الإرادة
خاطرة بقلم : هشام
علوان
لا تخدعني
بمظهرك البائس، وصوتك الواهن الضعيف، الشاكي دائماً، بإهمالك لمظهرك، وشعرك
النافر المجنون، ولحيتك الشعثاء، وظهرك المنحني الذي يذكرني بأحدب نوتردام في
رواية فيكتور هوجو، بمنظره البشع المخيف، والذي يخفي وراءه كائناً دمثاً رقيقاً
تتعاطف معه، وتحبه من أول وهلة.
لكنني لن أتعاطف معك، رغم أني
أحبك، ولن أربت على ظهرك أو أقدم لك كلاماً معسولاً مثل كل مرة، أو أمسح دموعك
اللؤلؤية، لن تنطلي علي حيلك القديمة،
أتعرف لماذا؟لأنني أعرف أنك
لست ضعيفاً تحتاج مساعدتي (رغم محاولاتك الدؤوبة لإيهامي بذلك) إلا أنني تحصنت
ضد كل خداعاتك السابقة، ولن تنجح معي هذه المرة..
أرجوك لا تحاول.
تمتلك كنزاً ضخماً من الإرادة،
وتبخل به على نفسك، فلمن تدخره أيها المقتر، استنفر كل قواك، واستجمع شتات
ذاتك، ولا تعتمد على أحد، حاول وستنجح بالتأكيد.
كل العباقرة والناجحين، مروا
بظروف قاسية، ورأوا - مثلك - الحياة سوداوية، لكنهم انطلقوا بقوة جبارة، وقودها
الإرادة والإيمان وحققوا نجاحات تدهش الآخرين عند تأملها، والوقوف أمامها..
فلماذا تبكي، وتولول
وتدعي الضعف وأنت بالفعل قوي؟!
فتش في قارة ذاتك عن جزيرة
نائية، تبدو مستحيلة كالواحة في قلب الصحراء، اسمها الإرادة، لا تتعب من البحث
عنها لأنها ستضمن لك حياتك المستقرة المقبلة، حين تملك زمامها.
العجزة والفاشلون وحدهم يفرطون
فيها، ولا يتشبثون بتلابيبها، فتسقط منهم عند أقرب منحدر، وبعدها هم أيضاً
يسقطون، ويبدون مثلك عاجزين ومنفرين.
لكن القابضين على جمرة إرادتهم
يستطيعون تغير مصائرهم، بإيمانهم، وإصرارهم على مواصلة الطريق رغم الصعوبات،
والعراقيل التي تعترضهم، وحين يسقطون (وهذا شيء طبيعي) يقفون مرة أخرى، في تحدٍ
كبير، ويواصلون المسيرة.
رأيتهم مراراً في أحلك اللحظات
يبتسمون، ولديهم يقين راسخ أن ما يحدث عابر، وأن الفجر دائماً يأتي من رحم
الحلكة، يلملمون همومهم اليومية المتزايدة ويستمرون في مواصلة السعي نحو
أهدافهم السامية، لا يملون أو
ييأسون، وكأنهم بعزيمتهم
الشابة لا يشيخون.
فلماذا تحاول أن تقنعني أنك
مفلس من الإرادة، وأن رصيدها لديك تبخر في معترك الحياة؟
ربما تشعر - كما أشعر أحياناً
- ببعض الضيق، وتنفر من الناس، وتلتذ بوحدتك، كأنك كائن هلامي يدخل في قوقعته،
فتحميه درقتها الصلبة من الصدمات، لكنها تسجنه طول العمر في ظلماتها الأبدية.
الحياة قاسية وصعبة، وكل يوم
تدهسك عجلاتها الضارية، لكنك لم تمت بعد، وتحيا رغم أنفها، تتألم قليلاً وتجترع
الحزن كل ليلة وحدك، وتلملم بقية أحلامك، وتقبض عليها قبل أن تتبخر مع كل
الأشياء الجميلة التي تبخرت من قبل.
لن أستعرض لك من التاريخ
قصصاً - قد تبدو مسلية - عن العظماء الذين قهروا الظروف، وصنعوا مجدهم
بكفاحهم، فقد مللت من دور الحكاء الذي يستشهد بالأقاصيص لترسيخ اليقين لديك بما
يسرده عليك من نوادر وحكايات، لن أكون مهرج الملك الذي يدخل السرور عليه،
وسأتركك تواجه مصيرك وحدك لأنني أعلم أن إرادتك الخابية في داخلك، ستخرج رغماً
عنك في لحظة تبدو مستحيلة لكنها قريبة.. صدقني.