رواية
آسيا
بو فنار
الفصل الأول :
... لم يكن ثمة من حل .. و من غير أن تنتبه راحت عادة قديمة تعود
إلى أيام مضت تستيقظ .. تسترق الوقت الذي كان قد سطر في حياتها للراحة
النسبية لتنطلق نحو الشوارع التي كانت قد خبرتها طويلا ، فتدور و تدور
بغير هدف .
و عندما تفقد القدرة على المتابعة تتجه إلى البيت و هي تتأمل الطرق
التي لم تتغير سوى بإحداث تلال فيها جراء الحفر و التنقيب .
الكل كان يتساءل : عما تبحث آلات الحفر ؟ أيمكن أن يكون هناك أمل في
ظهور بئر بترول ؟ .
كل شيء كان يبدو لها بلا معنى أو جدوى ..
يتحرك وفق منطق الضرورة أو الواجب أو الإكراه .
إن الحياة نفسها خارجة عن حدود الإرادة ..
لم يكن لها دور في اختيار لحظة الولادة و لن يكون لها بالطبع اختيار
لحظة الرحيل ..
لا الزواج و لا العمل الذي لم تتمنَ أن تستمر فيه بعد الزواج ، و لا
الأصدقاء نجحوا في انتشالها من تلك الحالة المدمرة .
فيما أخذت الأعماق تتضح بميل متأصل إلى الحزن .. ذلك أنها في
أمسية صيفية لم تعد تتذكرها جيدا استسلمت لكآبة مبهمة كلفتها ندم كانت
تتوقع الشعور به سلفا .
في تلك الأمسية قبلت الزواج برجل آخر .. كل شيء في نظرها أصبح آخر .. و
لم تعد تفرق بين الأنا و الآخر .
اضطرتها لعنة الحب المستحيل أن تستلم لأنات الليل الموجع بمصراعيه :
فالدفة الأولى كان ألمها الذي كابدته طوال عامين في قصة حب مستحيلة و
الدفة الثانية اضطرارها إلى إغلاق فم الآهات و الأنات المتراكمة في
صدرها المنتظرة للبوح بها كما تعودت من قبل ..
و لكن اليوم .. ممنوع عليها حتى التفكير في انتشال هذه الآلام المندسة
في قلبها ، فحينما تنتشلها سيعرف زوجها أنها كانت تحب رجلا قبله و لا
يزال حبه محفور في أعماقها الآيلة للذبول كزهور الربيع الوهمي .
لم تكن تتمنى أكثر من شتاء حب تستقطعه من الزمن الذي ما فتئ يتلاعب
بأحزانها و شجونها القابلة للانفجار تحت أي إندار لذكرى تمر بها .
لم يعد هناك المزيد من الخيبات .. و لكنها تناست أن عمرها كله
أصبح خيبة تحاول النسيان .
لابأس ! هو ذا دواء آخر للنسيان ! !
أنشأت ساعات ألمها تقربها من قناعة مداواة خيبتها بالزواج .. ربما
يستطيع شخص آخر أن يشغل حياتها و لو كذبا ! ! ! فتنصرف إلى الاهتمام به
كزوجة تسهر على راحته و راحة عائلتها و بذلك تنسى .
و ارتدت الذاكرة صوب دروبها المظلمة تُُنَقب في الوجوه التي غيبتها
زحمة الحياة و زحمة الآلام المصطفة على طابور حياتها إلى أن ! ! !
تطابقت الصورة الماثلة أمامها مع أصلها القديم في قاع الذاكرة .
- يا الـلـه ! ! ! إنه ... هو .. إنه كـ ...
تلعثم لسانها فقد أذهلتها مفاجأة اللقاء غير المتوقع و ســقت الصدفة
سيقان ذكرياتها لتورق من جديد ،، و لولا قلبها الذي لم يته عن هذا الحب
المنقوش في ثنايا الذاكرة لخالت نفسها تنظر إلى شخص آخر غير الذي عرفته
.
لقد طال التبدل الجميع و لم يطله لوحده .. و لكنه وحده من كان يهمل
كل شيء من حوله .
-
كريم .. هذا أنــت ؟
-
سماح ! أنت كما أنت لم تتبدلي .. سوى بعض الهزال الذي جعلك تحظين بفرصة
الانفلات من الشيخوخة .
-
و هل وصلت إلى سن الشيخوخة ؟؟؟؟
-
كنت أقصد الشخشوخة الحارة مع الزيتون الأخضر المخلل ، هل تذكرين ؟
-
لكنك لم تذق من يدي الشخشوخة فقد آثرت دائما أن يأتي لك بها صديقك عبد
المؤمن .
-
أجل ... هناك أمور بقدر بساطتها كان لها معنى ، و لكن دعينا من ذلك و
أخبريني عن نفسك .
-
ماذا أخبرك و قد تعقد نمط الحياة ذاتها .. أو .. قُـل إن علاقتي مع
الحياة قد فترت .. لم يعد ثمة ما يقال عني و عن حياتي .
شعر كريم أن سماح أخذت تجتر ما سبق أن خاضته من هواجس و انكسارات و
أنها تندب ماضيها بذكرياته و لكن في صمت و ذهول الصدفة .
-
أنت تبالغين .. فقد علمت أنك تزوجت .
كان صوت كريم هادئا .. مشحونا بالأسى .. و كانت الكلمات التائهة تكتظ
في الذهن متدافعة للخروج .. و ما عدا صوته الرتيب الذي أحست به سماح ،
كان الصمت عميقا .. عميقا .. ذلك أن كلماته قد لامست فيها وترا
موجعا.
عادت سماح إلى تلك الأيام المحمولة على أجنحة الشعر و الأحلام
المنداة من بلل شتاء وهــــمي ..
و راح ظل ثقيل لهواجس تجاهلتها منذ مدة لم تعد تذكرها تعكر صفو
لحظتها .
-
و أنت ، ما أخبارك ؟
-
ألم تتقص أخباري ؟
-
إن مشاعر المرارة قد تراكمت في قلبي و ذاكرتي كنار مخبأة تحت الرماد في
انتظار الساعة المرتقبة .. ساعة سماعي لخبر زواجك و احتلال امرأة أخرى
مكانا كان من حقي ، حينها راح هدوء مشوب بالحذر و الترقب و الانتظار
يـنـيخُ بثقله على أطرافي و أيامي كافة حتى قررت ألا أسأل عنك و أبتعد
كليا عن مكان تواجدك .. و رحت ألوذ بالصمت الذي كلفني مقتل روحي .
-
ماذا تقصدين ؟ أنني لا يجب أن أتزوج؟
صمتت سماح و لم تدر ما تجيب به فالخوف الذي اعتراها من فقدانه بارتباطه
بامرأة أخرى تعلم جيدا أنه ليس من حقها.. و صمت كريم فهو يعلم أن سماح
أحبته أكثر من أي شيء و قد تألمت كثيرا و لكن أملها في قدوم يوم يعترف
لها بحبه لم يفقدها التمسك بالحياة .
هي و كما خبِرت هذا الرجل الذي أحاط نفسه بألغاز كبيرة و هائلة
علمت أن كريم قد صمت و لن يتفوه بكلمة ..
إن هو إلا صمت آخر يدخلها في هذا الزمن العاري البذيء .
أخذت سماح تلوب على غير هدى ... و خفق الفؤاد بحزن يهدر متمردا على
مدار الصمت محتجا على فداحة الخسران .
كان كل شيء من حولها أخرس .. محايد .. و حاد كمشرط .
فأين تذهب الخطى المتعبة و في العالم كل هذا الخواء ؟
***
قد تغفو الأحاسيس أو يكتب عليها أن تعيش محكومة بعدم الفهم.. ربما
لأنها ما فتئت في يأسها تخال بأن زمنها تعطل أو لأنها ألفت حالها
الراهن .
ذلك أن الصمت كان قد طال حتى كاد يصبح قاعدة و سماح اقتنعت بأن صمت
هذا الرجل هو قدرها و مصيرها .
