الأدب  ( 1 )

 صفحات خاصة

كتاب : قصة - شعر - مقال - نقد

.

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

الثمن

محمد صباح حواصلي   

1

شقت الشاحنة العسكرية طريقها الترابي مثقلة بأحمالها من مواد تموينية وطبية, واستقرت شمس تشرين في قبة السماء. فتح الملازم ثاني كمال سلامة زجاج النافذة فلفحته دفقة هواء رطيبة منعشة وقال للسائق:

"الجبهة هادئة ولا رائحة للحرب هنا."

"لم تكن هادئة هذا الصباح يا سيدي."

نظر الملازم كمال إلى الأفق المكسو بالخضرة, وأيقظت رياح خفيفة محملة برائحة العشب البري نشوة الشوق في أعطافه. الطريق لم يعد متربا, والطين الجاف يتفتت تحت عجلات الشاحنة التي كانت تتمايل في تقدمها البطيء. لا أثر للحرب هنا.. أفق أخضر وسماء زرقاء والشمس تنشر دفئا محرضا للذكريات, لكن هدأة الظهيرة كانت تبعث أيضا شعورا متوثبا بالحذر.

"يذكرني هذا الطريق بالحمة.. كنا صغارا.. وكنا نقصدها بالقطار خلال عطلة الربيع. أتعرفها يا شعبان؟"

"ومن لا يعرف الحمة يا سيدي."

"كان الطريق يستغرق وقتا طويلا بالقطار, ومع ذلك كنا نشعر بسعادة غامرة والقطار يعبر بنا وادي اليرموك."

قال شعبان:

"لقد شفيت أمي بمياهها المعدنية.. كانت تعاني من ألم مزمن بالمفاصل."

ثم شمل شعبان السماء بنظرة كلها رجاء وقال:

"على الله تعود الحمة يا سيدي."

"كل شيء بحاجة إلى ثمن يا شعبان."

 

2

 

تقف سيارة جيب عسكرية عند جادة (قفا الدور) لتعذر دخولها في الحارات الضيقة. يترجل منها ملازم وجنديان, بذاتهم العسكرية ميدانية متربة. يسيرون على الرصيف الذي ينتهي بالدخلة التي تفضي إلى حي (السمانة). يتقدمون عبر زقاق  ينتهي بقنطرة. يسأل الملازم العسكري الذي كان قريبا منه:

"أظن أننا قد اقتربنا من بيته."

"نعم يا سيدي.. وهذه هي الدخلة بعد القنطرة."

يلجون دخلة مظلمة تتعانق بيوتها الطينية من الطرفين. رائحة الرطوبة نفاذة وثمة منفذ لخصلة من أشعة الشمس.

"هذا هو البيت يا سيدي."

يأخذ الملازم نفسا عميقا ويزفره في حيرة. يمسح جبينه المترب وتقف أصابعه فوق مطرقة الباب الحديدية التي على شكل قبضة يد. وبغتة, وكأنه تلقى أمرا عسكريا لا هوادة فيه, يطرق الباب ثلاث طرقات متتاليات. أخذ نفسا عميقا, وبدا متهيئا. تسحب من فوق رؤوسهم نافذة خشبية مغطاة بخصاص خشبي وينبعث من خلفها صوت نسائي مشبع بالصبا ومشوب بالقلق.

"مين؟"

دون أن ينظروا إلى أعلى قال الملازم:

"منزل الحاج فوزي سلامة, أبو كمال؟"

"نعم بيته.. تريد منه شيئا؟"

"نريد أن نتحدث معه."

"غير موجود.. تلاقيه عند شيخ الحارة."

"أين شيخ الحارة يا أختي؟"

"دكانه عند الفرن في مدخل الحارة.. اسألوا أيا كان يدلكم."

وتتابع المرأة متوجسة:

"خير في شيء يا أخي؟
يغيب الملازم والعسكريان في ظلمة الدخلة. تسمع المرأة وقع أحذيتهم وهي تصدح في أركان الدخلة الضيقة. تبسط راحتي يديها المرتعشتين على بطنها المتكور, ويهتف صوت بأعماقها, "اللهم اجعله خيرا," وقد غمرها شعور حقيقي بالقلق والخوف.