
قصة
قصيرة
د. فوزي سليم بيترو*

اليوم
هو
الأحد . وكالعادة في كل يوم أحد
أذهب الى
الكنيسة للصلاة . وبينما كنت أهم بالخروج
من بوابة الكنيسة بعد انتهاء القداس . خطر ببالي أني لم أقم
بالإعتراف منذ
حوالي السنة
.
فعدت
اروم الإعتراف على أخطاء ليست ذات قيمة
؛
ولكن بقرارة نفسي
اعتبرها أخطاءاً . وكما ورد في القرآن الكريم لدى إخواننا
المسلمين في تحريم
الخمر
"
ما أسكر كثيره فقليله
حرام
"
والخطأ إن كان صغيراً أو كبيراً . فهو
خطأ
.
عدت أدراجي نحو الهيكل باحثا عن غرفة الإعتراف . لم
أجدها . سألت الخوري فأجاب
:
ــ نية التوبة الحقة علاقة خاصة بين الخاطيء وربه ولا تحتاج
الى وسيط
.
قفلت عائدنا من حيث أتيت
.
ولكني تذكرت حادثة حصلت في ذات الكنيسة قبل حوالي السنة
فعدت وانتظرت الخوري حتى انهى اعماله . ثم غادرنا سوياً بيت
الرب
.
كرسي الإعتراف
تزدهر الكنيسة في كل يوم أحد بمرتاديها الراغبين بالصلاة .
ويتفاوت
عددهم بين يوم أحد وآخر
طبقا لظروف الطقس أو لمناسبات دينية
معينة . أو لأعياد قومية ووطنية تكون فيها الدولة في عطلة
رسمية . غالبا يتراوح عدد المُصَلِّين ما بين ثلاثمائة الى
خمسمائة مُصّلِّي
.
وفي العادة . وقبل نهاية مراسم
الصلاة , يجول أحد خُدَّام الكنيسة بين الحضور وبيده صينية يضع
فيها المصلين ما تجود به انفسهم من تبرع نقدي للكنيسة ولطاقمها
من
القسس . وما يفيض بعد خصم
المصاريف . يتم رصده للمحتاجين من أسر فقيرة في
الوطن الأم
.
ثم , وبعد انتهاء
مهمته يضع الصينية وما عليها من نقود داخل غرفة الإعتراف
وبالمكان الذي يجلس
فيه الخوري
.
غرفة
الإعتراف ومكانها على يمين الهيكل هي عبارة عن غرفة صغيرة تتسع
لشخصين فقط
.
ويقسم الغرفة حاجز خشبي بفتحات صغيرة تسمح بسماع الصوت والرؤية
من خلاله
.
ومَنْ يرغب بالإعتراف يدخل
الغرفة ويجلس على كرسي الإعتراف منتظراً الخوري ليجلس قبالته
من الناحية الأخرى للغرفة . فيعترف له بأخطائه . ويطلب له
الغفران والرحمة
من رب العالمين
.
في يوم من الأيام وبعد انصراف المصلين الى بيوتهم واعمالهم
بعد انتهاء القداس . دخل صاحبنا
غرفة
الإعتراف منتظراً الخوري
.
ودَّع الخوري
آخر المصلين ودخل الغرفة ليستقبل اعتراف الخاطيء الذي يجلس
قبالته
.
ــ صباح الخير ابونا
ــ صباح الخير يا ابني
ــ الفاقة والحاجة يا ابونا دفعتني لعمل غير سوي
ــ اتفضل يا ابني . هات ما عندك
ــ نَصَبْتُ على أحدهم وأخذت منه مبلغاً من المال لا أستحقه
.
ــ هل اعتبر اعترافك هذا ندما على ما
فعلت ؟
ــ نعم يا ابونا واطلب من الله
ان يسامحني
ــ إذهب . مغفور لك هذا
الخطأ على ان لا تعيد تكراره
.
بعد مرور اسبوع . وبعد انتهاء
القداس . دخل صاحبنا الغرفة وجلس على كرسي الإعتراف
منتظرا
الخوري
.
ــ صباح الخير ابونا
ــ اهلا يا ابني
ــ ابونا ... يبدو ان الحال يسير من سيء الى أسوأ
.
ــ خير يا ابني
ـ الطمع يا ابونا غدا صفة تلازمني
.
ــ ألا يجب عليك كبح جماح
ميولك التي تضر ؟
ــ حاولت يا ابونا ولم
أفلح
ــ وبعدين
....
ــ لقد سرقت
ــ لا حول ولا قوة إلاّ بِكَ يا ألله . هذه ليست هفوة انها
خطأ جسيم
.
ــ ولكني انوى التوبة
والخلاص على يديك
.
ــ اذهب يا ابني في
رعاية الله . وربنا بإذنه يسامحك
.
بعد مرور اسبوعين . وبعد
انتهاء القداس . دخل صاحبنا الغرفة وجلس على كرسي الإعتراف
منتظرا الخوري
.
ــ صباح الخير
ابونا
ــ هُوِّ انت ؟ خير ان شاء الله
.
ــ يبدو انه مش خير
ــ ماذا فعلت ؟
ــ قتلت . وسرقت
.
ــ الله لا يغفر لقاتل
ــ
ولكني اقف امامه الآن اعلن ندمي طالبا غفرانه
ــ هناك حدود للأخطاء . اذا تجاوزها الخاطيء فلا مكان لمغفرة
الخطايا
.
ــ الحدود يا ابتي عندنا نحن البشر
.
ولا حد هناك لمغفرة الخطايا الذي يعدنا بها ابانا الذي
بالسموات
.
ــ ماذا أقول لك .... إذهب وسوف أصللي لأجلك
.
بعد مرور ثلاثة أسابيع
.
وبعد انتهاء القداس . دخل صاحبنا الغرفة وجلس على كرسي
الإعتراف
منتظرا الخوري
.
ــ صباح الخير
ابونا
ــ لا صباح ولا مسا . انت تاني
؟؟؟؟
ــ يا ابونا انسدت الدنيا في
وجهي . لا عارف انصب ولا قادر اقتل أو اسرق . الناس صارت واعية
ومش من السهل انك تغافلها
.
ــ
القصد . ايش بدك من ابونا اليوم ؟
صَوَّبَ صاحبنا مسدسه من خلال فتحات الحاجز الخشبي وقال بحزم
هامساً
:
ــ انا قلت يا ابونا . والكنيسة فاضية وما فيش غيري وغيرك فيها
.
تعطيني غلّة اليوم الموجودة في
الصينية من غير ما اضطر لإستعمال القتل والقوة
.
يا خوفي
يستدل ارباب السوابق الى كرسي الإعتراف القابع داخل نفوسنا
ويسرقون بذرة الخير
الكامنة داخلها
.
ألله
يستر
_________________
*
د. فوزي سليم بيترو - فلسطين/الرملة
_________________
تعقيب
أخي الكريم الدكتور فوزي
سرني أن أصافح أحد أعمالك الأدبية للمرة الأولى ، و سرني أكثر
أنه عمل جدير بالتقدير
القصة طريفة و سلسة من فئة السهل الممتنع ، و تجذب قارئها حتى
الحرف الأخير
سلم يراعك و دمت متألقا
نزار ب. الزين
_________________