
ترجمتها بتصرف:

رشا المالح*
كان
الوقت ظهرا عندما
أنهت كارين مقابلتها و غادرت مقر الشّركة يصحبها شعور غريب أن شيئا ما
تمُزِّقَ في أعماق روحها . ربّما كانت تلك هي مقابلتها العشرون منذ أنهت
مدرستها الثّانويّة قبل حوالي ثلاثة أشهر .
بالرّغم من برودة الخريف و مع أنها لم تتمكن من تنحية فكرة ألحت عليها من أنها
ستخضع لمراقبة الناس ان هي فعلت ، فقد آثرت المشي على الأقدام كل
تلك المسافة الطّويلة إلى بيتها,. عيناها كانتا خاليتين من أي تعبير أما عقلها
فقد استغرق في التفكير وقد ألح عليها سؤال واحد : " لم أنا أشعر بيأس
شديد ؟ " , الا أنها عادت فصححت : " لا أبدا ! أنا لست يائسة كل ما
هنالك أنني أشعر بفراغ ، أجل فراغ ليس الا ! " هي تعلم أنها لن
تستسلم على الرغم من كل شيء .
منذ أكثر من
شهر و كارين تجادل والدتها حول تقبل الأمر الواقع في
أنها لن تلتحق بأية كلية ، ذلك أن درجاتها لن تمكنها من الحصول على منحة
جامعية ، الا أن قرارا كهذا لا زال صعبا بالنسبة للوالدة .
بابتسامة
مريرة على وجهها, وصلت إلى الطّريق الرّئيسيّ, قرب مدرستها حيث تخرجت . توقّفت
على الجانب الأخر من الطّريق و أخذت تراقب الطّلبة و هم يغادرون خلال
البوّابة الكبيرة . فقد أحست أنها تاهت عن ذاتها في خضم حيويّتهم
, كثير منهم كانوا يجرون بمرح إلى أحضان آبائهم الذين كانوا ينتظرونهم إمّا
قرب البوّابة الصدئة أو في سيّاراتهم .
بينما كانت
تتمتع بهذا المشهد اخترقتها ومضة ألم ، فقد تذكرت كيف أن أمها كانت دوما
تسعى لأن تجعل منها الأفضل و كيف أنها عملت ليل نهار لدعمها و اخوتها ،
الا أن شيئا ما ظل مفقودا و هذا الافتقاد تراه كارين بوضوح
في عيني أمها .
و بعد قليل
لفت نظرها مجموعة فتيات وقفن قبالة محل أزياء مشهور و قد اشتركن في
محادثة مسموعة قالت احداهن :- " سأطلب من والدي شراء تلك – الكنزة –
لأرتديها يوم الحفلة " فردت عليها أخرى :- " قالت لي أمي أنها تود شراء
ذلك الرداء لي ان أنا حصلت على درجات جيدة هذا الشهر. "
و بينما كانت
المحادثة على أشدها و مع ازدياد الصخب بين الفتيات و على حين غرة
سألتها احداهن :- " ما الذي تودين شراءه ؟ " أجابتها كارين بثقة
:-" عندما استطيع الاعتماد على نفسي سوف أشترى ما اشاء فأنا لا أحب أن
أرهق عائلتي . "
اكتسبت كارين
اعجاب الفتيات برجاحة عقلها و لكنها في حقيقة الأمر عزلت نفسها في قوقعة
، فبعد لحظات و في أعماق أعماقها شعرت أنها ترغب بكل شيء
أرادته الفتيات كطفلة كانت مدللة حتى الماضي القريب .
ثم أرغمت
نفسها على العودة الى أرض الواقع ، ألقت نظرة على الثياب المعروضة في
واجهة المحل و ما لبثت أن ضبطت نفسها فجأة بعد أن أدركت أنها لم يكنّ
لديها في الحقيقة أية رغبة أو ميل لأي شيء فغادرت المكان و قد اعتراها بعض
الخوف فهمست لذاتها :- " ليس هناك ما يهمني زيادة على ما أنا فيه " .
