أدب

صفحة الأديبة رشا المالح الخاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

روايات خالدة

هكذا أطل الأب الروحي لفن الحداثة

 تأليف: ديفيد بليني براون

 

ترجمة و عرض و مناقشة : رشا المالح*

   يعد جوزيف مالورد وليام تيرنر من أعظم الفنانين الذين عرفهم العالم، وقد قوبلت أعماله خلال حياته بالاحترام والاستخفاف في آن، وهذا مؤشر على انتاجه المتجدد والمتنوع دوما إلى جانب إبداعاته سواء في الرسم أو تقنيات المواد والألوان. ويبين مؤلف هذا الكتاب ديفيد بليني براون، أحد الأمناء الكبار لمتحف صالة عرض «تيت» للفنون في لندن والمسئول فيها عن مجموعة الأعمال الفنية الخاصة بتيرنر، العوامل التي ساعدت هذا الفنان في حياته الفنية والشخصية على تقديم نتاج فني متنوع يتراوح بين الكلاسيكية .

والمدارس الفنية التقليدية وبين الحداثة، وتجاوز نفسه في الإبداع والتجديد الدائم. ونظراً لتجاوز إجمالي أعمال هذا الفنان 20 ألف عمل فني، فقد اختار المؤلف في كتابه الصادر عن دار تيت للنشر في 2002 في 176 صفحة من القطع الكبير، تقديم دراسته المتميزة من خلال الأعمال الفنية التي أوصى بها تيرنر لصالة العرض الوطنية والتي يبلغ عددها 125 لوحة رسمت بالألوان المائية والغواش والألوان الزيتية إلى جانب رسومات أولية ومخططات مبدئية للوحات رسمها في دفاتر خاصة برحلاته العديدة، داخل بريطانيا وخارجها.

ويركز المؤلف في دراسته على أهم انجازات تيرنر ولوحاته الاستثنائية سواء المرتبطة بمشاهد الطبيعة الساكنة أو تأثرها بعوامل الجو في أعنف حالاته وأكثرها وحشية، مثل العواصف وهيجان البحر، وانهيار الثلوج وتكسر الصخور تحت اندفاعها الهائل، وكذلك تصوير عجز الإنسان تجاه جبروتها، ومن ثم انتقاله إلى مرحلة الحداثة الأصيلة.

وهذا إلى الفنان الرومانسي الذي يتأرجح على الدوام بين العصور القديمة والحديثة من خلال عبوره المتكرر الفجوة الفاصلة بين القرن الثامن عشر والحداثة، يعتمد في مساره على دراسة متأنية وممارسة دؤوبة مع إعادة تفحص أعماله وابتكار أساليب وتقنيات جديدة. وقد عرف تيرنر خلال المرحلة من 1830 وحتى 1840 بالأب المؤسس للحداثة.

الوصية المثيرة للجدل

جدير بالذكر أن سبب احتفاظ صالة عرض متحف تيت بأغلب أعمال الفنان وأهمها، يعود إلى وصية تيرنر التي نصت على أن تؤول معظم لوحاته التي احتفظ بها إلى صالة العرض الوطنية في لندن، على أن يتم تمويل بناء صالة خاصة بأعماله من خلال ثروته المالية التي تشمل العديد من العقارات، وكان ذلك في عام 1856، وقد بلغت ثروته ما يقارب من 10 آلاف جنيه إسترليني، أي ما يعادل اليوم حوالي 11 مليون جنيه. كما اعترضت عائلته على تلك الوصية وادعت في المحكمة بأنه لم يكن بكامل قواه العقلية حين وثقها، ولم يعرف حتى اليوم ما آلت إليه القضية.

وتحفظ أعماله حاليا في صالة عرض كلور التابعة لتيت والتي صممها الفنان الراحل جيمس ستيرلنج، وافتتحت في عام 1987.

 

ولد تيرنر في لندن في 23 أبريل 1775، وقد دفعه حبه للغموض والسرية فيما يتعلق بحياته الشخصية إلى الزعم بأنه ولد في كنت وفي حين آخر في ديجون، ودفع الآخرين للاعتقاد بأنه ولد في 1769 أو 1770 أو 1772.

