المنوعات

ثقافة عامة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 

 

 



 

البتراء 

عجائب أشبه بأقاصيص الف ليلة و ليلة

 

            إذا ما دخل المسافر في وسط هذه الصخور، وانحدر في أغوارها المقفرة، حَرَجَ صدرهُ وأحس بمشاعر من الرهبة تُحاك في قلبه، وهو يرى رضام الحجارة المتقطعة تحدق به على هيئات غريبة، فيسير ساعة بينها إلى أن يؤدي به السير إلى وادٍ أوسع منها قليلاً يترقرق فيه جدول من الماء، فيعاين على طرفيه بعض المدافن المنقورة في الصخر.

  

وهذه المدافن يُستفزُّ لمنظرها السائحُ إذا عاينها لأول وهلة فيأخذه العجب من أصحابها الذين اشتغلوها بالمطرقة والمقراض في الصخر الصلد، ثم عزلوها عن الجبل الأصم وجعلوا باطنها كهوفاً ليرقد فيها موتاهم رقادهم الأخير، واتخذوا لها المداخل الجميلة المزدانة بضروب النقوش، فمنها ما يشبه الموشور المربع الزوايا على شكل المداخل الفرعونية القديمة، ومنها ما هو أعرق في القدم، تعرف بطنوفها المصرية المستديرة تعلوها زينة من الدرج على طرز الهندسة الآشورية، والبعض منها أقرب عهداً، حيث ترى عُمدها ورؤوسها وعتباتها على طرز البناء اليوناني، فمن يحدق ببصره في واجهات هذه المدافن يخلبهُ حسنها وينسب عملها في وسط الصخور إلى سحر ماروت.

 

ولكن هيا بنا إلى الأمام ها قد بلغنا سرباً قد حفر بأيدي البناة ليجمع بين واديين فتركناه من على يميننا وواصلنا سيرنا في بطن الوادي الذي تتقارب جوانبه وتضيق منافذه حتى كدنا أن نظن بانسداد ثلمته في وجهنا، إلا أن الأمر على خلاف ما ظننّا، فإن جدول الماء الذي مر وصفه لم يزل على تمادي الأجيال يجري في خروق الصخر حتى فتح له مجازاً حرجاً من الشرق إلى الغرب، والمجاز يُدعى سِيقاً دخلنا فيه كأننا في دهليز حَرِجٍ لا يتجاوز عرضُه أربعة أو خمسة أمتار، والصخور العالية محلِّقة في الجو تكتنفنا يميناً وشمالاً، أو تمدُّ رواقها فوق رؤوسنا على علوِّ ثمانين متراً إلى مائة متر، وهو لعمري مرأى مهيب يأخذ بمجامع القلب ويقشعر له البدن، إذ لم نرَ حولنا دياراً ولم نسمع غير صوت حوافر الخيل الواقعة على حصى المسيل.

 

على أن الطبيعة لم تتفرد، وحدها، بعمل ذلك المعبر فإن هناك بعض آثار من أيدي البشر أولها قناة لاصقة بالجبل كانوا يستجلبون فيها على ما يظهر مياه العيون، النابعة في تلك الأنحاء.. ثم بقايا قنطرة كانت تقفل هذا المجاز فدعوها لذلك باب السيق.

 

ومنها أيضاً مشاكٍ حفرها القدماء، ليجعلوا فيها رموزاً دينية وزينوها بكتابات يونانيّة تُرى بعض حروفها إلا أن الأمطار الشتوية قد سالت عليها فأزالت صورها ولم تتبقِ منها إلا آثار طامسة تشهد على قداسة هذه الأمكنة في أعين شعوب بائدة كانت تكرِّم هذه الأماكن، وتقيم فيها الأدعية إلى السماء.