استدار كريم ذاهبا إلى وجهته صامتا و استدارت سماح لا تعرف لها
وجهة فهي مذ عرفته لم تعرف لها وجهة و أطرقت خطاها ترتل قصيدة كانت قد
كتبتها يوما ما :
صـامت تراه عن كلام مســتباح
يتغنى بصمت عن نـور الصبــاح
عن حـــكايا لا تنتهي بالنــواح
فالصمت ينجلي حين يعلو الصيــاح
عن ليــال نائمات حتى الصـباح
ليس فيـها الدمع يحكي عن جـراح
صـامت يـــترنم باللـحن الدفين
بين أوتــار الألم و ذكرى السـنين
عن بكــاء عن خيبة عن شـجون
سكــنت الــقلب و أردتـه حزين
عن اعتراف بالحب ترقرق في العيون
فللحب عبدا ... أقســم ألا يــكون
صــامت أيــقظ روحــا نائمة
بين أمواج الرتــابة كــانت عائمة
رســت بمرفأ صمــته هــائمة
بحــبه و استــسلمت لموت قادمة
فــلا خـير في عيش لروح سائمة
هجرهــا الــفرح يوم كانت حالمة
فاستفاقت تلك الأحاسيس الغافية و المخذرة .. و عاد الحب و
الألم و الحسرة و الظلم الواقع من ذلك الرجل إلى مكانهم في نفسها بعد
أن تنحى العارض الذي سكنها طويلا ..
رغم مرور كل تلك السيول الجارفة لكل ما هو معنى في روحها لم تنس كل
كلمة خطتها من أجله و لأجله .
صعدت عربة النقل .. و جلست في كرسي يطل على وجوه الملتهمين لأطباق
النظرات .. و انتبهت أخيرا أنها كانت عند الطبيب حينما بدأ ذلك الألم
يهز أوتار غضبه محتجا على تذكيره بمنشئه .
تذكرت لحظتها أن أصل هذا الألم كان الحسرة التي تملكتها يوم أحبت شخصا
لم يبادلها الشعور ذاته .
الألم يتزايد و الدوار يكاد يجعلها تتقيأ .
الحرارة مرتفعة جدا فقد كانت آيام أواخر أغسطس و عبر المذياع راحت
أغنية " شاوية " أو ربما " قبائلية " فهي لا تستطيع التفريق بين هاتين
اللهجتين ترسل ذلك الأنين المتواصل .
كان العرق يتصبب و سماح ما تنفك تمسحه بمنديلها الذي كان يذكرها
دائما أن هناك منديلاً ضاع منها ربما حينما كانت تتردد عليه و ربما
يحتفظ به فقد تنبهت يومها أنها لم تجده بعد نهاية اليوم أين كانت قد
نست إن كانت أضاعته عنده أو في الطريق .. كانت تتمنى يومها أن يكون
المنديل قد بقي عنده.
صوت الأغنية يوحي بأنها حزينة بل الأكثر من ذلك ... كانت كــترنيمٍ
لموسيقى جنائزية زادت الظرف ألما على ألم .
و أخيرا جاء الفرج .. انطلق آذان العصر من المذياع ليعلن على الأقل أن
الإذاعة التي كانت ترسل تلك التأبينية الحزينة هي إذاعة " الأوراس "
ليعلو وراءه مباشرة الآذان في الخارج .
أعاد صوت الآذان إلى الذاكرة هدوءها و هناك في ذلك العراء المــديد
استقلت ذكرياتها المؤلمة تتخبط باكية متضرعة مع صوت الحق إلى صاحب الحق
: الله أكبر .. الله أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن محمدا رسول الله
حي على الصــلاه
حي على الفــلاح
قد قامت الصــلاه
الله أكبر .. الله أكبر
لا إلــــه إلا الله ..
الله أكبر من كل ظالم .. الله أكبر مع كل مظلوم .. الله أقوى و كل
عباده ضعفاء .. فلماذا يستقوي الضعيف على ضعيف مثله .
ألا تكفي تلك المفردات كلها لبقاء السماء زرقاء في قلب مكسور ؟
وإذا لم تكن تلك الأمور مجتمعة تعطي الإنسان حس الانتماء إلى الله فما
الذي يعطيه إحساس القهر المتأصل في عروق هذه المرأة .
لا جـواب ...
نهضت حالة انكسار عاجزة عن النفاذ إلى ما وراء وجوه القابعين في
أمكنتهم و العرق يتصبب على وجوههم ...
لا شك في وجود خلل ..
نعم ،، ثمة شيء يحجب رؤيتها .. إنه الدوار من تلك الذكريات التي لم
تنسها ..
الذكرى تلو الذكرى تداهمها و كما الطير التائه عن سربه و في ذلك المدار
الغامض لدورة الأشياء و الزمن ، راح الخيط الأبيض يختلط بالخيط الأسود
.
نزلت سماح عند الجسر " القنطرة " فلولا أن السائق قد تعود على محطة
نزولها لأكملت الطريق دون هدف للوصول .
مشت على حافة الوادي .. اشتد الدوار .. و راحت الذاكرة الواهنة تسيح
على شتات الكلمات لتبعثر آلاما تمنت سماح أن تحصرها في الدائرة التي
ارتسمت أمامها جراء هذه " الدوخة " كفصوص ملح كثيرة لكنها تذوب في حفنة
ماء .
و هذا الوادي .. أو هيكل الوادي فهو لا يشبه اسمه في شيء شدتها إلى
قعره الحجار المغروسة كأزهار تزين أرضية بستان .
و تربته الجافة المرتسمة على غضوض فتاتها تجاعيد العطش إلى الماء أما
حوافه فقد كانت معلقة بفضلات كثيرة يرميها الناس و أكوام التراب الذي
يلقى عليها من منازل يعيد البعض بناءها على نمط عمراني جديد و لا يهمهم
أن تقابلهم الرداءة ..
ببساطة لم يكن في منظره ما يثير الحواس و لا شجون الذكريات التي لا
تمل من افتكاكها من واقعها .
كانت سماح امرأة يقيدها الحب و تؤلمها ذكراه كلما مر فصل يشبهه ..
و اليوم .. قابلته .. رأت في عينيه كلاما الذي كانت تقرؤه في أول
علاقتها به .
لقد تبدل كثيرا .. غزا الشيب شعره و نحل جسمه ، لم تتحدث إليه طويلا
فهو الرجل الحامل لبطاقة تعريف اسمها الصمت ..
و هي الآن امرأة متزوجة لا يجدر بها أن تقف مع رجل غريب في وسط المدينة
.
الغربة !!!... من يدرك معنى هذه الكلمة ؟؟؟
تغربت روحها عن جسدها بعد أن هربت من ألم مفترس لا يعرف الرحمة أو
المنطق .
ألم انشطر ذات خميس إلى شطرين حينما اقتنعت ساعتها أنها هي و أنه
هو .. و أنه يوم التقيا بالذات كانا قد افترقا .
راحت تنثر حواسها كيفما كان على حافة الوادي .. تزرعها كحبات القمح
أو الليمون الهندي المصطفة التي تتبعها الدجاجة في قصيدة من أبيات
قليلة تذكرتها كانت قد درستها في الطور الابتدائي خاصة و أنها في هذه
اللحظة تمر بمحاذاة مدرستها الابتدائية فقد كانت هذه القصيدة هي بدايات
تعلم أول لغة أجنبية " الفرنسية "
Glousse-glousse
Petite Poule rousse
Et ramasse dans la
mousse
Trois petits grains de
pamplemouse
تذكرت سماح أنها حفظتها بسرعة و بكثير من النشوة و كأنها ترتل شعرا
رومانسيا ..
كانت الرومانسية تسكنها منذ نعومة أظافرها و لم تعلم أن أحاسيسها
المرهفة هذه ستكون غصن يغرس في أعماقها بدأ ينضج مع غربة داخلية أخذت
تنمو و تعتصر كل ما هو غض فيها لتنقلها قبل الأوان إلى عالم الكبار .
لم تكن سماح تريد الاحتفاظ بحبات ألمها كما فعلت الدجاجة لذا فقد
حاولت أخيرا نثرها على طول الطريق .
.. و بِتَعَــثُرٍ .. كانت الفتاة المهزومة داخلها تحاول البحث عن ظلها
و تحاول أن تمسح عن حياتها الصدأ، فنثرت تلك الآلام في حالة من الدوار
و كأنها ارتشفت كأسا من الخمر ..
أرادت أن تسألها بأسئلة سمعتها منها ألف مرة في صدرها .
ثم أستطردت تنشد قصيدة أخرى ليست للدجاجة إنما لصدرها الذي فتحت جراحه
على جميع الجبهات ليخوض حربا آثر الانسحاب منها ذات خميس من حزيران ..
شيئا فشيئا كانت التفاصيل تنمو و تتفتح مغاليق الأحزان و
يتكامل المشهد في المخيلة و همت بالإنشاد :
لا اللـيل أدركــت نجمه و لا الصبح أدركـت فجره
فشارب الخمر صاح بسكره و شارب الهم لا يفرغ كأسه
و الآه ليـست لقـلب عليل و لا لقـلب بـــاسم ثغره
تذكرت أنها كتبتها منذ زمن بعيد جدا ، في زمن كانت نجوم الليل
تحاكيها بالحب ، و شمس الصباح لا تطلع حتى ينتهي الحديث الحميمي بينها
و بين الفجر الذي يودعها حتى يوم آخر .