وهو ابن حلاّق نشأ في وسط لندن وكان يقوم بزيارات متكررة إلى أقارب والدته في جنوب انجلترا، نظرا لمرض والدته في عقلها، والتي أدخلت بسببه إلى مستشفى بيثلم وتوفيت فيه عام 1804.

ووفر له والده الاستقرار وشجع موهبته وساهم في بيع أعماله في محله، معتمدا على معارفه الكثر. وتمثلت بدايته المهنية بتكليفه من قبل المهندس المعماري توماس هاردويك المناصر للكلاسيكية الحديثة، بعمل عدد من الرسومات، التي أجادها تيرنر، مما جعله يتقن مهنة رسم المخططات في الطبوغرافيا (رسم الأماكن بتفاصيلها الدقيقة).

وقد أجاد عمله لدرجة جعلته مؤهلاً ليكون مهندساً معمارياً، إلا أنه في سن الرابعة عشرة انضم إلى مدرسة الأكاديمية الملكية للفنون إلى جانب عمله في استوديو رسومات الطبوغرافيا لدى توماس مالتون المختص برسم مشاهد لندن وكان ذلك في 1789.

وساعده عمله في الطبوغرافيا على تسديد رسوم دراسته في الأكاديمية، وكان في تلك المرحلة يعتمد تلوين الرسوم والمخططات بالألوان المائية.

اتسمت دراسته في الأكاديمية بداية في نسخ لوحات الفنانين القدماء مع مشاهد من الطبيعة، مما منحه الفرصة لتأسيس ملكة الرسم والتحكم بالألوان المائية، ومكنه لاحقا من رسم لوحات تأسر ألوانها المائية خيال المشاهد بتدرجاتها وتلاعبها بالضوء في أجواء الضباب والغيوم وانعكاسات نور القمر أو أشعة الشمس، ليمتد هذا التأثير لاحقا إلى شخوصه ومفردات الطبيعة كالبحر والصخور والشجر وغيرها. وفي نهاية عام 1790 تمكن تيرنر من امتلاك وتطويع أدواته وابتكار أسلوبه الخاص.

براعة مذهلة

برز فن تيرنر خارج إطار الطوبوغرافيا، من خلال مشاركته بأول لوحة له بالألوان المائية في معرض الاكاديمية الملكية للفنون وهو لا يزال في السنة الثانية، حيث أذهل أساتذته والآخرين ببراعته. أما مشاركته بأول لوحة له بالألوان الزيتية، فقد كانت في 1796، حيث سبقها تدربه على الألوان الزيتية مع الفنان المحلي لوثربرغ ومنه استقى أصول الفن الهولندي للقرن السابع عشر.

وقد حملت تلك اللوحة اسم «صيادون في البحر» ونالت إعجاب الجميع، فمشهد الصيادين وهم يصارعون مياه البحر في جو عاصف لا يشد انتباه العين فحسب، إنما يأسر أيضا الخيال والعواطف، وقد وصفها أحد النقاد في حينه قائلا: «إنها عمل من إبداع عقل أصيل».

انطلق تيرنر بعد ذلك في حياته العملية، وقد ساعده تميزه وتفرده الفني، الذي أثار اهتمام عدد كبير من علية المجتمع الأرستقراطي إلى استقباله في مجتمعاتهم كأحد الأصدقاء وهو أمر لم يكن مألوفاً في بريطانيا وأوروبا، حيث كان للفنان مكانة أدنى ولا يرحب به في المجتمع المخملي، ويماثله في تلك المكانة التي حظي بها الفنان غويا في اسبانيا.

وقد ساعدته استضافته من قبل كبار نبلاء المجتمع في قصورهم، مثل سير ريتشارد كولت الذي دعاه إلى قصره ستورهيد، على التعايش مع الطبيعة في الضواحي إلى جانب اطلاعه على أهم مجموعات اللوحات الفنية التي رسمها كبار الفنانين في العصور القديمة المتواجدة في ذلك القصر وغيره. كما شجعه سير هو خلال إقامته في قصره على رسم أول موضوع تاريخي وكان ذلك في 1789.