 

وإن عبرت هذا الممر تراك بغتةً إزاء صخرة محررة يبرز من تقاطيعها وجه بناية وردية اللون عاديَّة الشكل بديعة الصنع تكسوها أنوار الشمس الطالعة بجلباب من النور، كأن المهندس اختار هذا المكان المستوحش القفر ليبهر النظر بعجائب البناء وبدائع الهندسة فيظهر الضد بالضد، ومما يشهد له بسمو المدارك أنه أحسن وضع هذا البناء وأحكم تنظيم أقسامه وأبدع في مد أروقته، حتى أن الذي يراه بعد عشرين قرناً لا يتمالك نفسه من الدهشة والعجب كما أعجب بنظره النبطيين واليهود واليونان والرومان الذين عاينوه لأول مرة بعد إنجازه فأطروا محاسنه التي أحرزت لمدينتهم فخراً عظيماً.

 

وكأن يد الدهر لم تجسر على أن تمس هذه التحفة الفريدة بل أفادتها رونقاً جديداً وألبستها ثوباً من الورد مطرزاً بصفرة ذهبية لا تستطيع الصور الشمسية أن تمثل بهاءه ودقته. وهذا البناء الفريد يدعوه أهل البادية الذين هناك “خزنة فرعون” وها نحن ندقق البحث فيه ونحاول أن نبين غاية ابتنائه، وهو سرٌّ من الأسرار المدفونة التي تزيد رغبة في تعريف خواصّه.

 

هندسة البناء

 

يتركب بناء “خزنة فرعون” من طبقتين متباينتين يندهش الناظر الى صورتهما وشكلهما، فالطبقة الأولى تشبه واجهة هيكل بديع، وهي عبارة عن أربعة أعمدة سقط واحد منها فبقيت آثاره على الحضيض، وفوق الأعمدة مدماك من الحجارة المنقوشة ثم إفريزٌ مع طنوف ناتئة يعلوها مثلث على جوانبه وفي وسطه نقوش هندسية. وترى مدماك الحجارة والإفريز والطنوف تمتدّ يميناً وشمالاً منزوية عن الواجهة الأصلية، وهي تستند من كل جهة إلى عمود بحيث يصبح مجموع أعمدة البناء ستة. وفي الفسحة التي بين العمودين الطرفيَّين صورتان منقوشتان طَمَسَ بعض الجهَّال رسومهما، والصورتان متشابهتان توازي الواحدة شقيقتها، وكل صورة تمثل رجلاً لابساً منتصباً يروّض فرساً جموحاً. وما بقي من هاتين الصورتين يدل على أن المصور كان أغرب في حسنهما ما شاء، أما موضوعهما فقد أكثر منه المصورون الأقدمون ومنه أمثلة عديدة.

 

ووراء الأعمدة الستة رواق ضيق يجتاز منه الزائر إلى أبواب البناء، وهذه الأبواب ثلاثة: باب أوسط بين العمودين الثالث والرابع وهو الباب الأصلي، يصعد إلى سوائه ببعض الدرجات وقد زين بنقوش بديعة غاية في الدقة، لا سيّما ما نتأ منها، وهي حتى الآن في تمامها، وعلى جانبي هذا المدخل هناك مدخلان ثانويان يميناً وشمالاً وهما أيضاً منقوشان، ولا ريب أن هذه المداخل كانت موصدة بأبواب من الشَّبه المذهب يوافق حسنها جمال البناء.

 

وقبل أن ندخل إلى باطن هذا الأثر دعنا نتمّم وصف خارجه، فإنك ترى فوق المثلث الذي يعلو المدخل ومن ورائه قاعدة أفقية بسيطة الشكل لا تزيّنها سوى شقة ناتئة محلاة بالزهور يحدُّها سافٌ ناتئ من الحجارة، وفوق القاعدة واجهة ثانية تشبه الواجهة السفلى شبهاً عظيماً، اللهم إلا ما يعلو الأعمدة الستة فإنها لم تُزيَّن كالطبقة السفلى بالمثلث التام مع إفريزه ونقوشه الجانبية، بل ترى المثلث مفرغاً في وسطه بعد العمود الثاني وبدلاً منه تنتصب بناية مستديرة مقببة على شبه بناية ترى في مدينة أثينا وتُنسب إلى ليزيقراتس، وهي التي تدعوها العامة ب”فانوس ديوجانس”، والأعمدة الواقعة على الطرفين تناسب الأعمدة السفلى وفي وسطها نقوش طمس حسنها الزمان.

