الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

صفحة خاصة  

.

الاستاذ لطفي اللميع

قصة

عزام أبو الحمـــام*

 

 

       كان ذلك في صباح يوم مشمس، حينما سافر لطفي إلى القدس متوجساً في السبب الذي دفع المحامية الإسرائيلية للاتصال به، و طلب مقابلته في مكتبها، وظلّ طوال الطريق إلى القدس يتكهن و يُخمن في الأسباب لمثل هذا الطلب، ثم ما يلبث أن يتلهى عن ذلك بقراءة بعض الأخبار القصيرة في الصحيفة التي تناولها كعادته كل صباح، فقد كان حريصاً أيما حرص على شراء الصحيفة لأسباب عديدة... فقد ظل يشـعر في قرارة نفسهِ بأن هذه الصحيفة ستحمل له يوماً ما فرصتهُ الذهبية في عمل أو سفر...، و فوق ذلك كله، فقد كان على قناعة لا يتوانى عن التصريح بها، وهي أن هذه الصحيفة التي تلازمهُ هي الفارق الواضح الذي يميزه عن الآخرين، وهي الدليل الناصع على اهتمامه بالسياسة والثقافة أيضا، وبالرغم من أنهُ لا يقرأ من الصحيفة سوى بعضاً من عناوينها علاوة على الإعلانات التجارية وزاوية الكلمات المتقاطعة، وأخبار صالونات الحلاقة ان وجدت.
ولكنه مع ذلك يحرص أيضا على قراءة كل ما يكتب عن ذلك البلد البعيد "بولندا" الذي درس فيه على مدى سبع سنوات، ليحصل فيها بصعوبة بالغة على دبلوم القانون الدولي، وزاد عليها دورة في الحلاقة و"الكوافير "...
و عندما قالت لهُ المحامية بلكنتها العربية الثقيلة التي تشوبها العبرية:
- صديقك علي يهديك السلام، ويطلب منك الاعتناء، بما يرسلهُ لك من قصَائد شعرية، وهو يأمل بنشرها في الصحف باسم مستعار خشية مساءلته من قبل السجانين عن كيفية إخراج القصائد خارج المعتقل، وأنت تعرف المتاعب، أُستاذ لطفي.
عند ذلك تنهد لطفي الصعداء، لقد اتضح أن الأمر بعيداً كل البعد عن تكهناتهِ و توجساته، ولذلك فقد انطلقت ضحكته الطويلة المرحة التي تفيضُ فرحاً وحيوية، وصار في نفسه يستمتع بذلك البريق المتوقد في عيني المحامية الشقراء وهي تنقلُ له كلمات علي ورسائلهِ، ومرة أُخرى، يتأكد له بأنه رجل مهم ومميز وذو شأن في المجتمع، وخصوصاً في حقول السياسة والثقافة، والنباهة أيضاً.
* * * * * *
وعندما تحدث مع احد موظفي الصحيفة في انتظار مقابلة رئيس التحرير المسؤول عن النشر، كان قد غمرتهُ مشاعر الزهو والاختيال... وتوج رأسه بإكليل من الغار بعد أن قرأ الموظف قصيدتين من القصائد التي تكفلَ لطفي بنسخها بخط كبير وواضح على ورق ملون وأنيق، مما وضع القصائد في أطر تليق بها وبالربيع المتفجر فيها...وبالطبع، فهو لن يتطوع ليخبر ذلك الموظف عن كاتب هذه القصائد ، بل إنهُ عندما سألهُ عن مغزى الحروف التي وقعت بها القصائد، فقد قال له: إنني لا أحب أن انشر القصائد باسمي الصريح، وأفضلُ الحروف الأولى على ذلك، مما زاد من إعجاب الموظف به وبإيثاره وبإنكاره لذاتهِ.
في البداية، لم يكن يقصد ما آلت إليه الأمور، لكنهُ يكتشف أن اللعبة ممتعة ومسلية، بل ومفيدة، ولذلك وجد نفسهُ منساقاً فيها مع رئيس التحرير الذي راح يتمعن القصائد باهتمام واضح وإعجاب بائن بينونة كبرى.
قال رئيس التحرير: إنني لم أجد سبباً واحداً لعدم توقيع الرسائل باسمك الصريح، فالقصائد
تتحدث عن الحب والربيع والصباح .. وهي علاوة على ذلك في غاية الروعة كما الربيع الأخضر،،، ونحن في الصحيفة نفضل أن ننشرها باسمك الصريح... ما رأيك ؟
