ طاعتِه بعـد ما ظَهرَ من تَـجاهُرٍ بـمعصيته "..ارتفعت بينَ الـحاضـرينَ أصواتُ استغــفارٍ و استرحامٍ .. فـي آخرِ الـجمعِ وقفت فتاتانِ تستمعانِ إلـى ما يُقال حولـهما،و قالت إحـداهُما عابِثةً و كانت طويلةً أكثرَ من اللازم :" لِـمَ لا يكونُ اللونُ الأحـمرُ صرعةَ الـجدرانِ هذا الـموسم ؟ " أجابتـها صديقـتُها بـحركةٍ مِن رأسِـها فـقد كانت منـشغلةً بـحِوارِ عُيونٍ صامتٍ مع شـابٍ وسيمٍ على مقربة منها .. و غـير بعـيدٍ عنهـما و قَفَت بعضُ النساءِ يُثَرثِرنَ حولَ الـحدثِ و ارتفـع عـن إحداهـن قولـها :" لا يفعلُ هـذا إلا " سيدي سالـم "، لا شـكَّ أنَّـه غاضــبٌ بعد اكتشافِ جُـثَّةِ الرضيع قُربَ ضَريـحِهِ .."
انتبهَ الـجمعُ إلى صوتِ مـحرِّكِ دراجةٍ نـاريَّةٍ فقد كـان العمدةُ منصرفًـا بعد أن أخبَر من حوله بأن عليه إعلام السُّلطِ بالأمرِ خشيةَ أن يكونَ ما وقعَ جزءًا من مُــخطَّطٍ إرهابـيٍّ للاعتداءِ على أمـنِ الوطنِ و سَلامَتِـهِ ، و انطـلقت دراجَتُه بصوتِـها الـمُزعِجِ تاركةً سـحابةَ دخانٍ أسودَ سرعان ما تبدَّدَت ..
مع اشتدادِ حَرارةِ الشَّمسِ تــناقَصَ عددُ الواقفينَ أمام الـجدارِ فقد غــادَرت الفتاتان و كانت إحداهُـما تنظرُ إلى الـجدارِ نظرةَ امتنانٍ في حينِ كان فَـتًى وسيمٌ يسجِّلُ رقمَ هاتفٍ .. انصرفَت كذلك النسوةُ و ذهبت إحداهُنَّ إلى دكانٍ مـجاورٍ لتشتري شـمعتينِ تقدمُهُما إلى مـقامِ" سيدي سالـم" و خبزةٍ تُـفرِّقُها بين صغار الـحي .. و بقي شبّان يتحدَّثون بـجدِّيةٍ بالغةٍ و عبَّر أحدهم عن خطورة هذا التَّحوُّلِ و رَبَطه بثقبِ الأوزونِ و الاحتباسِ الـحراري ، أما الآخر فقال إنَّه لا بُدَّ مــن دراسةٍ أركيولوجيةٍ للبرجِ لإدراكِ سرِّ هذا التحولِ أمَّا الثالثُ فحاولَ بـحماس إقناعـهما بأن تَغيُّرَ لونِ الـجدارِ إنـما هو مؤامرةٌ صهيونيةٌ لتشويهِ الـهويةِ و طَمسِ معالـمِها..
عند الـظهيرةِ فرغ الـمكانُ من النـاسِ إلا صبِيَّيْنِ كان أحدهـما يشدُّ قطعَ خيوطٍ قصيرةٍ إلــى بعضِها فيصنعُ بـها خيطًا طويلًا يضعُهُ لـجامًا فـي فَمِ صديقِهِ و ينصرفان ضَاحِكَيْنِ ..
عندئذ ارتفعَ صوتٌ جذلانُ عن الـجدارِ يقولُ : لقد نَـجحت حيلَتي ، لقد جلبتُ انتباهَهم إلـيَّ ، غدًا  سأُغَيِّر ُ لونـي  إلى الأُرجُوانِـيِّ ..
*فـيصل الــزوايدي- تونس

 faycalmed@yahoo.fr

ج د م ل ع

تعقيب

سارد من خلف، يملك عين الكاميرا ينتقل بين الجهات مراقبا حركة الخلق في القرية وحواراتهم. البرج بؤرة الحدث، ينسج الحكاية ويرسم خطوطها واختلافاتها.
وللبرج حكاية قديمة..
في عهد قديم، عند "برج" بابل، قررت الآلهة أن تفرق ألسن الناس، وبالتالي ترسم خطا لميلاد الاختلاف. وعند برج القرية الترابي نقرأ اختلاف القراءة والرؤية والتفسير، كما اختلاف بنى وأنماط التفكير لدى شخصيات النص.
هناك مسألة استوقفتني كثيرا:
البرج قديم ترابي، متصدع، نال منه الاهمال، ونبتت عليه أعشاب، يغدو داخل النص محورا أساسيا للنقاش، ويغدو في دائرة الضوء بخطوة واحدة. فقبل وقت قريب لم يكن أحد يسأل عن أي شيء لا في تاريخ البرج ولا في حاضره ، وعند فجر ما ينقلب الأمر.
قلت فتاة طويلة: ربما اللون الأحمر صرعة الجدران لهذا الموسم..
وفي ختام النص نجد البرج الطويل قد فكر كما الفتاة. هل لذلك علاقة بالطول؟ (سمة الفتاة والبرج معا(.
إن تدخلات الشخصيات داخل النص هي تدخلات تفسيرية، رغم تفاوت مستوياتها واختلاف توجهاتها، باستثناء الشباب (ثلاث شخصيات). الفتاة الطويلة تسأل عن موضة العصر والأخرى لا رأي لها فيما الشاب مشغول بالعصر والتواصل الآلي "النقال". فهل هي أزمة فكر الجيل المتأخر؟ وهل يحتاج التاريخ -أي تاريخ- إلى التلون بصيغ عصرية ليخلق اتماما ما؟ ثم هل استطاع فعلا هذا البرج أن يوجه إليه الأنظار؟
أعتقد أن الجيل الأول لم يعتبر البرج غير "رمز للهوية" فقط من غير التحاور معه -إذ لا أحد يعرف تاريخ البرج، ولا أحد اهتم به قبل اليوم، بالمقابل فإن الجيل الثاني لم يؤسس لأي حوار إلا مع ذاته "حوار الشبان فيما بينهم، وبحثهم عن بعضهم البعض".
نص "الجدار الأحمر" هو نص مفعم بقضايا العصر والمجتمع، فمن نفي التاريخ والحضارة، إلى الخوف المرضي من الآخر وفكرة المؤامرة، إلى سيطرة التفكير الخرافي - بالخصوص لدى النساء، إلى استئثار الشكل بالاهتمام "لون البرج" إلى غير ذلك.. استطاع الكاتب أن يبني حكيه وفق صراع حول التفسير، نمت من خلاله دراما النص بشكل جيد.
وللكاتب التونسي "فيصل" علاقة بالسرد صار من خلالها يؤسس لرؤية تتناول قضايا المجتمع والوطن، في قصص أقرب للقِصر، قصص جمع بعضها مؤخرا و أصدر "قصص بسيطة جدا"، نأمل ألا يبحل بها على "واتا".
مع مودتي

حسام الدين نوالي

ج د م ل ع