|

قصة

خالد السروجي
alsrogy2002@yahoo.com
القصة السورية
كيف
استطاعوا الوصول إلى هذه الخرابة ؟! ألح هذا السؤال على خاطره بعد أن ودع الرجل
وأغلق الباب خلفه .
المرأة والعيال لن يصدقوا أنهم سيرونه فى التليفزيون . صحيح أنه أبيض وأسود
ولكن صورتها ستكون واضحة ، وسيتعرفون عليه بسهولة . لن يلوح لهم بيده كما يفعل
جمهور كرة القدم ، إنما سيجلس بوقار يتناسب مع بطل . لقد أنسته السنوات ومتاعب
الحياة أنه بطل . قام يعبث فى أحد أدراج الدولاب . أخرج صحيفة اصفر ورقها . نظر
طويلاً إلى صورته وإلى اسمه المكتوب تحتها . وحكت أيضاً عن ساقه التى بترت فى
الحرب وكيف لم تقعده عن الرغبة فى مواصلة القتال ، لولا أن أجبروه على الكف .
شعر بالسخونة فى ساقه المبتورة ، وكأنها قد بترت الآن ، وأحس بسخونة الدم
النازف. واستعاد الإحساس القديم بأنه على استعداد أن يفقد ساقه الأخرى فى سبيل
أن يروى غليله من اليهود. كان على استعداد لأن يفقد ألف ساق . ولكن ما أدراك
بفقد ساق واحدة ، وعذاب المهانة بها فى المواصلات والزحام .
وعدوه بسيارة معاقين ، ولكن مضت السنوات ولا شىء يأتى. فى هذه الخرابة لا تأتى
سوى المرارة ، وأيام متشابهة ، وامرأة لا تمل من المطالبة بالمال . المرتب شحيح
، ولولا كشك السجائر بعد الظهر ، لمات الجميع جوعاً .
ولكنه رغم كل شىء بطل . سيظهر فى التليفزيون ، ويحكى عن بطولات فى حرب النصر .
سيقول فى البرنامج أن ألف ساق ليست خسارة من أجل وطنه . وسيحكى لهم عن زملائه
الذين استشهدوا، وكيف تعيش أسرهم فى ضنك . سيطالب المسئولين بمساعدتهم . ولكن
قبل أى شىء لابد من ملابس جديدة لائقة للظهور فى التليفزيون . سيذهب إليهم بعد
الغد ، والأسمال التى يرتديها ربما جعلتهم يطردونه من على باب مبنى التليفزيون
. ولكن الظروف لا تسمح الآن بشراء الجديد ، والمرأة سليطة اللسان لن تسكت ولن
يرحم لسانها الحاد .
اقترب من المرأة فى تودد ، وحاول أن يمازحها توطئة لطلبه. وجهها الجهم أقنعه
بعبث المحاولة . طفت على وجهه ابتسامة ساخرة مريرة ، عندما جاءه خاطر أن الحرب
مع اليهود كانت أسهل من حربه معها من أجل النقود . قرر الدخول إلى الموضوع
مباشرة .
- الظهور فى التليفزيون يحتاج إلى ملابس جديدة .
- وما دخلى أنا بذلك ؟
- سأقترض من مصروف المنزل حتى يفرجها الله .
- المصروف يكفينا بالكاد .
- أعدك برد المبلغ سريعاً .
- لست على استعداد لأن يجوع " عيالى " بقية الشهر من أجل ملابسك الجديدة
حاول معها بشتى الطرق ، لكنها كانت صلدة كصخرة . يأس أخيراً من الاستمرار فى
الكلام . قرر أن يكف عن محاولاته ، ويبحث عن طريق آخر .
تذكر شقيقه الأكبر . رجل ميسور الحال . لن يمانع فى إقراضه المبلغ المطلوب ،
ولن يطالبه سريعاً برد المبلغ .
عندما عاد من عند شقيقه ، أخفى المال عن عيون المرأة . قرر أن يشترى الملابس فى
الصباح . ستفاجئ حتماً بالملابس الجديدة ، وستسأله عن مصدر المال ، ولن يريحها
بالإجابة .
فى يوم التصوير ، أخذ إجازة من العمل . ذهب إلى الحلاق ، وعاد عريساً . حدث
نفسه وهو ينظر فى المرآة أن المرأة لو لم تكن تعلم بذهابه إلى التليفزيون ،
لظنت أنه سيتزوج عليها اليوم . ولكنه اليوم بالفعل عريس ، أليس هو البطل الذى
سيتحدث فى يوم النصر .
عندما عاد من التليفزيون ، كان سعيداً . جلس يحكى للمرأة والأولاد ما قاله فى
البرنامج عن المعارك والبطولات والشهداء ، وأيضاً الدبابات الكثيرة التى دمرها
. وحكى أيضاً عن ساقه التى بترت وكيف بكى عندما منعوه من مواصلة القتال . أخبر
المرأة أن البرنامج سيذاع الأسبوع القادم .
فى ليلة إذاعة البرنامج ، اشترى لهم " اللب " وزجاجات المياه الغازية . لم ينس
إخبار كل من يعرفهم بموعد البرنامج . حرص على أن يفتح التليفزيون قبل موعد
البرنامج بأكثر من ساعة . لأول مرة فى حياته يشعر بالندم لأنه لا يملك تليفزيون
ملون ليرى نفسه وملابسه الجديدة بالألوان الطبيعية .
عندما بدأ البرنامج أمرهم جميعاً بالإنصات وعدم الكلام . فهم من سير البرنامج
أن هناك ضيوف آخرين . أسهبت إحدى المطربات فى الحديث عن دورها فى المعركة
بالأغانى الحماسية التى رددها الشعب والجنود . وتحدث ممثل شهير عن فيلمه الذى
مجد فيه الانتصار ، وعن ضرورة قيام الدولة بتمويل فيلم عن الملحمة العظيمة يليق
بحجم الانتصار . وتحدث أحد الضيوف العرب عن تأثير الانتصار على أسعار البترول ،
وعن معركة البترول التى شارك فيها كل العرب . ثم شعر بالاضطراب عندما رأى صورته
تظهر على الشاشة . احمر وجهه ، وزاد إيقاع ضربات قلبه . قبل أن يفيق من سكرته ،
كان ضيف آخر يتحدث .
فوجئ أن حديثه لم يستغرق أكثر من ثوانٍ . وبكثير من الغضب اكتشف أن حديثه قد
بتر . لم يأت حديث البطولات ، ولا حكايات الشهداء ، وربما لم يلحظ أحد ملابسه
الجديدة .
استند على عكازه ، ومتثاقلاً قام يغلق التليفزيون ، وهو يشعر بآلام حادة تجتاح
ساقه المبتورة . |