 وفي قصر أرستقراطي آخر في بيكورد في لندن، أحضر له الأخير من قصر التيري في روما لوحتين كبيرتين للفنان كلود، وقف أمامهما تيرنر بمشاعر متضاربة، ما بين السعادة بهذا الاهتمام والخوف من عدم مقدرته على نسخهما، مؤمنا بأن إبداع هذا الفنان يفوق قدرته الحالية على إتقان نسخة.

وقد تمخضت روح التحدي في تيرنر عن نجاح مذهل فاق جميع الفنانين الذين نسخوا لوحات كلود، مما ساهم في تعزيز مكانته كفنان في اللوحات الزيتية، والتي ترسخت من خلال قبوله كعضو مشارك في الأكاديمية الملكية وهو في الرابعة والعشرين من عمره، والتي توجت لاحقا بحصوله على العضوية الكاملة.

من الجدير بالذكر ان تيرنر عرف كرسام للمشاهد التاريخية لأول مرة في الأكاديمية الملكية في 1800، عندما عرض لوحته «الطاعون الخامس في مصر» والمعروضة حاليا في متحف إنديانا بوليس للفنون، أمّا لوحة «الطاعون العاشر»، فقد عرضت بعد عامين إلى جانب قيامه بتنفيذ عدد كبير من الرسومات لقلاع ومبان أثرية.

وللحفاظ على مكانته المميزة، رسم تيرنر لوحات كبيرة لموضوعات كلاسيكية، جعلت النقاد يقارنونه برسامين مبدعين من أمثال الرسام الفرنسي الكلاسيكي كلود وكذلك جنسبورو وحتى رمبرانت.

وفي العام نفسه، سافر تيرنر لأول مرة في حياته إلى فرنسا وجبال الألب، وذلك بدعم من أصدقائه المهتمين بالفن وجمع اللوحات، ومنهم اللورد ياربورو. ركز تيرنر لدى زيارته لمتحف اللوفر على أعمال الفنانين بوسان وتيتيان وسلفادور روزا ورمبرانت وريسلايل.

وبعد عودته من رحلته محملا بمجموعة دفاتر خاصة بدراسات لوحات متحف اللوفر منها لوحة تيتيان «تتويج المسيح مع ظهور توماس» ولوحة «الطوفان» لبوسان، وكذلك مشاهد الطبيعة في جبال الألب عكف في البداية على رسم لوحته الخاصة عن «الطوفان» في مرسمه، والتي عرضت في 1805، في صالة عرضه الخاصة مع لوحة «حطام السفينة».

وأتت لوحته «الطوفان» وغيرها بما يتوافق مع توقعات أصدقائه النبلاء، مما شجعهم على تمويل رحلته إلى ويلز وسكوتلندا حيث تجلى ولعه بأكثر عوامل الطبيعة وحشية مثل الجبال والشلالات والبحيرات التي تقترب من تجربته في جبال الألب.

وفي أحد دفاتر رسوماته عن سويسرا رسم شخوص وأزياء السويسريين وحركاتهم بصورة أمينة مميزة. كما وثق زيارته إلى باريس في دفتر آخر دعاه دفتر اللوفر، حيث وضع مخططات للوحات أهم الفنانين وأحبهم إليه مثل تيتيان وبوسان.

وزيارته لجبال الألب في 1802 منحته نبعاً لا ينضب لمواضيع لوحات كان يرسمها بين مشاهداته للطبيعة والخيال الخصب. وجدير بالذكر أن الفنان العالمي الأقرب إلى نفسه والمفضل كان كلود، وبدا ذلك واضحا في لوحاته التي رسمها عن الأسطورة والشخوص التاريخية، مثل لوحة «ديدو وإينياس» و«تهاوي امبراطورية كارامينيان» وعرضتا في الأكاديمية الملكة من 1815 وحتى 1817.

وفي 1808 عرض تيرنر لوحته الفريدة من نوعها «انهيار الجليد في جرسونز» تجسد قوة وعنف الطبيعة مع إبداء حدة وهيجان الانفعالات، كما عرض بعدها لوحة أخرى تاريخية باسم «عاصفة ثلجية» والتي تبين تغلب الطبيعة على جيش هانيبعل لدى عبوره جبال الألب.

