
قصة
جبران الشداني
قال
لي صديقي و هو بين الصحو و السكر
:
-
لماذا لم
يحضر عباس جنازة البارحة..
قلت له و أنا أفتح القنينة التاسعة بعقب قداحته
:
-
بل لعلك تقصد ..لماذا لا يحضر عباس اية جنازة على وجه الاطلاق
..
نظر الي
باستغراب ، ثم نظرنا الى رصيدنا الباقي من القنينات ، فقدرنا
بأنه يسمح بدعوة عباس
ليسكر معنا ، و يجيبنا على هذا السؤال الذي اتفقنا بأنه أهم
سؤال صاغه العقل البشري
في جلسة خمر. أخد هاتفه المحمول و ركب رقم الرجل ، ثم قال
:
-
لدينا بعض
القنينات هنا ..فالتحق بنا حفظك الله
.
و مرت دقائق معدودة فجاء عباس دون
استبطاء ، و أقسم بمجرد دخوله بأننا خير اصدقائه ، و أننا رجال
في اقتسام المسرات و
المسكرات ، فناولناه قنينة أصر على فتحها بأسنانه ، وأنكرنا أن
تكون دعوتنا جميلا
استثنائيا يستحق عرفانه ، شربنا معه واحدة و اثنتين ، و تحدثنا
في النساء و عمن
نعرفه من أوغاد و أولاد قحاب ، ثم قررت اقتحام باب السؤال الذي
أرهقنا البحث عن
جوابه، خوفا من أن تنتهي الجعة قبل انتهاء أحاديث النساء..و هي
أبدا لا تنتهي ،
فقلت
:
-
كنا نتحدث عن جنازة البارحة ، فانتبهنا الى غيابك عنها ، و هي
جنازة
عمك ، ثم انتبهنا بعد ذلك الى غيابك عن كل ما شهدنا من
جنازات..فقد مات ابن خالك من
قبل و غبت ..و ماتت جدتك فغبت ..و قال لي ذلك الرجل ابن
المومسة ..بأنك لم تحضر حتى
جنازة زوجتك .. و أنك لا تعزي أحدا في موت قريب أو حبيب ،و
نعرف بأنك رجل على خلق
جميل ، لكن الناس بدؤوا يتحدثون خلف ظهرك ، و يتساءلون عن
السبب الغريب الذي يجعلك
تغيب ..و يمنعك عن تعزية من يجب فيهم العزاء ، ألن تعزي في أذا
مت يوما يا رجل
..
قام عباس من مكانه و لم يجبني بكلمة ، و سمعت صديقي يقول
:
-
و ما السبب
الذي يمنع رجلا من حضور جنازة زوجته ، انك غريب و الله أخي
عباس . لقد جمعت في
حياتك كل عجب الدنيا ،..من دراية بالطب والسحر و العرافة
بأسرار الناس ، و خلق عجيب
يصعب فهمه
.
قال عباس و هو يتجول بناظريه في كل أنحاء الغرفة ، تهربا من
النظر
الينا
:
-
الأسباب كثيرة أخي ، و بعضها يقال و بعضها الاخر لا يقال ..،
لكن لا
تذهب بفكرك في الاتجاه الخطأ ، فلم اتجنب جنازة زوجتي كرها لها
، او تبرءا من
ذكراها ، و اذا كنت تصر على معرفة أكثر..سأخبرك بأن لا علاقة
لصاحبها الاسكافي
بقراري
.
قال صديقي ، بصيغة من يؤكد بأنه لا يجوز ذكر الاموات الا
بالخير:
-
الله يرحمها مسكينة
..
-
نعم مسكينة ..و قد نكحها جاري مرارا في غيابي ،
شفقة عليها ربما ، لكنها ماتت في سريري ، و كنت افضل ان تموت
في سريره،الم تكن
ترتاح هناك أكثر
.