على طول
النفق المؤدي الى حيها بظلمته الحالكة و مع رياح باردة تصفر بينما كانت
تعبره ، ظلت تمشي و تمشي على غير هدى الى ألقت الظلمة
بسدالها فوق كل شيء من ورائها و من ثم قادتها خطواتها الى المنزل .
بينما كانت
تعبث بمفاتيحها لتختار مفتاح الباب , سبقتها أمّها, مارجريت, فقد أحست
بها ففتحت لها الباب مطلقة تنهيدة ارتياح ، و اذ أرادت أن تعاتبها
لعدم اتصالها بها ، لمحت تعابير وجهها ، فاكتفت بالترحيب بها قائلة
: -" أهلا بالعسل " .
طعام العشاء
جاهز – أضافت مارغريت – الا أن كارين توجهت الى الأريكة و ألقت
بجسدها المنهك فوقها . سألتها أمها :- " هل تناولت أي طعام ؟ " الا أن كارين
استلقت على الأريكة و مدت ساقيها بينما ركزت عينيها نحو أرضية الغرفة
، و اذ لمحت أن ظل والدتها اقترب نحوها أكثر ،أجابتها
بصوت تعب :- " لست جائعة ."
" ما رأيك
ببعض الشاي " لقد جهزت بعضه " سألتها مارغريت ؛ ثم توجهت رأسا الى
المطبخ حاملة كوبين ، ثم جلست على الوثير قبالة ابنتها و قد لفهما الصمت
لفترة .
" شايك برد
، عزيزتي ! " ذكرتها والدتها برقّة .
ضاقت كارين
ذرعا بنظرات أمها ، لقد فاجأها هذا الشعور ، و لكنها لم تفصح عنه ثم
مدت يدها و تناولت كوب الشاي الدافئ .
أحست مارغريت
ببعض الألم يعتصر قلبها لرؤيتها ابنتها على هذا الحال ، الا أنها قررت أن
تتعامل مع كارين بشكل مختلف :- " كارين مهما حدث فذلك ليس نهاية العالم " قالت
لها برفق و حنان . و مثلما كانت كارين منغلقة على نفسها بالكامل
فان أمها كانت أكثر تصميما على اختراق الغلاف ، على الرغم من أن ذلك قد
ينكأ الجرح القديم الذي استغرق طويلا حتى التأم .
ابتسمت الأم
بينها و بين نفسها و فكرت :- " أنني أداوي الجرح بالجرح " ثم أكملت تحدث
ابنتها :- " عندما توفي والدك تهاوى عالمي و فقدت الرغبة بالحياة ! . "
نظرت كارين اليها مندهشة ، فقد كانت أمها تذكر وفاة والدها للمرة الأولى
؛ ثم تابعت الوالدة قائلة :- " بعد أسبوعين فقط أدركت أنها ليست فعلا
نهاية العالم ، فالحياة لا زالت في طريقها لم تتوقف ، فوالدك لا زلت أراه
قريبا مني من خلالك ، و أنت لا بد أنك تعلمين حول كل ما
عانيته من أجل كبت آلامي . "
" هل أنت
الآن بعد كل تلك الآلام ، سعيدة .يا أمي ؟ " سألتها كارين و قد دمعت
عيناها ؛ الا أن مارغريت التي فاجأها السؤال تذكرت أن ابنتها لم
تعد طفلة فأجابتها :- " حسنا عزيزتي ، أعتقد أنك في سن مناسبة الآن
لتفهمي ما قلته و ما سأقوله .
و أكملت
قائلة : " خلال السنتين الأولين بعد وفاة والدك ، لم أكن متوازنة حقا
و كنت أعمل بالكاد من أجل تصريف حياتي اليومية ؛ لكنّني أدركت أن السّعادة هي
شيئ ما خاص بالانسان نفسه و لا يمكن البحث عنها خارجها ."