وقد حققت له تلك اللوحة نجاحاً كبيراً، ومما زاد من مكانته في المجتمع، تزامن عرض اللوحة مع انهزام نابليون أمام عوامل الطبيعة لدى محاولته غزو موسكو. وأحس تيرنر لدى تبوئه تلك المكانة بالتزام ومسئولية تجاه وطنه.

بدأ اهتمام تيرنر الجديد بمواضيع الحياة البريطانية في الحقبة الأولى من القرن الجديد متجهاً نحو الحياة العملية والواقعية. فرسم لوحة تصور عمل الحداد في 1806 ولوحة «قرية السياسيين ويلسكي». وهاتان اللوحتان تركزان على جدال حاد بين الشخوص سواء في المساومة على السعر في لوحة الحداد أو على هدف ما في اللوحة الثانية، وتبنى في رسمهما أسلوب الهولنديين في تصوير أفراد الطبقة الدنيا في القرن السابع عشر.

وأقام تيرنر في منزله في عام 1803 صالة عرض للوحاته التي رسمها عن مشاهد في بريطانيا مثل «معركة ترافالجار» التي تعكس آمال ومخاوف البريطانيين، والظروف والتوقعات. كانت اللوحات متواضعة الحجم مقارنة بلوحاته التي عرضت في الأكاديمية. ومبادرته في إنشاء صالة عرضه الخاصة، لا يمكن تنفيذها إلا لفنان ذي شهرة واسعة، وكان دافعه عرض مجموعة لوحاته التي تعكس واقع بريطانيا في مرحلة الحرب.

وقد تبنى فيها أسلوب القرن السابع عشر الكلاسيكي سيما الفنان الهولندي البرت سايب، عوضا عن أسلوب عصر النهضة وأسلوب الباروك. كانت بحوره وحقوله وأنهاره التي أثارت إعجاب محبي الفن تستحم في الضوء الذهبي أو الفضي. كما غلف لوحاته بأجواء نور ضبابي مع تفاصيل دقيقة للحياة المعاصرة والصناعة، وتبعا لدراسة تيرنر الأكاديمية فقد كانت لوحاته تنبض بمواضيعها الحية وألوانه المشعة. وقد دعي تيرنر بلقب «الفنان الأبيض» لهيمنة الإضاءة على لوحاته.

وفي جولاته في إيفون عام 1811، رسم مشاهد من الطبيعة مع تركيز مكثف على الأشجار وضفاف الأنهار والصخور إلى جانب العناية بالشخوص والحيوانات، ومن أهم لوحاته في تلك المرحلة، لوحة «عبور البروك» ويذكر أحد أصدقائه بأنه كان دائم التردد بشأن بيع تلك اللوحة وذلك نظرا لرسمه فيها ابنتيه غير الشرعيتين.

خريف إيطاليا

حينما أدرك تيرنر تمكنه الكامل من الألوان المائية والزيتية، عاد ليرسم مشاهد الطبيعة بالألوان المائية بتأثيرات جديدة تمنح لوحاته غنى الطبيعة وكثافتها وعمق الانعكاسات الضوئية على المياه وبصورة فيها مقاربة من الألوان الزيتية.

ثم بدأ بدراسة جديدة لتقنية الألوان الزيتية في رسمه لمشاهد الطبيعة مع منح أشعة الشمس وضوح الألوان المائية وذلك من خلال تمييعها واستخدامها بصورة مخففة جداً على خلفية بيضاء. كما بات قادرا من خلال ضربة فرشاة واحدة تصوير ارتعاش أوراق الشجر.

مع انتهاء الحرب، انتهز تيرنر الذي بلغ أوج إبداعه الفني في الرابعة والأربعين من العمر الفرصة للقيام برحلة في الخريف إلى إيطاليا للمرة الأولى في حياته.

كانت إيطاليا تمثل لتيرنر التحدي الأكبر، ليس بأرضها وعراقة تاريخها وحضارتها فقط، بل لكونها منبع وجذور حضارة الغرب، والنموذج الأعلى للفن إلى جانب طبيعتها الأقرب إلى الكمال كما كان يراها.

