أدب

صفحة الأديبة رشا المالح الخاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

روايات خالدة

الابنة المتفائلة

عرض : رشا المالح

 

          «ما أقوم به عندما أكتب عن أية شخصية، يتمثل في محاولة الدخول إلى فكر، وقلب، وجلد إنسان آخر. سواء كان رجلاً أو امرأة، شاباً أو عجوزاً، أبيض أو أسود. ويكمن التحدي الأساسي في هذه القفزة النوعية». ذلك ما ذكرته أهم سيدة من كتاب أميركا الجنوبية، وهي إيدورا ويلتي. ولدت إيدورا في 13 أبريل 1909 في المسيسيبي، ونشأت في كنف أسرة مثقفة محبة للكتب. أمضت معظم طفولتها في اكتشاف العوالم التي تحفل بها الكتب،

إلى جانب الرسم والعزف على البيانو والتصوير الفوتوغرافي الذي تعلمته من والدها. كما فازت بأول جائزة في الكتابة قبل انتقالها إلى مرحلة الثانوية. وضمن تصميمها لتكون كاتبة التحقت بجامعة ويسكنسون، حيث بدأت باكتشاف الكتاب الحداثيين أمثال فرجينيا وولف، وفولكنر وييتس.

وابتداء من عام 1936 بدأت بنشر قصصها القصيرة في المجلات، وعلى الرغم من الرفض السلبي لعدد من المجلات، استمرت في الكتابة. وبعد عامين اختيرت قصتها القصيرة «ليلي دو والسيدات الثلاث» كأفضل قصة قصيرة، وكذلك الأمر في العام التالي عن قصتها «ستارة من اللون الأخضر».

وحينما وقعت عقدا مع وكالة ديارمويد راسل للآداب في نيويورك عام 1940، بدأت قصصها تنشر في أهم المجلات، وبعدها بعام نشرت مجموعة قصص قصيرة، مما أهلها في عام 1942 للفوز بمنحة لدراسة الأدب الخيالي. وحينما بلغت السادسة والأربعين من العمر، تحتم على إيدورا رعاية عائلتها وترك العمل جانبا. حيث عانى كل من أخويها الأصغر منها سنا من الروماتيزم في حين أصيبت والدتها بالشلل.

عادت إلى مهنتها مجددا، بكتابة روايتها «معارك خاسرة» التي نشرتها دار راندوم هاوس في ذات العام، وحققت نجاحا كبيراً لاسيما بعدما رشحت لجائزة الكتاب الوطنية. واستمرت إيدورا في حصد الجوائز وعلى رأسها جائزة بوليتزر عام 1971 عن روايتها «الابنة المتفائلة». كما حازت على ميدالية الحرية التي قدمها لها الرئيس السابق جيمي كارتر في احتفال رسمي عام 1980.

وفي السنوات الأخيرة من حياتها تدهورت حالتها الصحية بسبب إصابتها بالروماتيزم، وكان آخر كتاب لها «مذكرات ويتلي ـ بدايات كاتب ما». وتوفيت إيدورا وهي في الثانية والتسعين من العمر في 22 يوليو عام 2001، بعدما حققت شهرة واسعة سواء على صعيد الأدب أو التصوير الفوتوغرافي حيث حازت على العديد من الجوائر. وجدير بالذكر أنها أول كاتبة على قيد الحياة يضم اسمها إلى مجموعة نخبة مكتبة أميركا.

تميز أدبها بصورة عامة بتحويلها لما هو عادي ومألوف إلى أسطورة، وبأصوات الشخصيات العديدة التي ابتكرتها في قصصها، واختلافها تبعا لخلفية كل منها وخصوصية تجاربها. وتعتمد في جميع أعمالها على العلاقات الإنسانية وتشابكها. ومن خلال هذا التمهيد يمكن الولوج إلى روايتها «الابنة المتفائلة» التي اعتبرها النقاد في حينها من معجزات الأدب، لاختزالها في اللغة وعمقها في تناول شخوصها.

تبدأ الرواية حينما تغادر البطلة لوريل هاند شيكاغو مقر عملها كمصممة، للالتحاق بوالدها في مستشفى في نيو أورليانز، وهو قاض في الواحد والسبعين من عمره. كان عليه أن يجري عملية عاجلة لعينه المصابة. وفي المشفى تلتقي لوريل الأرملة التي توفي زوجها في الحرب العالمية الثانية، بزوجة والدها الثانية فاي التي تصغرها سنا. منذ البداية تشعر الابنة بالنفور من تلك الشابة المستهترة السوقية في سلوكها والقادمة من تكساس.

