
.قصة قصيرة
عبد
العزيز الرواف
aziroof@yahoo.com
المرايا
----------------------------
الحبور والسرور يتجسدان في حركته
الدائبة في كل زوايا القفص الصغير ، الذي أبصرالنور من خلال قضبانه ، ولم يدر
بخلده ، بأن هناك براحا أرحب من تلك الاتجاهات ، التي كان يتحرك فيها ، يبدأ
يومه بنفش ريشه ، وتصفيفه و العناية به ، زاده حبات يلتقطها من وعاء قابع في
قاع القفص ، تضعها تلك اليد التي ألف وجودها ، من خلال دخولها الدائم من تلك
الفتحة ثم يرتشف من الحين إلى الأخر؛ قطرات من ماء القنينة الصغيرة على جانب
القفص ، ثم يقضي بقية يومه مغازلا شريكة وجودة في هذا القفص ، استمرت حياته على
هذه الوتيرة ، ولم يطرأ عليها جديد سوى احتجاب رفيقته في تلك الغرفة الخشبية
الصغيرة الموضوعة أعلى القفص ، من الخارج محتضنة نتاج ألفتهما بين هذه القضبان
، كان يصدر في بعض الأحيان شقشقات حالمة يعقبها بقفزات توصله ، إلى باب الغرفة
الخشبية فتستجيب لها شريكته في الحال مادة رأسها الصغير؛ ليلتقي منقاريهما في
قبلة حميمة تنتهي بلقيمات طرية ، يدفعها إليها بكل ود ، وتتقبلها بكل مودة .
في ذلك الصباح الجديد ، تسللت اليد كعادتها إلى داخل القفص ، واضعة حبات الطعام
مكانها، ومعرجة على قنينة الماء لتملأها، وكعادته دائما التجأ إلى أعلى القفص ،
مفسحا لتلك اليد المجال لتقوم بعملها داخل بيته ، الذي لا يمنع شيئا سوى خروجه
منه ، خرجت اليد من المكان الذي دخلت منه ، بعد لحظات ، قفز من عليائه ليقف على
القطعة الخشبية ، أمام إناء الطعام ليبدأ في التقاط حباته ، لم يكد يستقر عليها
، حتى شعر بأمر غريب طرأ على وضع مسكنه ، فوعاء الطعام أصبح فوقه ، وحباته
تناثرت ، متخللة ريشه ، مياه القنينة انتشرت رذاذا في الأنحاء ، رفيقة دربه
تخلت عن حرصها الفائق ، وتحوم حوله في حركات مضطربة ، تاركة محتويات الغرفة
تتبعثر حولهما .
قبل أن يستوعب ما حدث له ولمحيطه الصغير، سكن كل شيء حوله بعد صوت ارتطام قوي
لم يعهد له مثيلا ، هدوء غريب مزعج ساد بعد تلك اللحظات، تطلع حوله لاستيعاب
اللحظة وإدراك ماحل به ، وقعت عيناه على شريكته ممدة على أرض القفص ، قفز
ناحيتها ، تعجب من سكونها الغريب ، نقرعلى منقارها بحب بالغ ، زاد تعجبه من عدم
استجابتها له ، قطع انهماكه في تفسير حالتها أصوات متداخلة ، تقترب منهما ، لم
تكن نبراتها مألوفة لديه ، حاول اللجوء إلى أعلى سطح القفص كعادته الدائمة ،
فاجأه عدم وجود الحاجز ، الذي كان يمنعه من الابتعاد أكثرمن ذلك ، انطلق إلى
براح أوسع من براحه الصغير، الأصوات الغريبة تطارده بإلحاح ، بدأت تحاصرة من
عدة جهات ، حاول الهروب ، فجاءت محاولته خليطا بين الطيران والقفز، الأصوات تجد
في طلبه ، شعور بالذعر يملأ نفسه ، من هؤلاء الذين يطاردونه ، حالة من الخوف
بسبب هذا الاتساع المخيف ، أيادٍ كثيرة تمتد نحوه ، هدفها الإمساك به ، في أخر
لحظة استطاع الافلات منها ، التجأ إلى ركن في جدار ، لاحقته يد غليظة إلى داخل
تلك الفجوة ، حاول مواصلة الهروب ، لم تسعفه بقية المسافة لأكثر من ذلك .
قبضت عليه تلك اليد ، تذكر اليد التي طالما وضعت له الطعام دون أن تمسه ، حاول
مقارنة شعوره الآن حيالها وهذه التي تقبض عليه في قسوة بالغة ، شعورٌ يملأ نفسه
حنيناً بالغاً لضيق براح القفص .
جسده الصغير يعتصر بفعل تلك القبضة القاسية ، انتفض محاولا مقاومة عملية الضغط
، شعر بقلبه يصعد إلى حلقه بدأت أعضاؤه تتخدر ومقاومته تضعف ، فاقدا كل إحساس
بالحياة .