مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

البراح

.قصة قصيرة

عبد العزيز الرواف

aziroof@yahoo.com

المرايا


----------------------------

        الحبور والسرور يتجسدان في حركته الدائبة في كل زوايا القفص الصغير ، الذي أبصرالنور من خلال قضبانه ، ولم يدر بخلده ، بأن هناك براحا أرحب من تلك الاتجاهات ، التي كان يتحرك فيها ، يبدأ يومه بنفش ريشه ، وتصفيفه و العناية به ، زاده حبات يلتقطها من وعاء قابع في قاع القفص ، تضعها تلك اليد التي ألف وجودها ، من خلال دخولها الدائم من تلك الفتحة ثم يرتشف من الحين إلى الأخر؛ قطرات من ماء القنينة الصغيرة على جانب القفص ، ثم يقضي بقية يومه مغازلا شريكة وجودة في هذا القفص ، استمرت حياته على هذه الوتيرة ، ولم يطرأ عليها جديد سوى احتجاب رفيقته في تلك الغرفة الخشبية الصغيرة الموضوعة أعلى القفص ، من الخارج محتضنة نتاج ألفتهما بين هذه القضبان ، كان يصدر في بعض الأحيان شقشقات حالمة يعقبها بقفزات توصله ، إلى باب الغرفة الخشبية فتستجيب لها شريكته في الحال مادة رأسها الصغير؛ ليلتقي منقاريهما في قبلة حميمة تنتهي بلقيمات طرية ، يدفعها إليها بكل ود ، وتتقبلها بكل مودة .
في ذلك الصباح الجديد ، تسللت اليد كعادتها إلى داخل القفص ، واضعة حبات الطعام مكانها، ومعرجة على قنينة الماء لتملأها، وكعادته دائما التجأ إلى أعلى القفص ، مفسحا لتلك اليد المجال لتقوم بعملها داخل بيته ، الذي لا يمنع شيئا سوى خروجه منه ، خرجت اليد من المكان الذي دخلت منه ، بعد لحظات ، قفز من عليائه ليقف على القطعة الخشبية ، أمام إناء الطعام ليبدأ في التقاط حباته ، لم يكد يستقر عليها ، حتى شعر بأمر غريب طرأ على وضع مسكنه ، فوعاء الطعام أصبح فوقه ، وحباته تناثرت ، متخللة ريشه ، مياه القنينة انتشرت رذاذا في الأنحاء ، رفيقة دربه تخلت عن حرصها الفائق ، وتحوم حوله في حركات مضطربة ، تاركة محتويات الغرفة تتبعثر حولهما .
قبل أن يستوعب ما حدث له ولمحيطه الصغير، سكن كل شيء حوله بعد صوت ارتطام قوي لم يعهد له مثيلا ، هدوء غريب مزعج ساد بعد تلك اللحظات، تطلع حوله لاستيعاب اللحظة وإدراك ماحل به ، وقعت عيناه على شريكته ممدة على أرض القفص ، قفز ناحيتها ، تعجب من سكونها الغريب ، نقرعلى منقارها بحب بالغ ، زاد تعجبه من عدم استجابتها له ، قطع انهماكه في تفسير حالتها أصوات متداخلة ، تقترب منهما ، لم تكن نبراتها مألوفة لديه ، حاول اللجوء إلى أعلى سطح القفص كعادته الدائمة ، فاجأه عدم وجود الحاجز ، الذي كان يمنعه من الابتعاد أكثرمن ذلك ، انطلق إلى براح أوسع من براحه الصغير، الأصوات الغريبة تطارده بإلحاح ، بدأت تحاصرة من عدة جهات ، حاول الهروب ، فجاءت محاولته خليطا بين الطيران والقفز، الأصوات تجد في طلبه ، شعور بالذعر يملأ نفسه ، من هؤلاء الذين يطاردونه ، حالة من الخوف بسبب هذا الاتساع المخيف ، أيادٍ كثيرة تمتد نحوه ، هدفها الإمساك به ، في أخر لحظة استطاع الافلات منها ، التجأ إلى ركن في جدار ، لاحقته يد غليظة إلى داخل تلك الفجوة ، حاول مواصلة الهروب ، لم تسعفه بقية المسافة لأكثر من ذلك .
قبضت عليه تلك اليد ، تذكر اليد التي طالما وضعت له الطعام دون أن تمسه ، حاول مقارنة شعوره الآن حيالها وهذه التي تقبض عليه في قسوة بالغة ، شعورٌ يملأ نفسه حنيناً بالغاً لضيق براح القفص .
جسده الصغير يعتصر بفعل تلك القبضة القاسية ، انتفض محاولا مقاومة عملية الضغط ، شعر بقلبه يصعد إلى حلقه بدأت أعضاؤه تتخدر ومقاومته تضعف ، فاقدا كل إحساس بالحياة .