.

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

الشعر الحر

و

الخواطر

و

القصائد النثرية

و

المقامات

 إمرأة تنازلت عن الحرية في ملكوتها

زهير اسليماني*


        اللذين يفقدون حريتهم على يد امرأة، يقولون بمرارة إن المرأة الرائعة من تمنحهم دفترا وقلما قائلة أكتب.
تلقى هذه العبارة، دارت عيناه في رأسه من جراء احتدام الأسئلة، همس في نفسه: "من صفات المرأة الرائعة أن تمنح أسيرها دفترا لعله يجابه وطأة الأسر بالكلمة، لكن ما الذي قد يكتبه أسير امرأة، فأسير الحرب قد يكتب عن مآسي الأسر طلبا للحرية، أما أسير الحب فلا يملك إلا أن يمتدح أسره لعل الأسر يحتضنه.. فل أكتب عنك أنتِ"، هكذا حاول توريطها معه، لعله يكتشف ما الذي يكتبه أسير امرأة، تساءل:"لكن ما الذي قد تطلبه امرأة من أسيرها لكي تحرره؟"
- أكتب عن جراحاتك لكي أطلع عليها فأضمدها لك دون أن تعلم.
= لكن كيف للجلاد أن يضمد جراحات ضحيته إلاأن ينثر عليها ملحا؟
- إذن فلتكتب عن جراح الضحية وآلامه وأحلامه بطريقتك الجميلة المعهودة،
= لكن كيف أكتب عن الجمال بعدما صرت أخشى الشيء الجميل، فالنور يحرق الفراش، والشمس تحرق من يحلق قريبا منها.. وخيار الابتعاد ليس إلا وجودا في الظلمة والبرودة؟
- يا لكَ من رومانسي مأساوي، تبني عليكَ من صروح الوهم أسوارا عالية
= إنها لا توجد مأساة أكثر من محاولتك إسعادي بكل الطرق غير طريق السعادة.. فأنت تمنحين للعشاق في الحلم منديلا عله يجفف دموعا انهمرت من الحسرات عليكِ.
- ألا تأمل أن أفعل هذا في واقعكَ بدل حلمك؟ لأنه سيكون أجمل؟
= فعلا لا أطلب أكثر من هذا لكنه خوفي وخشيتي أن لا تقرئي ما يكتبه دمعي إلا بعد أن يجف فيكون قد فات الأوان..؟
- لكي أكون تلك الرائعة التي أطمح أن أكونها في حياتكَ ولا استطيع، فلتتأملني وعيناك مغمضتان، سأكون تلك الرائعة التي تريد، لكن في أحلامك وخيالك وكتاباتك، اعشقني وإن كنتُ أبدو لك الثلج والصخر والجلاد.. فهو خارج عن إرادتي، فأنا لا أرغب في الموت خارج قلبكَ لكنني لا أقدر أن أُحْيِكَ داخل قلبي،إن كنتَ تحبني، فلتحزن من أجلي لكي أظل فرحة، هذا كل مطلبي.
= يالكِ من رائعة متميزة، لا أملك ان أتحررمن قيد الرغبة في امتلاككِ لكنني لا أستطيع امتلاككِ، إلا من خلال أحلامي وتأملك مغمض العينين؟
- إن كنتُ السبب الذي يُشعِرك بالحزن والأسى ويدخلك بروج الكآبة، وإن كان غيابي يلغي الوجود بالنسبة لك، فابكي واحزن من أجلي ابكي لكي ترتاح وبعدها قد أمنحكَ منديلي الأحمر صك تحرير لك من كل هذا..
استفاق من شروده على رنين هاتفه الخلوي ليجد رقمكِ، ليعود إلى دائرة التيه من جديد: "وهل تكون المرأة الرائعة غير تلك التي تجرع عيوننا حنظل كحلِها المر، وبعدها تمنحنا منديلها الرطب قائلة: الآن افتح عينيك.. ولا تخف فسأجفف دمعكَ لتراني كما تريد؟"
ثم تناول قلمه الأسود و وريقاته الرمادية، محاولا أن يختار بين مرارة الحرية ومتعة الأسر.. لأنه يرى في الانتظار حالة عبودية قصوى، لا سبيل للخروج النسبي منها غير الكتابة. سيكتب فقط لينطلق بعيدا عنكِ:
"إنني أشعر برغبة جامحة في الكتابة، برغبة في التعبير الحر من أجل أن أكتشف ما أنا؟ وماذا أريد؟ ولكن المشكل الذي يعترضني هو الكتابة حول ماذا ولماذا..؟"
ولما لم يجد مشروعا جاهزا للكتابة، لجأ إلى محايلة شعوره الظاهر والمكبوت.. واستفزازه من خلال السؤال الحاد التالي:
= لماذا نكتب؟ انهال علىرأسه بمطرقة السؤال مرات عديدة لعله يستخرج ماء الجواب من صخره المستعصي.. طرح السؤال على مختلف مناطق نفسه، وراح يجيب: "لماذا نكتب إن لم يكن من أجل أن نعيش حياة أخرى غير الحياة الظاهرة المعتادة؟ وأن نعلن جهرا كلما نكتم من أسرار ومن آلام ومن لواعج وجراحات دفينة لا تنتظر إلا أن تنكشف للآخر لكي تندمل، لماذا لا تكون الكتابة بوق يليق بحجم المعاناة التي لا تجد لها أذنا صاغية ؟ لماذا نكتب، إذا لم يكن بغاية منح الروح حقها السامي والأساسي، المتمثل في تحقيق الماهية والسمو عن الواقع المادي وربطها بالماضي والتاريخ بالجذور الضاربة في عمق الوجود، وفصلها عن هذا الجسد الهزيل، الخائف، هش المعاني والدلالات.. الذي تتلاعب به أمواج الزمن عبر ذوات الآخرين طوعا وكرها..