ما زال الأستاذ لطفي يرتشف فنجان القهوة بعناية فائقة بينما كانت عينا رئيس التحرير تنتظر الإجابة من وراء الإطار السميك للنظارة التي انزلقت قليلاً فوق أنفه ... وعندما لاحظ رئيس التحرير استغراق لطفي في عالمهِ الخاص حَرجاً أو تواضعاً، فقد أعتبر ذلك موافقة صامتة على نشر القصائد بالاسم الصريح، الاستاذ لطفي اللميع.
* * * * * *
لم يكن لطفي يتوقع هذا المستوى الكبير من النجاح الذي ستلاقيه القصائد، ولم يكن في أتم الاستعداد لمواجهة ردود الفعل المتنوعة التي انهمرت فجأة كما ينهمر البَرد، ولكنه من الآن فصاعداً، سيستخدم كل حذاقتهِ في التعامل مع ردود الفعل تلك، ولا بد لهُ من حل لهذه المعضلة التي لم يكن يتوقعها...
في الأيام الأولى، فكر في طريقة مناسبة يعتذر فيها أمام رئيس التحرير عن هذا الخطأ، سيعترف أمامه أن القصائد إنما لصديقه المحكوم بالمؤبد في سجن عسقلان العسكري، ثم سيتدارك الأمر في القصائد التالية التي يملك منها الكثير، ولا زالت ترد تباعاً بواسطة المحامية الشقراء. لكن ماذا سيقول لصديقه إذا ما اضطرتهُ الأيام لزيارته في السجن!!، ماذا سـيتوقع منه غير بصقه كبيرة في الوجه من خلال الأسلاك الشائكة التي تغطي نافذة الزيارة... لكنه على كل حال لن يستطيع ان يفعل شيئاً، وكيف له أن يعرف؟ وهو أكثر من ذلك محكوم بالمؤبد، وأي عملية تبادل للأسرى صارت مستحيلة في ضوء التعنت الإسرائيلي ،ويا الله السلامة؟.
ظلّ التردد في الأيام الأولى سـوطاً يلسع جلده صباح مساء، إلى أن كان ذلك اللقاء مع تلك الطبيبة الفاتنة التي تعرف إليها في عيادتها، قالت له: إذن أنت صاحب هذه القصائد الرائعة التي تقطر رحيقاً وتفوح عطراً!! كيف لشـاعر مثلك كل هذا الصداع الذي تشكو منه ..؟ لكنك الشاعر المرهف الحس، الصادق الانتماء... أرجو أن تواصل نشر قصائدك، وأرجو ان تستمر في زيارتي ليس كمريض، بل كشاعر وصديق...
عندما غادر العيادة، كان قد عزم في قرارة نفسه على الاستلقاء على شاطئ يجنبه هذه الأمواج التي ما انفكت تتقاذفه منذ نشر القصيدة الأولى، انه الشاطئ الدافئ الذي تتكسر عليه شمس نيسان المداعبة...
ومن الآن فصاعداً يجب عليه الاستعداد لهذه النزهة الممتعة، وعليه التدرب على السباحة ليتمكن من الغوص في أعماق الشاطئ والتقاط لآلئه التي تبرق امام عينيه، الآن يتذكر جيداً أيام وارسو وفنادقها الوثيرة، وحسناواتها الشقراوات، الآن يتشوق إلى الأيام المشمسة على شواطئ " ليبو " تلك البلدة البحرية التي لا يعرف أحضانها الدافئة وهمساتها اللاسعة سوى روادها الحالمين، سقا الله أيامك يا "ليبو" يا خدر الغواني الحسان ...
من الآن فصاعداً، عليه التدرب على ركوب الأمواج أو الانحناء لها لتعبر عنه سالماً، ومن يدري، فلعله من على هذا الشاطئ يستقل السفينة التي ستحمله إلى ذلك العالم الفسيح الذي طالما حلم به وترقب معرفة طريقه.
ويتواصل نشر القصائد التي راحت الصحف المختلفة تعيد نشرها تحت عناوين بارزة ثم ما يلبث النقاد والكتاب التعليق عليها بكثير من الإعجاب وقليل من النقد ، ويوماً بعد يوم تتراجع صيحات الاستنكار والتشكك التي حاصرته في الأيام الأولى لنشـر قصائده، فلم يعد يسمع تعليقات من مثل " تعيش وتلطش غيرها "من قبل أصدقائه وزملائه وأقرانه، أو من مثل "ما هذا يا ولد يا شاعر الغفلة !!" بل ازدادت تعليقات الإعجاب والإطراء، وخصوصاً بعدما قام بجمع قصائده في ديوان شعر أنيق أعاد طباعته عدة مرات، مما عاد عليه بأرباح لم يكن يحلم بها..
