
قصة قصيرة
طارق الأحمدي
خرج
صباحا
من منزله قاصدا عمله وهو يحمد الله الذي حفظه سالما طول الليل.
ركب دراجته
النارية بعد أن وضع الخوذة بإحكام ولبس قفازيه وسار نحو المصنع يمنّي النفس
بيوم
سعيد ومثمر
.
كانت الدراجة تنهب الطريق وتطوي المسافات وهو يروّح عن نفسه ببعض
الترنيمات أو يستعيض عنها بالتصفير.
فجأة لمح ضريرا يقف على الحافة يلوح بعصاه
للسيارات المارة ولا يجد من يهتم لإشارته.
آلمه حاله فضغط على المكابح وانعطف
قليلا إلى اليمين بعد أن التفت وراءه نصف التفاتة وتوقف جانبه ونادى عليه:
-
مابالك يا أخي؟ هل من خدمة أقدمها لك؟
تقدم نحوه وهو يتحسس بعصاه ما يمكن أن
يعيق طريقه, ثم قال في ضيق:
-
قد خذلني ابن أخي لما تركني هنا وحيدا بعد أن تعلل
بشأن يقضيه وذهب ولم يعد.
-
لا حول ولا قوة إلا بالله.. جيل اليوم لا فائدة ترجى
منه.
-
وكيف ألومه وقد جعلت منه مرشدي وأرغمته أن يقيّد شبابه بعجزي, ويسجن
حريته بعماي؟
-
لا تقل هذا يا رجل. فكلنا عاجز وكلنا في حاجة إلى الغير.
ثم
استطرد:
-
اطمأن يا أخي. سآخذك إلى وجهتك ولن أرحل حتى تجد من يعيدك إلى
بيتك.
شكره وأثنى عليه, ثم اعتذر له:
-
لا تشغل بالك كثيرا بي وواصل طريقك,
فهو لن يغيب أكثر مما غاب.
احتجّ بنخوة الكريم:
-
عيب ما تقوله يا رجل.
فوالله لن أتركك وحيدا.
-
إنك تهدر وقتك معي, وستتأخر عن مشوارك.
-
مشواري هو
مشوارك.
استقر الاثنان على مقعد الدراجة, وسارت بهما مرة أخرى تقطع الطريق
وتطويه.
صاح الضرير طربا:
-
ما أسرعها, كم وودت لو قدت واحدة مثلها.. مارأيك
لو تتركني أجربها؟
ثم ضحك حتى قهقه وأردف:
-
أعمى يقود دراجة .. يا
للروعة.
-
وأي طريق سيسعك؟
-
بل أي مقبرة ستحضنني.
فجأة صاح الضرير
متوسلا:
-
عصاي.. عصاي.. أرجوك توقف...
ومباشرة سحب المكابح فأزّت العجلة
الأخيرة وأحدثت صريرا متواصلا حتى توقفت نهائيا, ثم أدار المقود وهمّ
بالرجوع إلى
حيث وقعت العصا, لكنه استوقفه راجيا.
-
قد آلمني ظهري وأخشى إن عدت معك أسقط ولا
تشعر بي.
-
والحل؟
-
سأنتظرك مع الدراجة حتى تعود.
-
وإن فقدت توازنك
ووقعت بك ؟
-
لا تخف. سأمسك بالمقود حتى تعود.
-
أَوَ تقدر على ذلك؟
-
سأجرب.
أرخى رجليه حتى اصطدمتا بالأرض وكوّن بهما توازنا لنفسه وللدراجة.
-
هكذا أطمئنّ.
وجرى في الاتجاه المعاكس ليعود بما سقط من رفيقه, ولكنه توقف
وعلامات العجب والحيرة بادية عليه.
رأى دراجته تنهب الأرض في اتجاهه والضرير
قائدها.
اقترب منه حتى قابله من الجهة الأخرى وصاح فيه.
-
ألم أترجاك أن
تواصل طريقك وتتجاهلني؟
- .................!!! !!!!!!!!
-
تلك العصا هدية
مني إليك علها تنير بصيرتك.
وتجاوزه وهو يقهقه.
وبقي الرجل واجما يبحث عمن
يخبره حقيقة ما وقع
*طارق الأحمدي – تونس
منتديات المنابر الثقافية
http://www.mnaabr.com/vb/newreply.php?do=newreply&p=253981
11/6/2009
تعقيب
أخي المبدع طارق
يا له من لص ذكي
و يالك من مبدع
لقد شدتني قصتك الطريفة
حتى الحرف الأخير
سلمت أناملك و دمت متألقا
نزار