|
الإستعمار الثقافي
مقال
مصطفى
سلام
أبناء
مصر
و المؤامرة
هى
إصرار الغرب الاستعمارى – بكل أشكاله و صوره – على إعادة صياغة
الشخصية العربية – و الإسلامية – بما يضمن له دوام استمرار
السيطرة و القضاء على الهوية العربية و الإسلامية .
و ليس غريبا فى هذا الصدد ما أعلنه و صرح به علانية – دون
مواربة – الاستعمارى الصليبى الصهيونى – جورج دبليو بوش ، من
أنه – و بعد انهيار الشيوعية ، فإن الإسلام قد أصبح العدو
الأول للغرب الذى تتزعمه أمريكا .
و يستخدم هؤلاء الاستعماريون الجدد طرقا و أساليب تطورت عن طرق
أقدم ابتدعها الاستعماريون الانجليز و الفرنسيون .. و تقوم على
أساس محو مقومات الشخصية ، التى تتمثل أساسا فى الثقافة : لغة
، و قيما ، و دينا ..إلخ .
و كما يقول علماء الاجتماع ، فإن التراث الاجتماعى يتمثل فى
قسمين رئيسين : الثقافة و هى الجانب المعنوى الذى يشمل اللغة و
القيم و المعتقدات .. الخ ، الحضارة و هى الجانب المادى الذى
يشمل منجزات العلم و مخترعات التكنولوجيا .
و الغرب لا شك متفوق تفوقا صارخا فى الجانب الحضارى ، و يعلم
أننا عالة عليه فى هذا المجال .. مستهلكو حضارة و لسنا
مبتدعيها ، و لذلك فهو يريد – إلى جوار اكتساحه لنا حضاريا –
اكتساحنا ثقافيا ، و بالتالى لا تقوم لنا أية قائمة إلا
بإرادته ، و لا نعيش إلا تحت مظلته.
و كانت البداية : الحملة الفرنسية على مصر- لكن جاء محمد على –
بانى مصر الحديثة – فأراد أن يصنع من مصر قوة يعادل بها القوى
الغربية ، فكانت البداية بالتعليم و إرسال البعثات التعليمية
إلى أوربا – فرنسا بالذات .. و حين أراد أن يبنى النظام
التعليمى فإنه قد بدأ من القمة ، بالكليات العليا : الطوبجية (
الحربية ) و المهندسخانة (الهندسة) و استقدم لها التلاميذ من
الأزهر الشريف ، و لكن طبيعة دراسة هؤلاء الأزهريين لم تمكنهم
من الاستمرار، فأنشأ مدرسة وسطى تجهزهم للالتحاق بتلك الكليات
و سماها المدرسة التجهيزية (المرحلة الثانوية ) ، و لكن
الأزهريين خذلوه أيضا ، فأنشأ مدرسة المبتديان (الابتدائية )
ليلتحق بها التلاميذ دون المرور على الأزهر الشريف ... و من
هنا نشأت الازدواجية فى التعليم .. و ليس فى مثل هذا الموقف
بأس و لا ضرر .
و جاء الاستعمار البريطانى (1882) و لعب لعبته الخطرة فى ميدان
التعليم ، ليجعل منه أداة لتخريج موظفين يعملون فى إدارات
الحكومة .
و فى ذلك الحين نشأ مرحلة تعليمية أخرى هى المدرسة الأولية ، و
ذلك إلى جوار الكتاتيب المنتشرة فى أنحاء القطر .. فكانت
ثنائية جديدة داخل التعليم العام .. و قد قضى على هذه الثنائية
فى منتصف القرن العشرين .
الأمر الخطير فى عالمنا المصرى اليوم ليس الثنائية ( تعليم
دينى أزهرى ، تعليم مدنى ) فلا غضاضة فى هذه الثنائية خاصة بعد
أن طور التعليم فى الأزهر فى ستينيات القرن الماضى ، فأدخلت
إليه المواد العلمية المدنية ، لكن المشكلة التى سيعانى منها
المجتمع مستقبلا هى فى كثرة كثيرة من المدارس و الجامعات
الأجنبية التى أنشئت فى بلادنا : ألمانية ، أمريكية ، بريطانية
، فرنسية ، كندية ..الخ .. مما سيفتت انتماءات الشباب و يصوغ
شخصياتهم صياغات تتفق مع أهداف المستعمرين .
يعبث الاستعمار الحديث اليوم بشخصيتنا القومية بوسيلتين :
• القضاء على اللغة – باعتبارها أداة التواصل الاجتماعى -
محاولا إحلال لغاته محلها .
• القضاء على القيم من خلال ما يبثه إلينا ليل نهار عبر
الميديا الغربية المتطورة من أشكال مبهرة من الفنون المتدنية
التى لا تلائم قيمنا ، لكنها تتسلل إلى نفوس الشباب و النشء
الذين هم عدة المستقبل .. فتقضى على ما غرسناه فيهم من قيم .
إن تعلم اللغات الأجنبية هو ضرورة قصوى لأجيال اليوم ، فطالما
أن العلم منبعه الغرب حاليا ، و بما أن التكنولوجيا وطنها خارج
ديارنا .. و بما أنه لا بد لنا من العلم و التكنولوجيا ، فمن
الضرورى تعلم لغاتهم و إجادتها .. على ألا يحدث ما نراه الآن
من إهمال للغة الأم – لغة القرآن – لغة الفصاحة و البيان –
اللغة العربية .
مما يؤسف له حقا أن التدنى قد طال التعليم كله ، فانهارت – ضمن
ما انهار – اللغة العربية و كذلك اللغات الأجنبية .
|