ولفرط ما كثرت مشاغل الاستاذ لطفي، فقد قرر استئجار مكتب في مكان مناسب من المدينة، وعين لذلك سكرتيرة بمؤهلات جيدة، وصار الاستاذ لطفي لا يتحرك إلا بمواعيد مسبقة ودعوات رسمية، ليتمكن من التوفيق بين مشاغله الكثيرة من صالون الحلاقة في القرية، إلى المقابلات الصحفية، ثم إلى الرد على استفسارات وأسئلة المعجبين والمعجبات، ومع كل تلك المشاغل، فقد كان الاستاذ لطفي حريصاً على تخصيص الوقت الكافي لزيارة الطبيبة فاتن التي فتنت باشعار الاستاذ لطفي.
* * * * * *
وبعد عدة شهور من نشر القصيدة الأولى، قرر الاستاذ لطفي التخلي عن صالون الحلاقة لأخيه الأصغر سناً، وقرر كذلك ترشيح نفسه لعضوية اتحاد الشعراء، ليس "حباً في الموقع، بل خدمة للموقف" مثلما أعلن ذلك الاستاذ لطفي بكل ثقة وتواضع، ونزولاً عند ضغط أصدقائه من الشعراء والكتاب،والحلاقين ...
وبعد فوزه في إدارة اتحاد الشعراء بأسبوعين فقط، قرر عقد قرانه على الدكتورة فاتن، وقد دعى لذلك عدد كبير من أصدقائه الشعراء والسياسيين والمناضلين وأصحاب المراكز الهامة في المجتمع، وأقام لذلك حفلاً في أشهر متنزهات المدينة، وفي نهاية الاحتفال اسرَّ لبعض أصدقائه، انه ينوي ترشيح نفسه لرئاسة الاتحاد في الدورة القادمة.. فلم يجد إلا تصفيقاً وثناءً ومؤازرة ..
ومع انه فطن لصديقته المحامية خلال كتابته رقاع دعوات الحفل، إلا انه استبعد فكرة دعوتها إلى الحفل استبعاداً نهائياً، والسبب الوحيد لذلك، هو ما يتعلق بأمن الموضوع وسلامة الموقف، ولذلك فإن المحامية الشقراء سريعاً ما اقتنعت بصحة تبريره، ووعدتهُ أن تنقل تحياته إلى صديقه علي في أول زيارة لها إلى السجن، بعد ان سلمته عدداً من القصائد الجديدة ...
* * * * *
كانت الدكتورة فاتن، زوجة الاستاذ لطفي، من ذلك النوع الوادع الذي لا يترك دقيقة واحدة من يومه دون تخطيط أو إفادة، فقد كانت تصحو مبكرةً وتسرع إلى المستشفى، ثم تعود عصراً فتأخذ قسطاً من الراحة في حجرتها الخاصة، ثم تصحو مرة أخرى، لتجد الاستاذ لطفي منكباً على أوراقه فتجلس إلى مكتبها لتطالع كتبها العلمية والطبية، وكثيراً ما كانت تقطع ذلك لعلاج طفل أو امرأة أو رجل من جيرانها أو من أقاربها أو أقارب زوجها لجأ إليها، وكانت تقبل على ذلك بكل حماس وسرور، ثم تُصر على عدم استيفاء أي مال مقابل ذلك, وكانت تقطع خلوتها أيضا حالما تتلقى هاتفاً من المستشفى لحالات الطوارئ، أما مساءً فقد كانت تعد وجبة العشاء بنفسها، وكثيراً ما كان الاستاذ لطفي يعاونها في ذلك، فتجد الفرصة لمناقشته في اشعاره الجديدة، وتبدي رأيها في كل كلمة... وكان الاستاذ لطفي يقول لها حينما لا تسعفه مداركه: بأن الشاعر يقول والقارئ يأخذ ما يحلو له، ويتخيل ما يروق له، مثلما الناقد، يفسر و يحلل كما يطيب له، وهذا هو سحر الشعر يا حبيبتي .. فتقبله قبلة الإعجاب الغامر والحب الدافئ... ثم تحمد الله الذي منحها ما كانت تتمناه في رجل بمواصفات كاملة: جمال، حيوية، إحساس مرهف، وفوق ذلك كله، الثقة بالمستقبل وحب الناس والوطن والربيع والهواء والعصافير...
بعد مضي عام من زواج الاستاذ لطفي، سألته زوجته الطبيبة يوماً: لماذا لا تكتب الرواية يا حبيبي ...
فقال لها: سأحاول ذلك، لكن بعد ان أزور صديقتي المحامية ...

===============

*عزام أبو الحمام - فلسطين

azzam-mhd@hotmail.com

===============

تعقيب :

أخي المكرم عزام

نص رائع بكل المقاييس

لقد تسلق اللميع على أكتاف صديقه السجين

حتى لمع في ميدان الشعر

و سيطلب وشيكا منه

أن يتحول إلى القصة و الرواية

و سيتبوأ عرشهما أيضا

بينما المبدع الحقيقي في غياهب السجون الإسرائيلية

يا لها من مفارقة محزنة ..

سلم يراعك و دمت مبدعا

نزار