كتبتها و لم تعلم لماذا ؟؟؟ لم تكن هناك مناسبة لكنها خرجت من
صدرها و كأنها كانت تتنبأ لأيامها السوداء و الأغرب أنها لم تستطع
إكمالها و إلى غاية اليوم .
توغلت رماح الحسرة في جسدها .. مزقتها و غرست حجار الوادي في
حشاشاتها .. و أدمت جراحها التي ظنت أنها شفيت منها .
قد لا تكون المفردات كثيرة .. بيـد أنه لا شيء يستطيع أن يغيب عن
الخطى اللاهثة وراء تفاصيل جديدة تضمها إلى مخزون الذاكرة ..
فقد رأته اليوم وابتدأت تفاصيل جديدة لألام لا تعلم إن كانت ستحمل
الصبغة نفسها أم ستتغير ..
المهم ،، لماذا لا تنسى ؟ لماذا بعد كل ما دفعته ضريبة للنسيان
تعجز عن ذلك .
-
بالله عليك أيها النسيان لماذا لا تلتحف بك حكايتي ؟ لماذا لا ترتوي
منك حـد التقيؤ ؟
هكـذا كانت تصرخ سماح و هي تمشي على حافة الوادي .
ثم أضافت بصوت منخفض و بلباقة رشوة للنسيان فلا يجدر بها أن تكون
فظة وهي تريد طلب شيء : لماذا لا تدعو حكايتي إليك في مأدبة عشاء و
تقدم لها أطباق كثيرة تملؤها بطبخة النسيان على صنوف متنوعة : طبق
النسيان على الطريقة الإيطالية .. أو طبق النسيان على الطريقة الصينية
.. أو ...........
تذكرت سماح أنها وحكايتها و آلامها ينتمون إلى عرق باريكي إذن فأفضل
طبق للنسيان سيكون حتما على الطريقة الباريكية :
توقفت سماح وقالت : أجل .. حكايتي لن ترض سوى بمثرد (صحن) شخشوخة حار
جدا يوصلني حد الدوخة ثم الغيبوبة فأنسى ........
نظرت إلى السماء .. الغيوم تندفع نحو الفراغ المتبقي في القبة
الزرقاء و فجأة مرت شاحنة ضخمة أثارت زوبعة هائلة كادت أن ترمي بها إلى
قعر الوادي .
تبعثرت آلامها وتسابقت تلاحق دخان الشاحنة و هي لا تزال تلملم
أحاديث حزن تتساءل كيف تبوح بها ؟
عصفت الريح بعنف ، فشاحت بوجهها إلى مكان آخر لم تبصره قبل تلك
اللحظة في هيكل الوادي .
بقعة من الحشيش الأخصر اليافع يغازل مساءات الوادي الجافة .
-
من أين نبتت هذه الخضرة ؟ تساءلت سماح .
و فكرت إن كان بإمكانها أن تضيف على ما جاء في كتاب حياتها المليء
بأوراق جافة كهذا الوادي بضع صفحات تكتبها بالأزرق .. بالأخضر .. لا
يهم ... المهم أن تضيف عليه ما تريد وتتمنى و لو بقلم الرصاص كذبـا .
و في غمرة الحوار الذي احتدم كانت المشاعر المتشظية لا تجيب و
الأسئلة تضغط .. تجرح المشاعر الكليمة و تبحث عن قلب حان رحيم ..
و انتـــبهت ....
كل شيء يلوح غريبا و منصرفا لذاته .
فالآلام .. و الأيام .. و الألوان .. وحتى القلوب قد اختلطت أرقامها
السرية في الذاكرة .
عادت سماح إلى البيت و رمت نفسها على السرير ، و كم كان فرحها كبيرا
حينما علمت أن زوجها مدعو للعشاء عند والدته .. طبعا كانت هي كذلك
مدعوة لكنها رفعت سماعة الهاتف و اتصلت بهم :
-
خالتي ربيحة ، مساك بالخير . ( مساء الخير
خالتي ربيحة )
-
يمسيك بالربح ، هذا وين جيتي ؟ ( مساؤك مكلل
بالربح ، هل وصلت الآن فقط ؟)
-
هذا وين وصلت ، و الله ماني قادرة نرفد روحي ، يعيشك خويلتي سامحيني و
الله ما نقدر نجي . (وصلت الآن فقط ،
والله يتعذر علي حمل جسدي ، أدامك الله خالتي سامحيني والله لا أستطيع
المجيء )
-
كيفاش تكون الْلَـمَة نتاع عشا شعبان و انت ماكانش ؟
(كيف سيكتمل شمل المدعوين لعشاء "شعبان" و
أنت غير موجودة ؟)
هنا انتبهت سماح أن اليوم هو آخر شعبان و غدا ربما سيكون أول
أيام رمضان و قد جرت العادة أن تدعو العائلات بناتها المتزوجات و إقامة
عشاء يسمونه " عشا التشعبين " و لكن حماة سماح آثرت أن تجمع أبناءها و
زوجاتهم الخمس بدل ذهابهن إلى بيوت أهاليهن .
-
يا سماح بنيتي شوفي بالاك تقدري اتْكَابري و تجي و الله راها واحد
اللمة تهبل و مدايرين واحد العيش (بركوكس) يشهي .. هاو راجلك يحوس يهدر
معاك . ( ابنتي سماح حاولي ربما
تستطيعين المكابرة و تأتين و الله إنه شمل جميل و قد أعددنا أكلة (تسمى
العيش و في بعض المناطق البركوكس) و هو لذيذ .. تفضلي إن زوجك يريد
التحدث إليك )
-
ألو ، سماح واش بيك ؟ رحت للطبيب ؟ (ألو
، شماح ماذا بك ؟ هل ذهبت على الطبيب ؟ )
-
رحت و ديتلو الراديو و التحاليل و قالي لاباس ما تقلقيش روحك .
(ذهبت وأخذت أليه كشف الأشعة و التحاليل و
أخبرني بأني بخير و ألا أقلق )
-
ذروكا نجي نديك نتعشاو عند دارنا ، و (آما) ما شتاتش كي قلتيلها ماكيش
جاية . (سآتي حالا لأخذك كي نتناول العشاء
في بيت العائلة ، كما أن أمي انزعجت كثيرا لقولك لها بأنك لن تأت )
-
ربي يسترك سليم ماكان لاه تجي علابالي نسمطلكم القعدة ، ذروكا نشرب
الدوا ونرقد و ما تحيرش روحك آني بخير .
(أرجوك سليم لا داعي لمجيئك أعلم بأني سأحول الجلسة إلى غم ، سأتناول
الدواء حالا و أنام و لا داعي للقلق فأنا بخير)
-
هذا اللي قالو ما نحيرش روحي
!.
(و كيف لا أقلق
!)
-
والله بـ 60 سموح تعشاو و قصروا و كي تجي نوظني .. هيا ما نطولش عليك
.. سلملي على خالتي ربيحة و قلها اسمحيلي و على البنات نسا خواتك .
( بكل صدر رحب أقول لك تناول العشاء مع
العائلة و استمتعوا بالسهرة و عندما تعود للبيت فقط أيقظني .. إذن لن
أطيل عليك أكثر .. سلامي لخالتي ربيحة و اطلب منها مسامحتي و سلمي أيضا
لزوجات إخوتك )
**************************************
... حاملة أمل عن غـد مورق من غصن غرس في أعماقها منذ صغرها
توضأت و صلت و في القلب دعاء استحت أن تدعو به رب العزة .
استلقت على السرير و هي تتمنى أن تراه غدا .. و رغم أن ذلك الحلم لم
يستند إلى أساس واقعي ملموس ..
إلا أن الأعماق راحت تنتفض من تحت الركام .. مبعدة عن الضلوع مرارة
اليأس في محاولة منها للتماسك أو الإرجاء .
من يدري؟ ربما كانت تستنبط الانفراج من اليأس نفسه وكأعمى أبصر
فجأة راحت تترنح بين الومضة و صدمة الواقع ! ذلك أن تراكم الذكريات كان
قد خلخل الصور المعزولة في الذاكرة .
كان صمت ذلك الرجل مستفزا ومقنعا في الوقت نفسه .. مترابطا .. يلمس
فيها المواجع و يرش الملح فوق الجراح الدامية فتتولاها الحيرة و
الانقسام .