لماذا نكتب إن لم يكن من أجل إعادة القيم التي أعدمتها العولمة بتأليهها للربح والاستهلاك. والحداثة بتأليهها للعقل وإعدام الوجدان وإغفال الحقائق القلبية.. والشيوعية بخلق إنسان ببعد واحد أينما ينظر يرى نفس الشيء بنفس التفكير واللباس وكأنه ليس إلا نسخا تتنتجها آلة نسخ كبيرة.. إنه الاستسلام للرغبة في البقاء وللرغبة في العيش الآلي.. وحيث أن هذا مطلب الكل، فيتساوى الانا والآخر في الغاية والوسيلة ويعدم الحق في التنافس والاختلاف والصراع وتختفي ثنائية العبد والسيد التي ينبغي لها ان تظل محركا للتاريخ كي يفهم الانسان معنى العبودية والاستعباد ومعنى الحرية والتحرر..
لماذا نكتب إن لم يكن من أجل إعادة القيم المسلوبة التي أعدمتها تحولات الكائن والمجتمع وسيرورة التاريخ، بل من أجل استعادة هذه القيم فالكتابة من تعيد كل ما فات وقد تؤجله وتؤبده إلى ما لانهاية.. هي من تفرض على الفارس أن يحقق ما قال، لأنها تشهد عليه وقد تكون سبيله إلى حبل المشنقة، وقد تكون عذابه الأكبر ورحيله من وطن إلى وطن، وقد تكون سببا لموعد مع الحتف كما حدث مع المتنبي، وقد تكون قسما ملزما على انتظار ما لايأتي..؟
لكن كتابة ماذا؟ كتابة ما حدث في الماضي ورصد كل لحظة جميلة مرت.. لكن ما هي اللحظة الجميلة؟ أتلك التي نكون فيها سعداء؟ وهل نكون فعلا سعداء؟ أليست اللحظة الجميلة هي تلك التي تشتد فيها الأزمات لأنها التي تجَلِي لنا معنى الشعور بالسعادة؟ لماذا الماضي وكأنه جزء من تكوييننا العضوي؟ في حين أن الزمن أرخص ما في الوجود فالكل يمتلكه.. لماذا الاهتمام به وذكره في كل سطر وكل فقرة وكل نص؟ لماذا يشكل عقدة أديب لنا؟ ألا يمكن الاستمرار في الوجود دونما الاهتمام بالزمن؟ شخصيا سأنفصل عن التفكير والكتابة عن الزمن لن ألومه ولن أعاتبه.. ولكن عن ماذا سأكتب الآن وأنا أعيش لحظة استلاب وحالة طوارئ ووجودا مفارقا، وغيابا عن المكان وغربةً عن الذات، ورحلةً إلى حيث ما لم أكتشفه بعد من جراء ما سأقدم عليه؟
فلأكتب عنكِ أنتِ، التي تصيبين حواسي بالفوضى وتعطلين كل شيء بحظورك، وتدخلينني لحظة التيه الجميل والتحرر من كل السلط والقضبان التي تحوط ذاتي لتبقي أنتِ أسري وآسِرَتي.."
هي لحظة تراجيدية يحياها هذا الكائن، تكسرها نقرات عقارب الساعة التي تدورفي نفس الحلقة.. تزيد من تراجيديتها دقات قلبه التي تجهر بحنقه المكبوت في صمت رهيب يخيم على المكان..
استرسل: "لكن لماذا أكتب إن لم يكن من أجل أن أعيش الحياة بحرية وكما أريد، بطريقة فنية وليس تقنية رياضية؟ لماذا أكتب إن لم يكن منا أجل سر أكتمه وأخشاه ولا أعلم ما يخلفه من دمار شامل إعلانُه أو التحدث عنه؟ لماذا لا تكون الكتابة بيانا من أجل استشعار الحرية، وكسر كل الأصنام والطواطم والطابوهات؟ نعم أكتبُ من أجل تذوق نسيم الحرية، داخل جحيم الوجود مع الآخر ورفضه، أكتب من أجل الشعور بالحرية وإرسال رايتها وإعلان الإنتماء.. أكتب فأشعر أنني حر لأني أكتب ما أريد، كما أريد ومتى أريد.. أكتب فأشعر بالحرية، أشعر بالإنفلات من قبضة العالم الخارجي، أصير جامحا كطير ظل لسنين داخل القفص، يناشد امرأة لعل قلبها يرق له فتحرره لما تبقى من عمره وتهديه منديلها الأحمر لكي لا يقع في الأسر من جديد. ها أنا لما أتحرر من العالم أبدأ بالتحليق بعيدا في عوالم الخيال والكتابة لتقودني الخطوط إليكِ من جديد، أتحرر من الكائن المرابض بداخلي، من العالم الجاثم على أنفاسي.. لكنكِ تعيدينني إليه، تبقين الرابط المتين بيني وبين العالم، وهنا يكمن فشل حد الكتابة في زرع الحرية، لأن الكتابة إليك وعنكِ نوع من العبودية."
ومضى إلى حال سبيله، يتأمل كل شيء فيكِ من جديد، وكل شيء في وجوده فيه شيء منكِ، تمتدين بين الأرض والسماء، في الوجود والماء والعماء..
همس: "يالها من فوضى عارمة، أن يرافقكَ الأسر إلى كل الألوان والأشياء والأمكنة.."
=============

زهير اسليماني/المغرب
zou.slimani@gmail.com  
=============

إلى "فاء-زاي" حيثما أنتِ في حرقة عشقي وشوقي.