 

أمازونيات: وعلى رأي المسيو دومازفسكي: إن هناك صور نساء متجندات من جنس الأمازون في أيديهن التروس والفؤوس المحددة الطرفين وهنّ يرقصن رقصاً حربياً. أما تحت البناء المقبب فترى على جداره صورة امرأة أو إلهة على رأسها قلنسوة كالصاع فوقها خمار، وهي تمسك بشمالها القرن الرمزي المعروف بقرن الثروة أما يمينها فتحرك بها شيئاً يُظن أنه أداة الرقص (sistre) التي كان يضرب بها الكهنة المصريون في عيد إلهتهم إيزيس، وعلى جانبي هذه الصورة في الإطارين المتخلفين شخصان مجنَّحان لعلهما إلهة الانتصار في أيديهما آلة يصعب تمييزها ومن المحتمل أنها كالآلة الرقصيَّة السابق ذكرها.

 

وفي قمتي زاويتي المثلث يُرى نسران قد قطع رأساهما وهُشِّما، والبناية المستديرة تنتهي بشبه زهرة تعلوها قُلَّة، وهذه الزينة شائعة في بترا في أعالي مبانيها، وهناك مدفن يدعى بمدفن القُلَّة لوجود هذه الزينة في قمته، وكذلك يجوز أن يسمّوا بهذا الاسم هيكلاً آخر يدعونه الدير. أما البناء الذي نحن في صدده فقد دُعيت قُلَّتهُ (خزنة فرعون) ثم أُطلق الاسم على البناء بأجمعه، وأهل البادية إذا مروا بجواره أطلقوا بندقيتهم على القلّة وهم يزعمون أن فيها كنزاً دفيناً يغنيهم طوال دهرهم إذا أمكنهم كسرها. وأخبار الشرقيين في المطالب الدفينة والخبايا المجهولة مستفيضة شائعة، لا يرون عالماً أجنبياً يزور أخربتهم إلا ظنّوا أن تحت الأخربة كنزاً مدفوناً جاء يطلبه، وقد ذهبوا إلى أن الخزنة لا تزال في هذه القلّة لم يصبها أحد لسمو ارتفاعها وصعوبة مرتقاها.

 

أما إذا سألت وماذا حدا بالعربان أن ينسبوا هذه الخزنة إلى فرعون؟ أجبناك: إن مخيِّلة العامة تعزو الآثار القديمة إلى بعض المشاهير كما يفعل عندنا الأهلون بنسبتهم قناطر نهر بيروت ونهر إبراهيم إلى زبيدة وكما ينسبون للقديسة هيلانة الأبراج المشيّدة في القرون الوسطى على ساحل بحر الشام، على أننا لا نعرف أحداً من الفراعنة احتل مدينة البتراء. وإذا أمعنت النظر في مجمل هذا الأثر العجيب الذي نُقر كله في الصخر اللهم إلا عموديه الأوسطين، ثم إن بحثت عن طرزه وبُناتِه فإنه أمكنك القول من دون عناء كبير: إنه من عهد الرومان وتدلّنا على ذلك رؤوس قلَّة الأعمدة التي بولغ في نقشها على الطريقة القورنتيَّة، وكذلك تنظيم البناء وهندسته مع لبس الأشخاص المصورين فيه وهيئة النسرين، فإن كل ذلك لا يدع ريباً في الحكم بأن البناء روماني.