الشحوب غزا وجهها .. و قلبها المريض كان خاويا إلا من الألم فراح
يرفرف جاهدا لتأمين شيء من الدم ، فلم يكن في الكتلة المستلقاة أي حركة
تنم عن الحياة .
أيــــن اختفت الدموع ؟
و أي يبس أصاب عضلات الروح ؟
وأي قصور جَلِيٍ في السيطرة على الأعضاء تبدى ؟
وأي إحساس بالعجز ؟
الإحساس بالعجز.. أدركت سماح فداحة الخسران الذي ألم بها فأرادت أن
تصرخ..
أن تضرب الأرض بقدميها .. أو تبكي .. لكن التيبس الذي أحاط بروحها
لم يكن قد فارقها بعد ..
شيء ما كان يريد الخروج على شكل بكاء و عويــل..
لكن الوسيلة خذلته .. و راحت التفاصيل تأبى الحضور ،،، فإن فعلت فإنها
أخذت تفتقد إلى الترابط و الوضوح بحيث ما عادت لحظات التذكر للقصة
الغامضة تترافق بتلك النار الكاوية التي كانت تلفح الضلوع إثر الأيام
الأولى لمصابها الأليم .
بل إنها اكتفت بــإيقاع من الأسى و الحزن الهادئ فقــط .
*************
... من غير أن تشعر كان الليل قد أرخى غطاء معتما على الكائنات و
التعب قد تسلل إلى الأعصاب المشدودة سلفا فتوزعت الأعضاء المنهكة على
أجزاء الفراش تطلب راحة مرممة للخلايا ،،
لكن النوم أخذ ينأى و راحت أركان الغرفة و الستائر التي تتمايل
ببطء شديد نتيجة الحرارة التي كتمت أنفاس الهواء تضيق الخناق على صدرها
حتى تراءت لها تلك الغرفة ضيقة لا تحتملها فقد كانت تضغط على الأعصاب
وكأنما حالة استنفار قصوى شبـت في دهاليز أنفاسها ..
إنه القلب يضفي على الأشياء المحيطة به هواجسه .. مخاوفه ..
انكساراته السابقة و القادمة .
انكســـارات قـــادمة !!!
تأكدت سماح أنها لم تنس و لكن هو ، هل نسي ؟ أيمكن له أن ينسى بسهولة
كل ألمها الذي سببه لها ؟
انبثق السؤال في الجوف يتدفق و يؤلم .. أسئلة قلقة محتشدة في
الرأس تضطرها إلى استقبال نوم مثقل بالكوابيس .
يوما بعد يوم كانت علاقتها بالغرفة تنقلها إلى فضاء القبول المضمر
! لم يكن ما يحدث بينها وبين زوجها التوافق ،، بل كان نوعا من الهدنة
المفروضة عليها لأن سفنها كانت تسير بعكس رغباتها ..
و مركبها التي لم تبحر يوما لا تزال شاهدة على انكسارها في مكان ما
.
ثم راحت الأيام تجافيها و تقاطعها فيما أنشأ المكان ينتقل من مناخ
الهدنة أو المهادنة إلى مناخ القبول تدريجيا .
وأخــيرا .. تأكدت أنها لن تستطيع النوم ، نهضت و اتجهت إلى التلفاز
، ضغطت على قناة الأمبيسي آكشن ((MBC
Action
فهي تتجنب مشاهدة أفلام أو مسلسلات يكون فيها الحب موضوعا رئيسيا .
... و ذلك مند أن خـذلــها الحــب .
برهة من الزمن و إذا بالسماء تعلن غضبها .. تزمجر بالرعد و تستنكر
بالبرق و أخذت تصب غضبها ففتحت النافذة .. العويل و البكاء الذين غابا
عنها نابت عنها به السماء ،، لم تدم الحالة طويلا .. السماء أيضا
أنهكتها آلام البشر .
صمت آخر مبلول ينفي ضجيج الشارع الصاخب ليحوله إلى كهف للأموات و
هذه الريح تعول في الظلام كذئاب جائعة ،
فراحت الذاكرة تستعيد الأشجان المرعبة التي سكنت هذا الرأس .
كانت بداية الحي غارقة في ظلمة موحشة تخيم على الشوارع و البيوت
و القلب العليل .. تحيل بمجملها إلى حالة شبيهة بالهدوء .. لكنه ليس
هدوءا بمقدار ما هو استكانة أو انكسار .
ها هو الإنكسار يطوقها بمفردته و كأنما حياتها أصبحت كتاب تملأ
تذييل صفحاته هذه الكلمة .
في خضم هذه القصة المترامية على أبعاد الأحلام و الأمنيات و صفاء
الأمسيات مرورا برواية مليئة بالخيبات إلى حالة تجتمع فيها صنوف
الانكسارات .
نست سماح أن بالخارج عاصفة و أن زوجها لم يعد إلى المنزل .
حالة من الذهول أصابتها ! ! ! !
ذلك أن العاصفة التي سكنتها منذ ساعات قليلة أنستها ما الرابط بينها و
بين هذا الذي يسمى زوجها ،، ما المكانة التي تبوأها في صدرها إلى الآن
؟؟ لقد أصبحت تشك في كل أحاسيسها لأن اليقين الراسخ و المتأصل في
وجدانها هو إحساس واحد فقط ... حـب هذا الرجل ...
أغمضت عينيها على دوار مميت لأيام بائسة من عمرها كانت قد تسربت
من بين أصابعها .
هربا من هاجس مخيف تكبدت معاناته راح يحفر في المخيلة ما دفعت ثمنا
لابتعاده : قلبها وحياتها ..
أخذت تتحرى في تفاصيل أخرى ، إنه دور الواجب نحو العائلة ، أخذت
تنظر يمينا و شمالا من خلف النافذة بينما توارى القمر خلف غيوم سوداء
وأخيرا لمحت ضوءا خافتا ينير بداية الشارع تقدم حتى علمت أنها سيارة
سليم .
دخل الزوج و راح يقص عليها كيف كانت السهرة جميلة فقد اجتمعت
كنات حماتها الخمس و بناتها الأربع و كالعادة " حجر على المشاعر و
الحرية " المألوف من عجوز تريد قيادة مركب أسرتها الكبيرة .
على الأقل لم تتوانَ هذه العجوز في الدفاع عن ركاب سفينة بيتها و هم
أولادها ..
سمحت للمركب بأن تبحر في كل البحار لكنها تعود إليها دائما .. لقد
ربحت الرهان مع الزمن و لم تستسلم لليأس ولم تنحنِ للانكسار رغم وفاة
زوجها منذ أكثر من اثنتي عشر عاما .
بدا لسليم أن زوجته لم تكن تصغ إليه :
-
واش بيك سماح ؟ يظهر لي راكي مريضة بزاف ، لا هدرتي و لا سقسيتي و لا
حتى تخزري معايا نورمال (ماذا بك يا سماح؟
يبدو لي أنك جد مريضة ، لم تتكلمي و لم تسألي كما أنك لا تنظرين إلي
بشكل طبيعي )
كان التماثل بين كلام سليم و اللوحة التي رأتها اليوم غير متطابق ..
فتداعت ذكرى هذا الرجل بإلحاح و راحت الأسئلة تضج و تتلاحق :
أَنْ كيف عاشت تلك الأيام في غمرة اللاوعي ؟
اقتنعت سماح أنها لا تستطيع الليلة بالذات أن تمضي في هذا المكان
وقتا آخر ، و كل الوقت الذي أمضته فيه كانت كضيف وبرغم أن الاكتشاف لم
يكن جديدا بل فقط هو الليلة طازجا ...
إلا أن حزنا رهيفا راح يتنامى نادبا الصلات الإنسانية المتشظية إذ
أن ملاذا وهميا آخر أخذ يتداعى تاركا مكانه أسلاكا شائكة تحفر في النفس
وتجرحها .......
وقفت عند النافذة أين كان السكون عميما أيضا ، وكان ثمة قمر شاحب
يضفي على السكون جلاله و مهابته .
فتفطنت أخيرا أن تسأل سليم :
-
غدوة رايحين نصومو و لا ماشي رمضان ؟ (هل
سنصوم غدا أم أنه ليس برمضان؟)
-
والله يا لاَلاَ دقول ماكيش حاطة على لارض، يخي ما ثبتتش الرؤية
(والله يا امرأة و كأنك لا تسكنين على هذه
الأرض ، إن الرؤية لم تثبت)
-
ما تلومنيش راني عيانة و الدوخة ما خلات ما خلفت فيا .. الحمد لله ما
نحيرش في السحور . (لا تلمني فأنا تعبة و
الدوار لم يبق في شيئا .. الحمد لله لن أحتار في إعداد السحور)
و كمن كان ينتظر الضوء الأخضر ، انكفأت في فراشها ، مصعدة
آهــة ساخنة ، وراح ضيق مبهم يثقل على الصدر كلما نهضت صورته في
مخيلتها .