كانت مارغريت
مستعدة لتحدي العاصفة عندما سالتها كارين بتحد : - " و هل
وجدتها ؟ "
" لقد أقنعت
نفسي أن الحزن لن يوصلني الى أي هدف و بقدر ما كنت أحب والدك ، فان أي
أسى لن يعيده اليّ ، اذا فقد كان لي الخيار في أن أعيش في الظلمة
أو في النور ، هنا أدركت أن سعادتي تكمن في رؤيتك تنمين كامرأة جميلة و
ذكية بنفس هيبة و وقار والدك . من هذا المنطلق أنا سعيدة حقا
"
رشفت كارين
مزيدا من الشاي و قد ألم بها شعور ببعض الانفتاح و خاصة
عندما نظرت الى أمها التي زينت فمها باتسامة ودودة منحتها
الثقة بالنفس ، ثم تكومت في زاوية أريكتها و ما لبثت أن ناشدت أمها
سائلة : - " أماه ! هل لك أن تصفي لي ذاتك عندما كنت في مثل
سني ؟ . " ضحكت مارغريت من صميم قلبها و همست لنفسها :- "
أخيرا أفلحت باخراج كارين من قوقعتها. "
ثم أجابنها
قائلة :- " اعتدت على الاعتقاد بأنني اذا لم أحقّق ما أردته مرة واحدة
فان عالمي سينهار و أنني سأفتقد طمأنينتي ثم تعلمت أن الأشياء لا تسعى الينا
بل علينا أن نربحها بالصبر و العمل الدؤوب . "
" أماه
، ماذا بي من خطأ ؟ " سألت كارين . " لا شيئ البتة حبّي , انك فقط بدأت
تتعاملين مع حقائق الحياة ، أنت الآن توسعين أفقك ، هذا كل ما في الأمر .
" أجابتها أمها . الا أن كارين أصابتها الحيرة فسألت أمها :- " لم
أفهم ، هل يمكنك أن تشرحي لي أكثر ؟ " أجابتها مارغريت :- " حسنا ، تخيلي
نفسك أنك لا زلت طفلة عندما كان دماغك لا يحتوي الا على غرفة واحدة
مليئة عن آخرها برغبات الحياة الأساسية ، ثم ذهبت الى المدرسة
فأخذ عقلك يبني غرفة جديدة ليعبئها بالمعارف الا أن بناء الغرفتين الثاثة و
الرابعة سيحتاج الى عناية أكبر من احتياج سابقتيهما ."
" أنت تعنين
أن عقلي يتمدد أليس كذلك ؟ " سألتها كارين بشيء من المرح فأجابتها
والدتها : - " أبدا ، أعتقد أن الأمر أكثر من ذلك بكثير ، فأنت تتعلمين
الآن و تعملين في عدة اتجاهات حياتية مرة واحدة . " هنا ّ قاطعت كارين
أمّها بحماس قائلة : " أريد أن أمتلك قصرا كبيرا بل عملاقا . "
" بالتأكيد
حبيبتي ,و لكنّ بيتا متينا صغيرا سوف يقاوم عواصف الحياة ذلك أكثر يسرا من
قصر كبير ضعيف الأساس ! " أجابتها أمها . شحب وجه كارين
عندما اعترفت لأمها بما أخافها ، قالت بشيء من اليأس :- " لاأخالني جديرة حتى
ببناء كوخ تافه !.".
أجابتها
أمّها, بنفس الابتسامة المطمئنة المعتادة :- " كلا حبيبتي , ليس الأمر صعبا كما
تظنين ؛ ان مكوّنات البيت القويّ تعتمد على القاعدة القويّة , القوة في
الأساس و الصبر في البناء . "
التفتت كارين
فجأة نحو والدتها قائلة بود كبير :- " أماه ، أحبك حبا جما ! "
ثم
تقدمت نحو أمها التي فتحت لها ذراعيها لاحتضانها و اندمجتا في عناق دافئ ، واذ
ابتعدت قليلا همست بين ضاحكة و باكية :- " الآن أنا أعرف ما الذي
افتقدته و ما كنت أرغب فيه طيلة يومي ، انه حضنك الدافئ المريح ! "
و بخضوع سألت أمّها:-
" هل لديك حجرة في بيتك يمكنني أن أتسلل اليها من وقت إلى آخر ؟ " أجاتها
مارجريت بسعادة :- " أجل حبيبتي – على الرحب و السعة - و سوف تجد
==========================
*رشا المالح
- سوريه/الإمارات