عاد تيرنر في ربوعها تلميذاً من جديد، وتحاشى الاختلاط بحلقة الفنانين العالميين في روما، حاملاً معه في تجواله دفتر رسوماته وملاحظاته. وكرس اهتمامه بفن العمارة والأعمال القديمة أكثر من الطبيعة والأمكنة، إذ كانت روحه مقيدة بزخم المعلومات التي عليه استيعابها.

ومما لا شك فيه انه تأثر بطبيعة وأجواء البلاد، من خلال لوحاته المائية ومخططات رسوماته لبحيرة كومو والبندقية التي يقتصر أسلوبها الكلاسيكي في الرسم على أسس جمعية روما الفنية، ويبرز ذلك من خلال البريق الجديد والنقاء في ألوان لوحاته، حيث مزج المائي مع الجواش مما ساعده على إضفاء مؤثرات أكثر دفئاً سيما لمشاهد فترات ما بعد الظهيرة والمساء.

وأحس من خلال اندفاعه في استخدام الألوان الجديدة بأنه ولد من جديد. ولدى عودته إلى لندن تجلت انطباعاته من تلك الرحلة القصيرة التي لم تتجاوز الشهرين بصورة واضحة في لوحته «روما، من الفاتيكان»، والتي عرضها في الأكاديمية الملكية عام 1820. وحققت لوحته تلك قفزة نوعية عكست إبداعه الذي ارتبط بغزارة معرفته في الأدب والتاريخ.

ففي مركز اللوحة صورة رافائيل واقفاً مع عشيقته أو الموديل في أحد أروقة الفاتيكان التي كان يعمل على تنفيذها، بجانب أعماله وأعمال غيره من الفنانين، ويطل موقعه على أقواس مبنى بيرنبي التي بنيت لاحقا في ساحة سانت بيتر التي تمتد منها روما المؤطرة في نهاية اللوحة بالجبال البعيدة، حيث تدعو السماء المشعة والاضاءة فيها إلى شد الانتباه. ومن ظلال الرواق تبدو واقعية تيرنر في معالجة الفن والتاريخ وارتباطهما بالطبيعة. وربما من دون وعي منه تنبأ تيرنر بمستقبله الفني الكبير.

وفي 1827 أقام في بيت صديقه المهندس المعماري جون ناش في جزيرة ويت، ورسم لوحات زيتية ومخططات لرسومات عن تأسيس منطقة رجيتا الجديدة، والتي تمثل ازدهار الحياة العصرية والرفاهية إلى جانب لوحات تجسد مشاهد البحر بمختلف حالاته.

كانت إقامته في الضواحي في ضيافة أصدقائه مثل اللورد إيجرمونت دافعا ملهما لرسم المزيد من اللوحات والدراسات.

ودخل مرة أخرى في تجربة جديدة باستخدام الألوان المائية على أرضية زرقاء اللون للورق المقوى، مما منح رسوماته لغرف منزل صديقه تأثيراً غنياً في الإضاءة المنبعثة من نار المدفأة أو شعلة المصباح ومشاهد غروب الشمس الساحرة في حديقة بيتورث.

وانسحبت شهرته كفنان على مجال فن الحفر المرتبط بالطباعة، والذي ازدهر في عالم النشر، سيما باستقرار الوضع الاقتصادي الذي ساعد ابناء الطبقة الوسطى على السفر بين مختلف دول أوروبا، ما تطلب طباعة الكثير من الكتب السياحية المرفقة بصورة الامكنة وطبيعة كل بلد.

ومع ازدهار أدب الرحلات، سواء على صعيد السفر أو الروايات إلى جانب ظهور النشرات الدورية، عاد تيرنر إلى بدايته الأولى كمصمم ورسام طوبوغرافي.

ونظراً لعمله في الطبوغرافيا فقد كان اهتمامه بها كبيراً، وقد برز ذلك لدى تقديمه محاضرات عن دراسة المنظور في الأكاديمية الملكية واستعان برسوماته التي أعدها فيما يتعلق بنماذج الفن المعماري، مثل لوحته «داخل ضريح بروكلسبي» المرسومة بالألوان المائية، والتي تمثل القاعة الكبرى للأكاديمية في منزل سومرست.