الفصل الثاني
:
قد لا تكون السعادة التي ما فتئت تنقب عنها في كل شبر من تلال
أيامها خالصة و التي تترقبها هذا الصباح ....
و لا خوفا خالصا ما يتوزع في القلب كما تعود أن يضخ دماؤه في
أنحاء جسمها .
بل هي مزيج من هذه و تلك ، راحت تلهج في الدم لتغرق في
عرقها .. تهتز كقصبة في مهب الريح .
إنها الحمى .. حمى الخوف و الوجل و الشوق .. حمى الألم السابق
المتوارى تحت أرضية مقايضة الزمن لانتشالها من الصدمة .
و حمى الخوف من اللقاء المنتظر و غير المنتظر ...
و هكذا راحت الدقائق تمر بطيئة ، ، ثقيلة الظل و الخطى تدفعها
إلى النهوض ثم الجلوس ...
ثم قررت أن تنفض عن لوحة حياتها بعض الغبار العالق منذ مدة .. منذ أن
نست من تكون .
اتجهت صوب المرآة في محاولة لتزيين ما يمكن تزيينه .
دخل سليم و سألها :
-
راكي تتشبحي يا لالا ،، واش كاش
rendez vous
؟ و لا حبيتي تستقبلي رمضان بالزينة ؟
(إنك تتجملين يا امرأة ،، ماذا هل من موعد؟ أم أحببت استقبال رمضان
بالزينة ؟)
كصفعة مباغتة فاجأها سؤاله ، فحاولت إقصاؤه و هي تفكر في إجابة ..
بــيد أن الإجابة السحرية كان قد أمدها بها زوجها و لكن في ذهول الموقف
لم تنتبه بسرعة حتى زرعت الشك حول سكوتها ثم قالت له :
-
إيـه ،، النْسَا يتزينوا كامل العام و آنا حبيت انْسَقم خليقتي قبل
رمضان بنهار . (نعم ،، النساء تتجملن
طوال العام و أنا أحببت تجميل صورتي قبل حلول رمضان بيوم) .
لم تكن سماح تدري أن تلك الوجوه ستغيب يوما أو تفقد ألقها المشع كشمس
في حياتها و تزوى في ركن مهمل من الزمن فيغمرها النسيان المؤقت .
اتجهت إلى العمل و ما إن وجدت فرصة حتى ركضت إلى بيت صديقتها التي
عرفت و خبرت كل فصول حكايتها .
-
ما هذه الزيارة المفاجأة ؟ لا تقولي لي أنك تنوين تمضية " عشاء
التشعبين " معنا ؟
-
و هل ستستكثرين علي ذلك ؟
-
أستكثر عليك ؟!!! يا عزيزتي إنك لم تزورينا منذ أكثر من سنتين
-
أنت تعلمين لماذا ؟
-
أعلم أنك أردت الابتعاد عن أي شارع .. عن أي طريق كان يمر بها .. عن أي
محل يكون قد واجه واجهته فترينه فيها .. أنت أردت الابتعاد عن نصف
المدينة التي ترددت خطاه فيها .
-
هكذا كان قدري .. و هكذا حاولت دفن ألمي و نسيان أسبابه أما اليوم
.......
-
ما الذي جد اليوم ؟ لماذا أنت في هذه الأمكنة التي تذكرك به ؟ أهو
الحنين يستيقظ بعد أكثر من سنتين ؟ أم تراه الفنان " عبده " دعاك
بأغنية " الأماكن كلها مشتاقة لك " ؟
-
أوتمزحين ؟ لكن فعلا فإن هذه الأغنية كنت أستمع إليها حينما كنت أقابله
و كأنني أتنبأ ليوم يكون معناها هو أصل الموقف.
-
حسنا ،، و الآن هل لك أن تفصحي قليلا و تخاطبين نفسك بصوت عال ؟ فأنا
أعلم أنه منذ زواجك و أنت تتكلمين في سرك ، أو ربما لم تعودي تتكلمين .
اعتدلت سماح في جلستها ،، سحبت نفسا عميقا ليملأ الهواء رئتيها
فيغرق الكلام و يسبح مندفعا إلى الخارج .
-
أصدقك القول يا صديقتي بأنني لا أدري من أين أبدأ ،،؟؟؟
كل شيء غائم و متداخل .. منقسم إلى ألف هاجس و هاجس .. ربما كان أبسطها
الآن أنني هنا و لست هنا .
و البارحة كنت ببيتي .. بغرفتي .. مع زوجي .. و لم أكن مع أي منهم ..
ذلك أن قسما من روحي مزروعة في أرض الماضي ،،
مع أنني أعي تماما بأنها لم تعد تلك الأرض المتداعية أحلامها بجمال
صورتها في الذاكرة .. و أن الصورة ذاتها ما هي إلا وهم من نسج المخيلة
،، و لكني لا أريد أن أصدق .
-
تصدقين ماذا ؟
لم تنتبه سماح إلى سؤال صديقتها بهية و راحت تحاول الولوج في أعماقها
عَلَها تستطيع أن تفهم .. أن تتكلم .. أن تعرف ماذا حدث .
-
أما القسم الآخر من روحي فأراه يضرب جذوره في اللحظة الراهنة .. في
الزمن الراهن .. لكنه هو الآخر ينشق عنها في جزء منه .. يخادع الزمن
الحالي مرتحلا نحو الأعماق لينغلق عليها !
إنه عاجز عن التواصل مع الآخرين : زوجي .. عائلتي .. بيتي حيث لا تماسك
أو فواصل واضحة .. هل تصـــدقين ؟؟
-
مـــاذا ؟
-
إن قلت لك بأن الزمن بمعنى ما .. بشكل ما .. بذوق ما .. بلون ما .. لم
يتقدم بي !! لقد وعيـت أنه بالنسبة لي كان وحدات زمنية منفصلة و
متداخلة بآن واحد .
-
لا شك أنك رأيته يا سماح .. كيف و متى ؟؟
-
بالأمس .. في طريق عمومي .. فقد عدت إلى عادتي القديمة .. التجوال في
الطرق و استعادة نفسي .. و لكني لم أكن أدري بأنها ستعيد اجترار كل شيء
مرة واحدة .. آهٍ ، كم كانت الضربة موجعة .
-
ماذا فعلت معه ؟ و ماذا قال لك ؟
-
حديث عادي .. و أنا طبعا حاولت أن أقاوم تلك الأحاسيس .. أن أصمد و
أتجاوز ،، بَيْـدَ أن الأمر على ما يبدو خارجٌ عن حدود الإمكان ذلك أن
ما علق في الجوف مؤلم و لا يزال عالقا و يكفي أن تحك صدرك حتى ينتفض
الماضي حيا نابضا بالوجع القديم .
فهنالك خلف جدران حياتي الرطبة و الكتيمة كانت الساعات تتصرم برتابة ..
حيث اليوم شبيه بالبارحة ، أو بالذي قبله ، و ليس ثمة أمل في أن يكون
الغد مختلفا .. على الاقل كي ترضى نفسي التي تدعي التماسك و تتظاهر به
،، و بمضي الوقت تصدق كذبتها .. و فجأة !
بلا مقدمات تبدأ الأيام بأخذ لونها الحقيقي .
تبدأ العروق تنبض بألم ما فتئ يشعرها بالأسى و لكن بالحياة أيضا .
تبدأ الأحاسيس بالاستيقاظ على عجل و كأنما يصفعها الزمن بمنبه تعطل
كثيرا .
تبدأ الحياة في استضافتي مجددا لأنها بقصد أو بدون قصد قد أوصلتني إلى
تخوم الموت .
يبدأ الندم الموارب و الذي فات أوانه يخامره شيء من الحنين و شيء من
الغضب .
و الكثير .. الكثير من الانكسار الذي لم يَبْدُ له أي منفرج أو كوة
تنقذ الروح من عذاباتها .
إن الوقت الذي انطوى على دلالات متناقضة و أيام مليئة بالتضاد قبلا ..
و باللاوعي حاليا .. هو ذاته من يمنح هذه الروح البائسة بعضا من الهدوء
... ربما لتبدأ دورة جديدة فتسود السكينة ثانية .
