المنوعات

ثقافة عامة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 

 

 



 

 الترجمة وأثرها في الثقافة العربية

 نحن من أقل الأمم اهتماماً بالترجمة، من ناحية النوع والكم. وبالتالي فان بوصلة التواصل مع المنتوج الثقافي في شكل عام تعمل بآلية غريبة، لا تسمح لنا بالحديث عن تواصل مزعوم مع العالم، خصوصاً اليوم.

فلا توجد لدينا ترجمة مبرجمة لأعمال كتّاب ومفكّرين من العالم. أيضاً يعاني القاموس اللغوي من جمود وانعدام تواصل تقريباً مع المعيش اليومي، الأمر الذي يترك أثراً سلبياً على الترجمة، ويجعلها غير مفهومة، أو يجعلها عبارة عن سوء فهم متواصل، وعلى الأغلب يتعدد سوء الفهم هذا بتعدد المترجمين والأمكنة.

وسوء الفهم هذا، ينتج ثلاثة أمور: الأول: سوء فهم متكرر في المنتوج المحلي، الثاني: تواصل خاطئ مع الآخر، الثالث: اهتمام قليل مع المنتوج المُترجم، كلّ هذه الأمور تؤدي الى ردّ فعل رافض لعملية التواصل مع العالم.

وإذا أخذنا في الاعتبار البطء الشديد في الترجمة وسطحية التعاطي مع الآخر وانعدام المنهجية في عالم سريع الحركة ومتواصل الكترونياً، وتواضع وبساطة ما لدينا من بضاعة ثقافية.. لأمكننا تصوّر طبيعة تواصلنا غير الممكنة مع العالم.

ولنعطي مثالاً بسيطاً لطبيعة هذا التلاقح الثقافي فمنذ الأربعينات وحينما بدأت حركة الشعر الجديد رافقتها نقاشات على صعيد النقد اعتمد الترجمة الخاطئة وما زالت هذه الترجمة الخاطئة هي السائدة حتى يومنا هذا، تجدها في الكتاب، في الجريدة وعلى صعيد الجامعات، فقصيدة السياب الموزونة سميت شعراً حرّاً وهي ليست كذلك، وقصيدة توفيق صايغ الحرّة سميت قصيدة نثر وهي ليست كذلك، أيضاً رافق هذا النقاش انعدام السؤال عن ماهية الشعر! الأمر الذي أدى في النتيجة أن غالبية المنتوج الشعري اليوم قد نجح تماماً في تجنّب الواقع.

أهي حالة التبغيل تميّز ثقافتنا السائدة اليوم، حيث كل شيء مركون لحاله، لا سمع ولا بصر، لا شم ولا رائحة، أسماك عمياء تدور بين راحاتنا من هنا الى هناك، مدينة الأنقاض ذاتها التي يتخيّلها الكاتب ولا يفتح لنا بواباتها، فلا قارئ ينتظره اليوم أمام المكتبة، وحياة يمكن أن يتوهم التواصل معها، لكي يقول لنا بأنه يحيا اليوم، هنا، الآن، معنا في البقعة من الأرض، والتبغيل لغة هو: بَغَلَهم – بَغْلاً: هجَّن أولادهم من جهة الأب، مأخوذ من البغل لأن أباه حمار (المنجد في اللغة والأعلام، ص 44).

وهذه الحال اليوم تسود وتحكم وتميّز، أي أنها بالمعنى الآخر: تمزج بين الغث والسمين، وتدور تائهة بين نظريات أصيلة لم تصل وأخرى لا يهم وصولها أصلاً لكي تعرض لنا هجنةً من الأفكار التي لا تمسّ واقعاً نعيشه ولا تعكس زمناً نتكوّن فيه، ولا يمكن للأفكار المحلية أن تتأصل هنا، ولا يمكنها أن تنمو أو تتكون في ظلّ الفراغ وانعدام التماس مع الواقع المحلي والمعيش اليومي.. انها الأكذوبة ذاتها التي نقع ضحيتها دائماً من دون أن نتعلم الدرس. فكل ما هو زائل من النظريات الأدبية أو موقت، ونحن نتحدث هنا عما هو ثقافي فقط، يهيمن ويسيّر أمورنا هنا وكأنه كتاب منزّل مرتّلٌ في بيئة ثقافية لا تجد ما تدافع به عن نفسها أو ما تتعامل به مع الآخر. يعوزنا التأليف المعجمي والقاموس اللغوي الحيّ المتجدد، وليس لدينا الا عكاكيز التآليف المعجمية ولغتنا وكأنها مصابة بمرض، ممسكة بمعطفها القديم وتريد أن ترتدي معطفاً جديداً فوقه لكي تبدو زاهية بكل هذه المحمولات التي لا تعطي معنى ولا تشير الى حاضر لغوي نستطيع أن نتواصل معه وكأنه قد مُنع عليها الكلام عن حالها.

المنوعات1 :          ص2    ص3     الارشيف5