ونظراً للتناقض بين عالميهما يبدأ تواصلهما بحرب معلنة. ولكون هذه الحرب تتمثل في القيم والمبادئ، فإن هذا الصراع ينسحب على لوريل وقناعاتها الشخصية. فهي للمرة الأولى في حياتها تجد نفسها مجبرة على إعادة النظر في مثلها. وعلى الرغم من نجاح العملية فإن صحة القاضي تبدأ بالتدهور، وفي حين تجلس لوريل برفقته وتمضي الوقت وهي تقرأ له من كتاب معها، فإن زوجته تبدأ بالتذمر لعدم تمكنها من مشاهدة كرنفال نيو أورليانز الذي وعدها زوجها فيما مضى برؤيته.

وتدرك لوريل بأن عصبية فاي وعدم قدرتها على التحكم بأعصابها قد أساءت لصحة والدها وسرعت في موته، وفي ذات الوقت تكتشف بأن قراءتها لوالدها كانت بصورة ما لتمضية الوقت مع نفسها. وتعود الشابتان إلى بلدتهما في المسيسبي مع جثة من كان والدا وزوجا. تجد لوريل في استقبالها في محطة القطار صديقات طفولتها وبعض الزوجات من أصدقاء العائلة.

وحينما تغادر فاي إلى تكساس لبضعة أيام قبل مراسم الدفن، تختلي لوريل بنفسها وتعود إلى ذكريات الماضي. وفي كل غرفة ومع كل قطعة أثاث تستعيد ذكرى جديدة من الماضي البعيد. تستعيد ذلك الحب الكبير الذي كانت محاطة به من قبل والدتها بيكي قبل وفاتها ووالدها، ومظاهر الحياة المثالية التي نشأت فيها.

وحينما تتردد عليها الصديقات والجارات ويبدأن بنقد زوجة أبيها، والتقليل من شأنها، تشعر لوريل بأنها غير قادرة على مجاراتهن على الرغم من رفضها لها. وما يزيد من تأزمها حوارهن حول ضرورة انتقال ملكية بيت والدها الذي نشأت فيه إليها، وبأن احتمال حصول فاي عليه بمثابة كارثة لها ولسكان البلدة.

وحينما تعود بيكي برفقة عائلتها الفوضوية، تأخذ مراسم الدفن طابعا ساخرا بتناقضاته. وتأتي المفاجأة الكبرى حينما يؤول بيت العائلة إلى زوجة أبيها، مما يجعل لوريل تعيش متاهة أكبر مع نفسها، لاسيما لإدراكها بأن فاي ليست إنسانة شريرة بقدر ما هي حمقاء وغير قادرة على التفكير بما يتجاوز حاضرها وما يستهويها في اللحظة.

وتتفاقم الأمور، ويتصاعد الجدال والمشاحنات بين المرأتين لينتهي الأمر، بأن تمسك لوريل بلوح الخشب المحفور الذي نحته زوجها وأهداه إلى والدتها فيما مضى وبدلا من رميه وإصابة فاي، تبدأ بتأمل اللوح وما اعتراه من تآكل وإهمال. وفي تلك اللحظة تقول لها فاي، بأنها لا تعرف كيف تقاتل ولم تقاتل، حينها تدرك لوريل بأن انتصارها لا معنى له أمام جهل تلك الإنسانة.

وتأتي لحظة التنوير في أعماق لوريل عند تعي بأن كلتيهما امرأتان وحيدتان في الحياة والمنزل لن يغير الحقيقة فهو تماما مثل اللوح، وما تملكه في داخلها من قناعات ومثل هي ما سيبقي معها دوما. وهكذا تهدأ بصورة مفاجئة وتصل إلى مرحلة التصالح مع نفسها ومع الماضي وتدرك بأنها استطاعت تجاوزه، وباتت قادرة على المسير باتجاه المستقبل، وعليه تركن اللوح الخشبي جانبا وتغادر البيت إنسانة أخرى.

===============

رشا المالح

rmaleh57@hotmail.com