-
أي سكينة تقصدينها ؟ إن زمنا طويلا قد انقضى على تلك التجربة اليوم ..
و على مضضٍ أخذت وقائع جديدة تجرفك معها .. و اليوم هل تتحرشين بذاكرة
الأمكنة كي تلتقيه عن قصد ؟؟
-
تعلمين أني لم اتحرش بالذاكرة .. و لكن مؤشرها أصبح مضطرب يرتحل إلى
الوراء ،، ثم إلى الأمام ينسج ما قبل و ما بعد .. ما حدث و ما لم يحدث
و ما يمكن أن يحدث ليودع كل ذلك في صندوق يقفل عليه بإحكام .
-
إذا لماذا تعتريك هذه الاضطرابات الممزوجة بالنشوة الخفية و الحزن
الرابض على مقدمة ثغرك ينتظر الأوامر في تنحيه عن الطريق أو بقائه
حاجزا بينك و بين الفرح ؟
الفرح !!! لقد دفعت كل عمري ثمنا لمعادلة معاكسة لمعادلة الفرح لاني لم
أستطع حلها فآثرت الانسحاب .
**************
... راحت أحداث الأيام البعيدة تتداعى . و برفقتها حدث الأمس
،، إذ ان كآبة ممزوجة بلذة التعاسة كانت غامضة أخذت تربت على روابي
النفس مؤخرا ...
كان المزاج مكدرا .. قــلقـا .. و ليلتها مرت عليها بأرق عنيد ،،
لتستيقظ عند الصباح خاملة متكسرة الأطراف و تائهة في ما ستفعله ..
-
ماذا ستفعلين الآن ؟
باغتها السؤال ، أو بالأحرى خاطبتها بهـية بما كانت تتحدث به إلى نفسها
.
مذهولة و مكسورة و عاجزة عن الفهم وقفت سماح أمام العبارة الراشحة
بالألم و راحت الأحداث القديمة و المتضادة من كل لون تتوالى و تزيد
الموقف و الصورة بلبلة فيما ظل الجواب يضج و يلتمس طريقه بصعوبة لتعرف
أن ما حصل كان حقيقة و كابوسا استيقظ فجأة في لياليها ..
.... و أخيرا ، انتفضت من ذهولها و سكونها و قالت لصديقتها :
-
يجب أن أعلم ماذا حدث في حياته .
-
و ماذا سيفيدك ذلك ؟
-
لا أعلم .. لكن أريد أن أعلم نتيجة الضريبة التي دفعتها من عمري كيف
مآلها ؟ مادامت الخيبات التي تجنبتها لا تزال تلاحقني .
كمن كان يتجه إلى حتفه .. إلى القبر الذي دفن فيه قلبه يوما ما
.. سيعرفه من بين آلاف القبور طبعا ، لأن شاهده كان الخيبة و الخيبة
قلما تكون شاهدا في مدافن الأموات .
كانت سماح تمشي في شوارع شدها حنينها إليها دائما لكنه كان
كتيما .. لا شيء تغير .. الجسر هو نفسه .. مفترق الطرق لا يزال يدير به
سيارات كثيرة و شاحنات و الحافلات المتوقفة لنقل المسافرين إلى باتنة و
سيارات الأجرة للنقل للمدن : باتنة ، بسكرة ، قسنطينة .. الناس هم نفس
الناس و أمكنتهم لم تتغير .. فقط تغيرت هي بهروبها و ها هي تلغي هذا
التغيير .
قطعت الطريق التي شطرت حكايتها يوم الخامس من حزيران ،، و
انتبهت و لأول مرة أنها كانت قوية بعكس ما ظنته بأنها ضعيفة ، فلو كانت
كذلك لكان أول قبلة تتجه لها هو هذا الجسر لترمي نفسها من عليه ..
لكنها تستغرب الآن كيف لم تراودها أصلا هذه الفكرة ....؟
مشت بخطى بدأت تتثاقل .. و دقات قلبها تتسارع ..
عارِضَين متعاكسين يشد كل منهما أعصابها إليه ، ثم راحت
المسافة بين الماضي و الحاضر تتناقص .. تتلاشى ... فهي الآن تستنشق هوى
جديد مغمور بذكريات أليمة و حزينة و مفرحة في بعض الأحيان .
ها هو الزمن ثانية يدعوها للهاث و الحسرة .. مضى ما مضى منه و الآن
يمضي بها فتحاول اللحاق به ظانة أن شيئا ما يزال متعطلا في ركن ما لم
تطله أجهزة الصيانة .. لم تنتبه أنه يتجدد فيما تشرف هي على النهاية .
الصراع سيتجدد .. ستظهر وجوه و تختفي أخرى .. و في هذه الأمتار القليلة
الفاصلة بين انكسار ماضٍ و انكسار آتٍ وجدت نفسها تبحث عن موطئ قدم
تثبت من خلاله خطوتها الأخيرة .... ما قبل دخول قاعة الذكريات ....
الفصل الثالث
همت الذاكرة بالدخول و أنشات بالتدريج تتراخى ...
متوهما بأن الجميع كانوا يعرفون تفاصيل الحكاية راح عرق يتصبب على
الجبين المندى سابقا ، و كتلميذ مذنب أخذ كريم يشرح لها كيف يمكنها فتح
أحد الأجهزة و إذا صادفها أي مشكل فهو في الخدمة ، ما عليها إلا أن
تناديه .
ثم تنبه فجأة أنها لم تكن تصغي إليه ، بل ساهمة جامدة في مكانها
.. فلم يعد يدري إن كان عليه الاستمرار في الكلام أم التوقف ..
سارت بخطوات ثقيلة مرتجفة تكاد تسقطها أمام الجميع إلا أنها تذكرت
أنه ليس من حقها أن تنتظر ما كانت تنتظره منه .
عاد الصمت بثقله يحفر المسافة بينهما ،،
ثم أخيرا تقدم منها معتذرا عما غاب عن ذهنه .
-
مرحبا بك ، كيف خطر لك زيارة هذا المكان بعد كل هذه المدة ؟
أحست سماح أن الكلمات كانت تتدافع في فمها بصعوبة رافضة أن تخوض في
حديث عادي .. كانت كطلقات تتساقط على الرأس ،، فلم تدْرِ ماذا تفعل ؟
ماذا تقول ؟ هل تجيب ؟ ما الذي ستجيب به و الإجابة أصعب من ذلك اليوم
الذي دفن فيه قلبها ....
حتى قررت الصمت تماما كما قرر هو الصمت دائما .
علمت أن أوان التراجع قد انتهى .....
أنها أنفقت كل شيء لتشتري هروبها من حياته و التراجع ما عاد ممكنا .
إذن ها هو الموقف على حقيقته !!!!!
بسرعة خرجت .. كان الهواء يوشك على الوجوم .. كل شيء في الذهن كان
مختلطا .. مضببا بالحيرة و أنشأ غضب عارم يأكل الصدر مستهدفا هذا الرجل
،، تسقيه الحسرة التي لم تهدأ و لم تَكِنْ منذ أول يوم عرفته فيه ..
ثم ما لبث هذا الغضب ينقلب على النفس يعنفها و يتهمها بالغباء و الضعف
.
لم تهدأ هواجس هذه المرأة حتى وجدت نفسها تبتعد كثيرا عن نصف
المدينة .. عن الذاكرة .....
يا لا سلطان هذا الرجل !!!! لقد احتل نصف المدينة بذكرياته و قد
تجاوزت الخط الأحمر عند أول فكرة خطرت لها لتعود إلى مدينة الذكريات
،، راحت تنقب فيها لتعرف ماذا حدث بعد الرحيل .. بعد الانقسام ..
راحت تفتش عن حطام مركبها .. حطام روحها التي تركتها في مدينة الذكريات
..
أولم تهرب كي تنسى كل ذلك الألم المقيد بالذكريات ؟؟!!
ها هي تعود لاكتشافه فكأس الهم الذي ارتشفته لا يزال يعتصر خمره
بنفسه و لم يفرغ .
ها هو اليوم الذي باتت تحلم به ليلة أفقدتها توازنها و قطعت الصلة
بينها و بين عائلتها يمضي نحو نهايته و لم يبق شيئ يستطيع أن يبعث في
النفس الإحساس المنقب عنه بجهد بالسرور و النشوة لمجرد فكرة لقائه و
زيارتها لمكان حمل ذاكرة عمرها كله .
فيه اندس الشباب .
فيه اندس الألــم .
فيه اندس الأمـل .
فيه اخضرت سيقان عواطفها الرومانسية المزروعة منذ الطفولة .