أما لوحته «سرداب دير كريستال» فقد كانت وثيقة تاريخية وفنية لفن العمارة حينها، حيث تبدو الأقواس المتكررة والمتناظرة بمساحات محسوبة بدقة. وقد حظيت تلك اللوحة بإعجاب الجميع مما دفع إحدى زوجات النبلاء إلى اقتنائها.

وفي 1826، طلب منه صديقه سمويل روجير، المصرفي والشاعر، أن يعمل على رسومات لديوان شعره، طامعا في تحقيق النجاح لكتابه. أبدع تيرنر في تلك الرسومات سيما بما تختزنه ذاكرته من مشاهدات للطبيعة المقترنة بشغفه الكبير بالشعر والأدب.

ساهم النجاح الساحق الذي حققه ديوان الشعر، في تأكيد مكانة تيرنر البارزة في هذا الفن، وقاده إلى المشاركة في العديد من الكتب الخاصة بأهم الشعراء سواء الأحياء أو الأموات منهم، وذلك مثل وولتر سكوت، وميلتون وبيرون وغيرهم الكثير.

وقد ساهمت أعماله تلك في توثيق تاريخ ازدهار صناعة الطباعة في لندن، إلى جانب إضافته وتطويره لتلك الصنعة باستعمال رقائق معدنية متنوعة سعيا للحصول على طباعة نقية ذات حساسية عالية لإظهار الضوء وتدرجات الألوان، واستمر تيرنر في عمله كمصمم ورسام طوبوغرافي طوال عام 1830.

أمير الصخور

عاد تيرنر لزيارة إيطاليا للمرة الثانية في 1828، وذلك من خلال إقامته معرضا للوحاته فيها. وقد قوبلت لوحاته برفض واستهجان أسلوبه واعتبار أعماله ذات الأسلوب الانطباعي الجديد غير منتهية من وجهة نظرهم، مما دفع عدداً منهم إلى السخرية والاستهزاء به. وقد بدا واضحا بأن أسلوبه الجديد استعصى على فهم وإدراك الفنانين من مختلف الجنسيات ولا سيما الألمان والنمساويين والفرنسيين.

ساعدت تيرنر قراءاته المكثفة وتواصله مع أصدقائه التي انعكست من أهم المفكرين والأدباء والفلاسفة والسياسيين على توسيع آفاق فكره وإثراء معرفته، التي انعكست من خلال تقديمه لوحات ذات مواضيع تتضمن أبعادا على صعيد التاريخ والسياسة والفن، إلى جانب كونها دافعاً ليكون معاصراً لزمنه ومطورا لأسلوب فنه سواء باتجاه الحداثة أو الماضي.

ويذكر أحد زملائه الذي تمكن من مراقبته، وهو يرسم في بعض الأحيان، ان جميع الرسومات المائية المعروضة، كان تيرنر ينجز كل واحدة منها في يوم واحد فقط.

وتمثل أسلوب عمله بشد الورق المقوى على لوح خشبي وتثبيته ثم ترطيب ورق اللوحة بالماء، وقبل أن يجف ينزل الألوان عليها آخذا في الاعتبار التدرجات اللونية وكثافتها إلى جانب الإضاءة والظلال، ليعود بعدها إلى التفاصيل التي تتطلب دقة أكثر. كان ينجز العمل بسرعة مدهشة ومهارة عالية.

شملت رحلاته جميع أنحاء أوروبا ووصل في رحلته الأخيرة عام 1833 إلى البندقية مجددا، حيث أثرّت فيه تلك المدينة وانعكست على فنه من خلال تحرير أجواء لوحاته وتنقية ألوانها المائية ووصولها إلى شفافية كريستالية، لم يصل إليها احد من قبله.

ومعظم لوحاته المائية التي رسمها في 1840 كانت مستوحاة من زيارته للبندقية، التي تجول فيها وفي مدن وبحيرات سويسرا بروح السائح.

وبدأ بعد زيارته تلك بتسويق مخططات رسومات للوحاته خاصة بمشاهد من طبيعة سويسرا، كان يعرضها على معارفه والمهتمين باقتناء وجمع اللوحات، ليقوم لاحقا برسم اللوحات التي يطلب منه إنجازها بناء على تكليف من زبائنه.

