مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 الأسيـرة

قصة

 جواهر الرفايعة

           انتابتني حالة من الهَوس المباغت عندما سمعت طرقاً على الباب… انتفضت كقطة مقرورة… ازداد الطرق وازدادت ضربات قلبي، يد هائلة تدق رأسي، كانت أمي تعدّ العشاء وأنا وأخوتي الستة نتكوم على المقاعد بانتظار الطعام، نظرتُ إليهم. لا يبدو أنّ ثمة شيئاً غير طبيعي، اقتربت من أختي الكبيرة وهمستُ لها:
- الباب…!.
- ستأتي أمي وتفتحه، وصمتتت متشاغلة بشيء ما.
قرقعة ما في زاوية، طبق يسقط على الأرض ويتفتت، رنين الهاتف… كلها تخرس أنفاسي وتكتم حواسي جميعها قأصير جثة، مجهولة الملامح، ترتجف في مكانها… تنز مسامات جلدها عرقاً بارداً لزجاً، تتنمل أطرافها وتشخص عيونها إلى بقعة ما في الكون،، لكلّ الأصوات في نفسي دنيا من الرهبة والرعشة، خائفة… خائفة، في كل الأحوال.
زاغ بصري وتلفّتُ حولي… سقطت أوراقي وكتبي حين صادفني شاب في الشارع وسألني عن أخي، تبعثرت… حاولت أن ألملم نفسي قليلاً: لا أدري، لا أدري.
وركضتُ بسرعة كبيرة، إلى البيت وأنا أسمع وقع خطوات كثيرة مختلفة، تتبعني وعندما وصلتُ غرفتي، أوصدتُ الباب جيداً، وارتميت على السرير بارتياح، لماذا تثير فيّ ولادة الأشياء شهية الموتت، رغبة في الانسحاق وسط عوالم مُبهمة، وهذا الذي يقرع الباب لا بدّ وأنّه ضيف، أكره الضيوف، أحس أنّهم مردة يخطفون هدوئي ويستنزفون أعصابي المهترئة، ضيف… إنسان لماذا أخفا؟… دمم ولحم… له أذنان، يسمع مثلنا… يبتسم… لماذا أخاف؟ لا، لا شيء غير عادي.
خطوات أمي تقترب من الباب قضمت أظافري، الألم ينبت في أصابعي النازفة شيء ما صلب بين أسناني، لفظته بسرعة وضممت يديّ إلى صدري… دلت امرأة طويلة بدينة، ترتدي ثوباً أسود… أسود، كالليل مخيفاً، حيث أمي المندهشة ودلفت إلينا… كانت كتلك التي تتراءى لي قبل أن يلفّني النوم بدقائق، بل هي، أُقسم أنها هي، أتخيلها تمشي عند رجلي في حركة رتيبة، ثم تهمّ بالانقضاض عليّ فأصرخ صرخة عالية مستغيثة فيهرع أخوتي وأمي ولا يجدون أحداً، أراها الآن ضخمة بحجم خوفي… تتعملق في روحي، يسري في أطرافي خدر سام، تتفرس المرأة في وجوهنا، تصمت هنيهات، تنتظر في وجهي ثم تقول بنبرة حادّة قويّة، كالرعد، كالريح، كالعاصفة:
أنت…!!.
يغادرني الخدر ويأخذني دوار بعد دوار، تلعثمت:
- ل…م…أ…ذ…ا، لماذا يا سيدتي؟.
نظرت إلى أُمي وابتسما فظننت أنها تريدني لابنها، قلت باستحياء:
- لا أريد أن أتزوج.
سحبتني بيدها الضخمة المكتنزة شوكاً، انتزعتني من عالمي، الليل في الخارج أخيلة تتناسل… تنوح بقسوة صفقت الباب خلفها وشدت قبضتها على أصابعي المرتجفة وسارت بي في بحر من العتمة…
في مكان ما ليس بعيداً كثيراً عن البيت، توقفتْ، لم تكلمني، لم أكن أراها… سواد في سواد، أحسها والظلام كتلة واحدة، ضغطتْ بكفيها على كتفي فافترش جسدي شيئاً صلباً بارداً، ضوء بيتنا يلوح من بعيد شاحباً وأنا أعرف الطريق جيداً، سمعتُ همهمة ثم خطوات تبتعد، تلفتُ حولي ونهضت، كانت تبتعد، الوحشة تداهمني، عاجزة… ضعيفة.
الكتلة السوداء على بُعد خطوات قليلة مني تمشي بخطى وئيدة، أنظر صوب بيتنا… الطريق مقفرة خالية من ومضة خافتة… انتظريني يا سيدتي… أنتحت بجنون، بهستيرية… بحرقة… أتبع خوفي، أتبعه، أتشبث بذيل ثوبها وفي أعماقي تصطخب أصوات وليدة عنيفة