و فيه اقتلعت بوحشية و اعيدت إلى القلب كي تيبس على مهل في الجوف .
عادت سماح إلى البيت .. لم يكن دوار المرض ما يعتريها هذه المرة ..
إنه البؤس و الانكسار .
بعثرت الأيام عمرها بطريقة ظالمة .. و اليوم و لشعورها بأنها تريد
أن تلملم هذه الأيام على مضض ،، وجدت أن الوقت قد تأخر و لم يبق أمامها
إلا أن تعود إلى دورها .. مهزومة و منكسرة حتى آخر رايــة .....
و ثــمة في الجوف عطب مبهم يعتقل العينين و يجعل لهما أصفادا يمنع
عنهما الكرى .
و كشجرة أنهكها النخر وقفت منقسمة .. متمنية أن تنقلب الذكريات إلى
وشم مطبوع في مدخل القلب .. فربما غدا أو بعد غدٍ ستنجلي أحلام هذه
العاصفة الأخيرة .
... الليل آهة حرة و أسى موجع تحت صفعة الخيبات المتوالية ...
تأبطت وحدتها و نامت ،، فهي الآن تفتقد التواطؤ مع الزمن .. تأبطت
دمعتها فهي الآن تجهل طقوس البكاء .
خسوف في القلب مفاجئ .. لم يترك له فرصة الوداع بأغنيات مبحوحة
حزينة ... كان مشتتا لم يستطع الإحاطة بما حدث منذ الزمن أو منذ زمن ..
لا يد حنونة تربت على الكتف المثقل بالخيبات المجرة للانكسارات .. و لا
فضاء واسع يسمع عويل و صراخ الآنات الموجعات ...
إنه حجر على الآلام .. الذي أدى بها إلى نقطة اللاعودة إلى الواقع
.
تناولت مهدئا و استسلمت لآخر الانكسارات .
دخل سليم و أيقظها ، فلم تستيقظ .. لم يبال بما يحدث ظنا منه أنها حالة
تعب مألوفة .
و عند الفجر هاجت في النفس رغبة عارمة في الاستيقاظ و التوجه إلى
باب " الزقاق " .
وقفت الجثة الحية الهامدة و الشاخصة بصرها نحو الأفق ،، و ظلت هكذا إلى
أن نادى آذان الفجر .
استيقظ سليم فلم يجد زوجته .. هرع خارجا فوجدها منتصبة تنظر إلى
السماء .
-
واش بيك أهبلْتِ؟ كيفاش تفتحي الباب في نص اليل و توقفي هنا ؟ معامن
كنت واقفة ؟ هذا هو الرونديفو اللي وَجَدْتِ روحك ليه الصباح ؟ أهدري
لا نذبحك ذروكا في هذا رمضان . ( ماذا حدث
لك هل جننت؟ كيف تفتحين الباب في منتصف الليل و تقفين هنا؟ مع كنت
واقفة ؟ إذن هذا هو الموعد الذي حضرت نفسك له هذا الصباح ؟تكلمي و لأا
ذبحتك الآن في هذا رمضان )
كانت القامة و الضلوع شاخصين بشدة في محاولة منهما لمنع الانفصام
المهيمن على اللحظة ،،،، و لكن الانفصام لم يكن عرضيا ...
هوت القامة على الأرض في آخر انكسار لها ،، فما كان من زوجها إلا
حملها على جناح السرعة إلى المستشفى .
أعطيت حقنة مهدئة و ضمد ما جرح من رأسها ، ثم ما كان على الطبيب العام
إلا أن يؤكد لسليم أن زوجته تعرضت لانهيار عصبي و عليه مراجعة طبيب
نفسي .
-
طبيب نفسي ؟ علاه واش أصْرا يخي كانت لاباس ؟ ذاك الْهَمْ اللي قالهم
أسكتوا .. و زيد بالزيادة كاش طبيب نفسي في بريكة ؟؟
(طبيب نفسي؟لماذا ماذا حدث لقد كانت بخير؟
يا لا الهم الذي لم يكن منتظر .. بالإضافة هل يوجد طبيب نفسي في بريكة
؟)
هكذا استقبلت سماح أول أيام رمضان ، شهر الرحمة ، و هي غائبة عن الدنيا
لا ترى سوى أحلام و صورة مشوشة لِجُملٍ و أسطر ثم أصبحت صفحات تمر في
ظلام غيبوبتها ..
و فجأة فتحت عيناها فوجدت نفسها على سريرها ملقاة كجثة في نعشها ينتصب
عند رأسها الناس لتوديعها .. فتحت عيناها ببطء و كأنها تستفيق من عملية
جراحية و صور النسوة المحيطات بها مضببة ، بالكاد تراهن تحت تأثير ضباب
الألم .
- الحمد لله على سلامتك أخْلَعْتِينا .. واش صرالك ؟
( حمدا لله على سلامتك شعرنا بالخوف عيك ..
ماذا حدث لك ؟ )
- يظهر لي ما اقْدرْتيش تصومي و خَلْعك رمضان قبل ما يبدا .
(يبدو لي أنك لم تستطيعي الصوم و قد أخافك
شهر رمضان قبل بدايته )
- يالا نوضي أنفضي على روحك هاذ المرضة .
(هيا قومي و أبعدي عن نفسك هذه الحالة المرضية )
كانت الكلمات متزاحمات تخرج من أفواههن و تتقاطع لتصنع صدى في رأسها
كأنه وقع أقدام حديدية على بلاط اسمنتي في مكان مهجور ،، لم تنتبه
لنفسها حينما اشتد وقع الأقدام و أطرق يطرق جمجمتها فصرخت في وجوههن :
-
أسكتوا اعْلِيا ... أخرجوا .... ( اصمتوا ..
أخرجوا )
صمت الجميع في ذهول و فاجعة كبيرة قناعتها أن سماح جُنَت .
-
واش بيها مرتك سليم ؟ أصْحيحة وا إلا هبلت
(ما بها زوجتك يا سليم ؟ هل هي في قواها العقلية أم جنت ) -
هكذا كان تذمر الحماة-
-
يا آما راهو الطبيب نتاع السبيطار قالي لازمها طبيب نفسي ما علاباليش
واش أصْرالها ؟ (يا أمي إن الطبيب المتواجد
بالمستشفى أخبرني بأنه يلزمها طبيب نفسي لا أعلم ماذا حدث لها )
-
يا خَاهْ .. طبيب نفسي ؟ يعني مرتك دخلت في عقلها .. حتى أنا ما
عجبتنيش من نهار دخلت لينا و هي ساكتة و هايمة كي البومة ، ماهِيِ
للشوا ماهِيِ للدوا . ( يا إلهي .. طبيب
نفسي؟ يعني أن زوجتك فقدت عقلها .. في الواقع لم تعجبني و منذ أول يوم
دخلت فيه لنا و هي ملتزمة بالصمت و السكون لا فائدة ترجى منها و لا شر
ينتظر منها )
-
يا آما بَرْكِيْنا من هاذ الهدْرة (الكلام) راهي أومها تسمع فيك .
(أمي دعينا من هذا الحديث إن والدتها تستمع
إليك )
-
وَامْباعَد ؟ ياخي مانيش أنا اللي قلت راهي مريضة في عقلها .. الطبيب
هو اللي قال ، و أحْنَا (نحن) : نعرفوا خِيْر من الطبيب ؟؟؟
( و ماذا بعد؟ لست أنا من قال بأنها تعاني
مرضا عقليا .. الطبيب من قال ذلك .. و هل نحن نعرف أكثر مما يعرف
الطبيب ؟؟؟)
لم تكن والدة سماح من تستمع لحماتها و إنما هي نفسها من كانت تتلقى
طعنات السكاكين على الجمل الساقط أرضا .
بعد أن غادرت عائلة زوجها ، بقيت والدة سماح و حاولت أن تفهم ماذا
جرى متحايلة عليها بأسئلة محايدة قناعتها طبعا كأم أن سبب انتكاستها
خلاف زوجي حاد .