إلا أن تجاوبهم معه بعد رحلته هذه كان أقل من توقعاته، وذلك بسبب أسلوبه الحديث في الرسم الذي قوبل بالدهشة من أكثر المتحمسين لفنه، لكونه وصل إلى حد من الإتقان وبالتحديد الاختزال بزّ فيه معاصريه بمسافة شاسعة وبدا إتقانه أو أسلوبه الجديد أكثر غرابة لهم لكونه غير مألوف لديهم.

إن ما حققه تيرنر من نجاح ومكانة متميزة خاصة به يعود كما ذكرنا إلى اهتمامه الدائم بإعادة النظر في فنه وتجديده المستمر من دون توقف. وتيرنر فنان لا يقيّم إلا بأعماله ذاتها من دون أية أوجه مقارنة مع معاصريه، فهو دائم الرفض لأسر نفسه في أسلوب أو نمط محدد للوحات سواء في موضوعاتها أو تقنياتها إلى جانب المؤثرات الأخرى.

كما عرف عن تيرنر في المرحلة الأولى من حياته الفنية، ولعه برسم الصخور مما أكسبه لقب «أمير الصخور»، وذلك حينما كان يعيش بين أكسفورد وبريستول ولندن خلال عام 1791 ومعتمدا كما ذكرنا على الألوان المائية، حيث رسم مجموعة مكونة من 12 مشهداً لنهر آفون، آخذا في الاعتبار بيعها تجارياً.

ورغم أن تيرنر نشأ وعاش في لندن، إلا أنه نادرا ما رسم لوحات لمعالم المدينة الداخلية. ومن أهم ما رسمه كان في اليوم التالي من تهدم مبنى بانثيون في شارع أكسفور، وجسدت لوحته تاريخ تلك المرحلة بصورة فنية مؤثرة، وكان عمره حينذاك 17 عاما.

وقد رسم تيرنر صورة وجهه كإشارة إلى اكتمال مراحل تدريبه واختياره كعضو في الأكاديمية الملكية التي تخرج منها في نهاية 1799. وتعتبر لوحة نادرة نظراً لأنه لا يحب مظهره كما منع الآخرين من رسمه.

وعلى هامش الكتاب، نود التأكيد بأنه لا أدل على أهمية أعمال تيرنر الفنية أكثر من حادثة سرقة لوحتين له من معرض أقيم في فرانكفورت عام 1994، تقدر قيمتهما بنحو50 مليون جنيه استرليني. وقد أعيدت اللوحتان اللتان يرجع تاريخهما إلى القرن التاسع عشر وعرضتا لأول مرة عام 1843، إلى بريطانيا خلال شهر يناير من العام الماضي من دون اطاريهما الأصليين ولكن في حالة جيدة، ووضعتا في مكانهما السابق في صالة العرض في معرض «تيت» للفنون.

وذلك بعد مضي ثماني سنوات من البحث الدائم عنهما على نطاق أوروبا. كما انفق القائمون على المعرض مبلغ 35 مليون جنيه استرليني في البحث عن اللوحتين المفقودتين باستخدام جزء من قيمة التأمين البالغة2 مليون جنيه استرليني التي حصل عليها مقابل اختفائهما. وذلك تبعا لتصريح مدير معرض تيت، السير نكولاس. علما بأن اللوحات التي تحمل العناوين «الظل والظلام: أمسية الطوفان»، و«الضوء واللون الصباح التالي للطوفان»، تعتبر من ضمن أهم أعمال تيرنر الفنية الحديثة.

كما كرست مكانة هذا الفنان في العصور الحديثة من خلال جائزة تيرنر للفنون، وهي تعادل حالياً في أهميتها من بريطانيا جائزة الأوسكار. أنشأ تلك الجائزة في البداية القائمون على صالة عرض تيت للفنون في 1984 دعماً للفن الحديث، وتبلغ قيمتها 000,20 جنيه استرليني، وتمنح سنويا للفائز عن أعماله الفنية التي قدمها طيلة العام، ولمن هم دون الخمسين من العمر. وقد اكتسبت تلك الجائزة أهميتها وشهرتها الواسعة وبعدها الإعلامي، بعد رعايتها من قبل قناة التلفزيون البريطاني 4 ابتداء من عام 1991.

===============

رشا المالح

rmaleh57@hotmail.com