
ق ق
ياسمين عبد الله*
حاولنا
، على قدر استطاعتنا ، أن نعتني بأمنا الحبيبة
.
لقد تنقلت بين بيوتنا
–
نحن أولادها الخمسة وابنتيها الاثنتين – وما كنا لنضيّع تعبها
السنين الطوال ؛
سهرها على راحتنا وتحملها ضنك العيش والفقر -هي وأبي رحمه الله
-من أجلنا فــ نكون
كما نحن الآن:
أنا مهندس مدني ، عمري الآن أربعون عاما ، إخواني الأربعة ،
معلمين والثالث لم يفلح في دراسته لكنه رجل أعمال ناجح والرابع
طبيب جراح.
كما
ترون ، لقد تعبت أمي من أجلنا حتى أصبحنا نحن ، ومستحيل ،
مستحيل أن ننساها أو
نبخسها حقها ، إنها أمي الحبيبة ، أمي أيها الأعزاء.
كانت بداية انتكاستها يوم
كسرت ساقها ورقدت في السرير لا تستطيع الحراك ، وقد اعتنت بها
زوجتي أيما اعتناء
مما جعلني أعجب من كلام الطبيب حين زارها وقال أن لا فائدة من
قدمها الآن ، وإنها
لن تستطيع المشي مرة أخرى لأنها أهملت العلاج الطبيعي
.
سامحك الله يا أمي ،
تقولين أن أحدا لم يأخذك للمستشفى ! وأنك كلما قلت لأحدنا كان
إما مشغولا أو في سفر
، سامحك الله يا امي
!
كان عليّ أنا -بحكم أنني الابن الأكبر- أن تبقى في منزلي
، وأن أعتني بها ، لكنه الطبيب مرة أخرى ، في زيارته الثانية
قال بوجوب تحويل أمي
إلى المستشفى لوجود تسلخات وتقرحات في الجلد في مناطق في جسدها
.
مرضٌ غريب
...هه؟
نعم ، لا أعلم كيف حدث هذا المرض لأمي الحبيبة
!
أدخلناها المستشفى
الحكومي ، وكنا كل يوم نتجمع وزوجاتنا وأبنائنا حولها ، نؤانس
وحدتها ، ونتحدث معها
حول مجريات الدنيا
..
كانت سعيدة باجتماعنا ، وهي ترانا حولها محلقين ...فــ
تتبادل معنا أطراف الحديث ، لكنها وبعد مضي فترة من الوقت
أصبحت تكتفي بالابتسامة
المشرقة التي تضعها على شفتيها ، كانت تحب اجتماعنا ووجودنا مع
بعض حولها .ومع مرور
الوقت كانت تغطي وجهها بالشرشف الأبيض وتسكن صامتة ، لم تكن
تقاطعنا وتكتفي
بالاستماع إلينا ونحن حولها ، إنها امي الحبيبة
.
لكنه هذا الطبيب الذي لا ينفك
يجلب لنا الأخبار البغيضة
..
جاء في ذلك اليوم طالبا منا أن نترك الغرفة لأننا
أزعجنا المريضة
.
أي مريضة يا دكتور ؟! انها امي ، أمي الحبيبة
!
لكن
المفاجأة أنه قال أن أمي انتقلت منذ ثلاثة أيام إلى الغرفة رقم
" 14" وهذه المريضة
امرأة عجوز أخرى ..تحملتنا يومين ولكنها لا تستطيع أكثر
..
سامحك الله يا أمي ،
لم تقولي لنا أنهم غيروا الغرفة
!
هرولنا جميعا خارجين نحو الغرفة "14" انا
وإخوتي وزوجاتنا وأبناؤنا، إنها أمي الحبيبة ، إنها أمي
الحبيبة
.
تعقيب
أختي الفاضلة ياسمين عبد الله
إنه الوفاء لمن بذلوا الغالي و
الرخيص
في سبيل تنشئتنا التنشئة السليمة
التي تؤهلنا لمواجهة
الحياة
***
النص ينضح بالعواطف الجياشة
و المثل العليا ،
التي لم نعد
نرى مثلها الكثير
و الأسلوب خالٍ من التعقيد و مشوق
أهنئك
و دمت مبدعة
نزار