مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 البريجادير الصغير   

قصة بقلم : زينب حبش

 

كانت وحدة من الجيش الإسرائيلي قد اشتبكت مع مجموعة فدائية تسللت بمهارة وعبرت منطقة الحزام الأمني وكادت تتوغل في قرى الشمال .

أمر البريجادير نحمان شرير بقصف منطقة صيدا ومعاقل حزب الله بالطائرات . لم تكن الخسائر البشرية جسيمة فحسب، فقد تهدمت معظم المنازل التي كانت تضم أطفالاً ونساءً.

كان شرير يمنى نفسه بالقضاء على رؤوس المقاومة في الجنوب بضربة واحدة. ولمّا رأى بأمّ عينه أن أحلامه كانت سراباً، اشتدّ غيظه، وأعاد أوامره بالقصف مرة ثانية وثالثة ورابعة . وأخذ على عاتقه أن يُسكت صواريخ الكاتيوشا إلى الأبد.

تحولت الأشجار والهضاب إلى أشباح من الفدائيين .وتحوّلت الشاحنات إلى رجال ملتحين بلحىً كثّة. وصارت الغيوم كوفيات مخطّطة بالأبيض والأسود.

أمسك بالمنظار بعصبية، وقفز إلى أعلى التلة القريبة من مكان القصف . وحين رأى بعض الأطفال يلعبون على كثبان الرمل في الجهة المقابلة ، ارتجف كيانه . فهؤلاء الأطفال هم أعداؤه . إنهم الجزء الأصعب في المعادلة الفلسطينية .. فبعد بضع سنوات سيتحوّلون إلى عمالقة . ثم إنهم سيتزوجون وينجبون أطفالاً أشدّ منهم نقمةً ورغبة في الثأر.

تحوّلت ضحكات الأطفال إلى دوي ينخر أذنيه . فحمل بندقيته، وبلا وعي اتجه بسيارته نحوهم .

أطلق النار على رؤوسهم .تأكّد أن إصاباته كانت مباشرة. ضحك ضحكة شيطانية ً، وعاد.

راح شيء ما يقلقه .

هاجسُ رهيبُ تملكه . شعر بالدوار والغثيان . حاول التقيّؤ . أحسّ أن أمعاءه تخرجُ من حلقه.

راح الضباط والجنود يتأملونه. حاولوا إسعافه .لم ينفع معه أيّ شيء.نصحوه بالعودة إلى بيته.

ما الذي يحترق في أمعائه ؟! هذه ليست المرة الأولى التي يقتل فيها أطفالاً. فلماذا ينفعل هكذا؟!

صار للأشجار التي تقابله هذه المرة عيوناً حمراء . أغمض عينيه حتى لا يراها . فاخترقت رأسه وعشّشت في دماغه وراحت تقطر دماً.

ضرب رأسه بيده.

آهٍ من هذا الكابوس .متى ينتهي ؟!

استقبلته زوجته مذهولة . كان وجهه شاحباً . أجلسته على الأريكة وأسرعت تقدّم له كأساً من العصير.

شعر بتحسّن . ثم أسرع فجأةً إلى الحمام وتقيّأ كلّ ما في جوفه.

قرّر أن الحمام الساخن قد يبعث الراحة إلى نفسه.

سألته زوجته عما به. لم يخبرها . قال إنه متعب من السفر.

قالت عاتبة: ظننت أنك ستعود مبتهجًا . أم أنّك نسيت أن هذا اليوم هو عيد ميلاد ابننا روني؟!

حملق في وجهها.

اليوم؟!

أجل. اليوم عيده الرابع . كنت متوقعة أنك ستأتي . هيا البس ثيابك بسرعة لنشتري له هدية وزينة .هيّا.

تركَته لتلبس روني ملابسه . وسرعان ما كان ثلاثتهم في السيارة.

جلس روني في الكرسي الخلفي. بينما راح أبوه يقود السيارة بهدوء.

توقفت السيارة في أحد شوارع تل أفيف . نزل الجميع . تأكد شرير من وضع مسدّسه قبل أن يتأكد من إغلاق أبواب السيارة.

راحت ريتا تتأمل أنواع الزينة الملائمة ، بينما اتجه نحمان إلى قسم الأطفال.

لاحظ بذلة صغيرة لبريجادير .أعجبته البذلة ، فقرّر شراءها.

اشترت ريتا كل ما يلزم لعيد وحيدها من زينة ، ولحقت بزوجها.

فاجأها قائلاً :

ألا ترين أن هذه أجمل هديّة لطفلنا؟!

ضحكت قائلة:

يكفينا بريجاديراً واحداً يانحمان!

قال بحماس : سأشتريها . هيّا نجرّبها عليه.

ألبسها لروني وزوجته تنظر إليهما وتضحك.

نظر الطفل إلى نفسه في المرآة . أعجبته البدلة حمل المسدس الصغير الذي بها وراح يطلق الرصاص على والديه.

نظر الجميع إليه ، وراحوا يصفقون له مبتهجين.

فسرت لهم الأم أن هذا اليوم هو العيد الرابع لابنها ، فأخذوا يهنئونها هي وزوجها ويبتسمون لروني الصغير.

أحسّ الطفل بنشوة غامرة ، وتألقت عيناه بالسعادة . وحين حاولت أمهُ أن تنزع عنه البذلة ، رفض . أصر أن تظلّ عليه.

قال الأب : دعيه.لا أريده أن يغضب في يوم عيده.

    عاد الثلاثة إلى السيارة ، وروني نشوان بنظرات الناس المعجبة التي تعانقه بمودّة . جلس في الكرسي الخلفي . لمح والده ينزع مسدّسه ويُلقي به إلى  جانبه.

حمل الطفلُ الصغير المسدّس ، وراح يعبث به. ثمّ صوّبه على رأس أبيه و أطلق النار.

اختلطت صرخة نحمان وزوجته بصفير السيارات على جانبي الطريق.

أما البريجادير الصغير ، فراح يلتفت بذهول يمنهًّ ويسرة . إلى أن أغمي عليه حين ارتطمت السيارة بعمود الكهرباء.