أفرغ القنينة في جوفه و تابع
:
-
لكنكم تخطئون أن
اعتقدتم بأني تجاهلت جنازتها لهذا السبب ،احببتها طيلة حياتها
، أما و قد رأيتها
ميتة .. كما رأيتها...
قال صديقي
:
-
ألا تشتاق لها..أحيانا ؟
أجاب
عباس ، بصوت حزين
:
-
كثيرا ..لكن لافائدة من حب الموتى ..لقد قلت لك بأنهم
أولاد قحاب
.
قال صديقي
:
-
أفهم
قال عباس
:
-
بل أنت لا تفهم شيئا
، تعتقد بأنني اتحدث عن ألم من يفقد قريبا له ..بينما أقصد
حقيقة ألأموات أنفسهم
...هل
رأيت من قبل شخصا ميتا ؟ أخبرني
..
فكر صديقي قليلا ، و ربما تفاجئ و هو
يتسكع في ذاكرته ، بأنه لم ير شخصا ميتا من قبل ، فقال و هو
يداري خجله
:
-
لا
التفت الي عباس ، ففهمت بانه يوجه لي نفس السؤال ..قلت بثقة
بالنفس
:
-
نعم
رأيت جثة جدتي قبل دفنها
..
قال عباس
:
-
لقد رايت جثة كما قلت ..مجرد جثة
,
لكنك لم تر شخصا ميتا من قبل
.
بين عالم الحياة و الموت ..يمتد نفق طويل جدا
..و
نحن لا نعرف غير بدايته و نهايته . لم نعش غير محطته الاولى و
هي الحياة و لم
نسمع بغير محطته الاخيرة و هي الموت.لكنه غني بشتى الأسفار و
المحطات الاخرى التي
لا نعرف عنها الا القليل
..
قال صديقي
:
-
و هل ضبطت زوجتك وهي تتسكع في
احدى هذه المحطات ..في غفلة منك
.
لم اتمالك نفسي من الضحك ، لكن عباس استمر
يشرح لنا قصده بجدية لم أعهدها منه ، قال
:
-
نعم ..هذا ما حدث بالضبط
.
كنا متأكدين من اختراعه لهذه الحكاية ، لكنه لم يكن يهتم بعدم
تصديقنا له ، و
كيف نصدقه و قد شرب من الجعة ما يجعله يرى الرجل اثنين ،قال
صديقي
:
-
فكيف
دخلت أنت هذه المحطات و لم تفارق قط في حياتك الزقاق الخلفي
..حتى انك تضيع ان ذهبت
لمحطة الاوطوبيس
..
قال كمن ينفي عنه تهمة نتفنن في حبكها ضده
..
-
أنا لم
اذهب عندها يا سيدي ..بل هي من حضرت لغرفتي ..لقد ضاقت أرض
الرجال أمام عينيها و هي
حية ، حتى لم تجد غير جاري ، و بابي على بعد سنتمترات من بابه
، و حين ماتت ، أصرت
أن لا تعود الا شبحا و معها شبح خليل اخر ..لقد رأيتها في
يقظتي ساعات بعد اعلان
موتها في المستشفى ، فأخبرتني عن النفق الذي حدثتكم عنه ، و
قالت أنها لا تصبر على
انتظار اجتياز النفق الا بصحبة خليل يؤنس وحشتها و يسلي جسدها
، فقلت عليك اللعنة
يا امرأة ، أنت طالق بالثلاث
..
قال صديقي
:
-
طلقت زوجتك و هي ميتة ..هذا
لا يجوز شرعا
.
التفت اليه عباس و قال
:
-
و الله انك لحمار حقا ...أقول لك
بأنها تضاجع خليلها أمامي فتلومني على تطليقها ، و هل تنتظر
مني أزين كفها بالحناء
..
-
نعم لكنها ميتة ,,و شكلا لا يجوز هذا التطليق
.. ..