ضحكت سماح بسخرية مثيرة للشفقة حتى تغير وجه والدتها ، و قالت في نفسها
:
-
كيف أختلف مع شخص لم تتفق روحي معه مطلقا ، الاختلاف يأتي بعد الاتفاق
و أنا لم أتفق مع هذا الذي يسمى زوجي ،، لم أكن سوى هيكل لجسد لا يخالف
ما يقول الآخر أبدا .. ببساطة لأن كل شيء فيه كان غائبا .. ميتا ، فهل
يختلف الاموات مع الأحياء ؟؟؟
ارتعدت الأم هلعا من حالة ابنتها و أجهشت بالبكاء ، حينها فقط صحت سماح
من حالتها الهستيرية شفقة بوالدتها و قالت لها :
يا آما ما تخافيش .. راكي بارك ضحكتيني كي قلتي ما تفاهمتش أنا و سليم
.. إذا كان واحد ماهو لاتي بالثاني على واش ما نتفاهموش ؟؟
(أماه لا تخشي شيئا .. فقط أشعرتني برغبة في
الضحك حينما قلت أني لم أتفق مع سليم .. إذا كان لا أحد منا يهتم
بالآخر على أي شيء سنختلف ؟؟)
-
يعني زواجتك يا بنيتي زواجة نتاع هَم ؟
(معنى حديثك أن زواجك زواج تعيس )
آه يا أماه .. لقد لمست الجرح أخيرا .. لقد علمت بفطرتك و أنت الأمية
أن زواجي بهذا الرجل لم يكن سوى آخر الدواء : الكــي
أه يا أماه .. لقد أحسست بأن القلب هو العليل و أن الصدر هو المجروح و
ليس العقل كما يظن هؤلاء .
لماذا لم تبقيني عندك طوال الوقت حتى يجيء نصيبي و أتزوج كباقي الفتيات
اللواتي فرحن و شع بريق السعادة بزفهن و دخولهن حياة جديدة على الأقل
ليلة العرس؟ ..
لماذا كتب علي أن أطوف المدينة حتى ألتقي في نصفها حتفي .. و أُذْبح و
أُصلب على يد هذا الرجل ؟
آهات ساخنات خرساء تخرج من الجوف و تعود إليه في صمت .. فمن يضطرها
للصمت الآن ليس هو .. و لا زوجها البائس .. إنما هيبة و جلال والدتها
..
أو ربما كي لا تحملها وزر نصحها بالزواج لأنه و كما قالت ساعتها( ما
بقى ما تقولي .. راكي كبرتي لا ما قبلتيش هاذ المرة راكي تبقاي بايرة
– لا يتبقى ما يقال .. لقد كبرت وإذا لم
تقبلي الزواج هذه المرة فستظلين عانسا- ) ..
لم تكن العنوسة من أخافت سماح ، بل خوفها من ارتكاب حماقات أكثر
مما ارتكبت فأرادت أن تهرب من الألم و ها هي تتأبطه مع ثقل تأنيب
الضمير .
***********************
حاولت سماح أن تطمئن والدتها و تظهر لها بأنها لا تعاني شيئا
خطيرا فقط تعب و مرض عرضي سيزول مع تناولها الأدوية ،
لم تقتنع والدتها حتى اضطرتها إلى استجماع قوة ليست بداخلها إنما
استوردتها من خوفها على حدوث شيء لها من شدة فزعها و هلعها .
جلست الأم و ابنتها تتحدثان عن حلول شهر رمضان في هذا الحر الشديد
و كانت الوالدة تتحدث بتواصل حتى تزيح عن ابنتها التفكير في خلافها مع
زوجها لأن يقينها بأنه السبب لم يتغير ، أما سماح فقد كانت تسايرها كي
تبعد عنها شكوكها و مخاوفها و ألا تلمح كلاما و أشياء في عينيها لو
طلبت منها تفسيرها فلن تستطيع .
حان وقت الظهر ، و انطلق الآذان يردد صوت الحق في الأرجاء ، حتى صوت
الآذان كان يذكرها بكل شيء و همت ثانية الذاكرة الملعونة تستيقظ ، لكن
الوالدة قطعت سيلها و قالت لابنتها :
-
لازمني نرجع للدار .. مش هاين عليا نخليك و انتِ هاكا ، هيا تروحي
معايا .( يجب أن أعود للبيت .. لا أحتمل
تركك و أنت بهذه الحالة ، فلتذهبي معي )
-
ماكان لاه يا آما .. والله العظيم ماكان حتى مشكل بيني و بين سليم
.( لا داعي يا أماه.. أقسم لك بأنه لا يوجد
أي مشكل بيني و بين سليم )
-
أمَالا ما تنوظيش و تطيبي المغرب راني نبعثلك
.( إذن لا تتعبي نفسك و تعدين الفطور سأرسل
لك به )
-
ما تْشَقِي روحك ما تبعثي بزاف .. على حساب الحالة راهي خالتي ربيحة
راح اتْعَشي بنْها عندها و تعمرلو راسو بالهدرة اللي ما قدرتش تكملها
أهْنا . ( لا تجهدي نفسك و لا داعي لإرسال
كمية كبيرة .. على ما يبدو فإن حماتي خالتي ربيحة ستبقي ابنها ليفطر
عندها كي تكمل الحديث الذي لم تستطع إكماله هنا )
-
ربي يهدي ما خلق يا بنيتي .. هيا أبقاي على خير و اتهلاي في روحك و صح
فطورك (هداهم الله يا بنيتي .. إذن أتركك
بعافية و حافظي على نفسك و رمضان كريم )
خرج الكل .. عاد كلٌ إلى بيته .. و عادت هي إلى وحدتها .. إلى
ألمها .. و مرت لحظة طويــلة محملة بأسى أحلامٍ مقتولة و أنفاس محترقة
و قلب جريح ، جرحٌ لا يستطيع النزف فقد اقتنعت قبل اليوم أن جَرْحَ
الميتِ لا يؤلم.
عادت إلى سريرها و أغمضت عينيها لتسترجع تلك الصور المشوشة التي
كانت تسبح في فضاء غيبوبتها .
كانت كطلاسم لا تفقهها ثم ما لبثت أن توضحت رؤيتها ،، إنها كلمات خطتها
في قلبها و جعلتها كسنة نبوية تقتدي بها ،، قالها جبران خليل جبران :
إذا المحبة أومت إليكم فاتبعوها ،، و إن كانت مسالكها صعبة متحدرة .
إذا ضمتكم بجناحيها فضموها ،، و إن جرحكم السيف المستور بين ريشها .
إذا المحبة خاطبتكم فصدقوها ،، و إن عطل صوتها أحلامكم و بددها كما
تجعل الريح الشميلة البستان قاعا صفصفا .
لأنه كما أن المحبة تكللكم ،، فهي أيضا تصلبكم.
و كما تعمل على نموكم ،، هكذا تعلمكم ، و تستأصل الفاسد منكم .
و إن أحببت فيجب أن :
تذوب و تكون كجدول متدفق يشنق آذان الليل بأنغامه .
أن يجرحك إدراكك الحقيقي للمحبة في حبة قلبك و أن تنزف دماؤك و أنت
راضٍ مغتبط .
... قد حَفِظتْ الدرس جيدا .. طبقت السنة ..
و ها هي الآن مجروحة بسيفها لأنها اتبعتها ..
و دامية قدميها بأشواكها لأنها سلكت دروبها الوعرة .
و قتلت جميع أحلامها لأنها سمعت فقط لصوتها .
... إنها تنزف و هي راضية ، هل من تمرد يا جبران* أكثر من محاولة
امرأة متزوجة اللِهاث وراء حب متأصل في عروقها لم يترك قطرة واحدة
تعتصر بحب زوجها ؟؟؟؟؟؟؟
-
كيف لي أن أحببت هذا الرجل إلى هذا الحـد ؟ و لماذا ؟
و بعد أن دفعت ضريبة صعبة لنسيانه ، لماذا لم أنسه ؟ و رحت أفتش عن
مدينته التي غادرتها منذ أن أدركت أنه ليس لي ؟
هي التساؤلات التي لم تجد لها الإجابة ،، ولن تجد ...
... الموت أصناف ،، و سماح ظنت أنها بعدم تفكيرها في الانتحار عند
" قنطرة طريق باتنة " ذات الخميس من حزيران ، فهي اختارت الوجهة الأصح
.. اختارت الحياة .....
و لكن هيهات ....
موتها كان قد سُطر و انتحارها بدأته في تلك الأمسية الصيفية التي
ارتبطت فيها برجل لا تحبه ..
و هـي ؟؟ من تكون الآن ؟؟ و ماذا سيحل بها ؟؟
ليست سوى عود صفصاف في مهب رياح الانكسارات .......
تمت سبتمبر 2008
*تفسير :
بأنها قد حفظت الدرس جيدا و طبقت السنة التي تحدث عنها جبران خليل
جبران في الحب و رغم ذلك فإنها لم تلق نتيجة حفظها لهذا الدرس من الشخص
الذي أحبته باعتباره من كانت تمتحن أمامه و لا حتى أشار بملاحظة .