قال عباس
:
-
اذا اخبرني أيها المفتي .. ، ماذا تفعل لو كنت مكاني .و كتب
عليك أن ترى شبح زوجتك
ينكح أمامك كلما شاءت ذلك ؟ يا ناس ...هل تعتقدون بأني أمزح أو
بأني سكرت ..و الله
ما كذبت ، و ان كان من شك فيما أقول ،فأنا أدعوكم لقضاء الليل
عندي ..و سترون ما
رأيته و كذبتموه ، لو كنت مكانكم لكذبت كما تكذبون ،و لكن ، لو
عرفتم هذه الجنية
..كما
عرفتها ، و أدركتم مدى حبها للأير ، لتعجبتم كيف يضع القبر حدا
لسعارها
..
لف صديقي سيجارة ، و هو يعض شفتيه ، ليظهر امتناعه عن الكلام ،
ثم حك قفاه ، و
فكر قليلا ..ثم قال
:
-
و الله انها لامراة - مسخوطة - ، و لكن استغرب كيف لم
تطلقها و هي حية ..لو كنت مكانك لما انتظرت حتى تموت هذه
المصيبة..
قال عباس
:
-
فهل تطلق زوجتك ، ان اخبرتك بمن يذوق عسيلتها و اخبرت صاحبك
أيضا ؟
قال
صديقي محاولا انهاء حديث قد ينتهي بخصام لا يرغب فيه
:
-
صديقي عباس .. كلنا
أذان صاغية فتفضل
.
أخرج عباس من جيبه أوراق اللعب التي لا تفارقه ، و بعثرها
ثم أعاد تنظيمها ،و قسمها نصفين ، ثم كشف عنها في صفوف من خمسة
أوراق ,و حدق فيها
محاولا استنطاقها و هو يدخن سيجارته .و قال
:
-
هل تصدق بانني ارى كل شيءالان
..اراها
أمامي ، ممددة عارية على سرير غريب ..لحاف أزرق و رجل عجوز في
الخمسين من
عمره ،
قال صديقي
:
-
ذلك طبيب الولادة أيها الاخرق ..اللعنة عليك
.
ضحكت ملء أعماقي مرة أخرى ، لكن عباس قال
:
-
بل هو يعالجها بما لا يجوز؟
و حمل ورقة ليضعها بين ناظريه ،فكتمت ضحكتي لما رأيتها ، و قال
صديقي في براءة
طفل:
-
أريد أن ارى أنا أيضا
.
فقرب اليه ورقة الواحد ، التي انتصبت فيها
قرعة طويلة ضخمة و قال
:
-
هذا - اللاص كرعة ..فهل تعرفه ؟
قال عباس
:
-
هذا رمز الجاه و السلطة ..و أراك تغير الرموز بحسب هواك..
-
بل هو رمز
الأير ، و قد اكتشفت ذلك بعد ابحار عميق ، في علوم العرافة و
الكهانة و الفلك و
الزايرجة ،
و معرفة بحيل النساء و خدعهن ،
و ان أردت قطع الشك باليقين ، اسأل
زوجتك عن طبيبها ، أو اتبعها الى عيادته في غفلة منها
.
جاء دوري ، فهاجنمي
بأوراقه ، متوعدا باظهار ورقة الواحد مرة أخرى ، لكني قلت
:
-
أنا لا أدعي شرفا
لزوجتي ، لكني افضل أن أعيش اعمى بين احضانها ، على أن افتح
عيناي حين تكون بين
أحضان رجل أخر
.
..
كان هذا اخر حديثنا .. فقد نفذت الجعة بعد ذلك ،
فافترقنا و كل منا يشكر حضور الاخر، و بعد شهر التقيت عباس
صدفة عند الجزار ،
فسألني إن كان صديقي قد طلق زوجته ، اجبته بالنفي ..فابتسم ، و
نصحني بشراء خصيتي
ثور طازجتين ..ثم ذهب