الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية  

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

مبادرات

إلى متى أيها الإعلام

قصة قصيرة

مصطفى خداد مبادرة*

 

 

 

         أصيبت أم مغربية وفتاتيها الحسناوين بأنفلونزا الخنازير، و كان أهون عليها أن تموت و لا ترى جميلتاها اليافعتان تعطسان أو تلازمهما دزة من المناديل البيضاء و علب أدوية مضادة للجراثيم.

انحصر الحدث وهوله داخل البيت القصديري الضيق، و توالت المصيبة تلو المصيبة، وخافت الأم سريان الخبر في حي آخر ما ينقصه هو هذا المرض المرعب.

في ذهن الأم عديد من الأسئلة العالقة بدون أي جواب منطقي ومقنع ، سمعت من السلطات أن الوضع مسيطر عليه و أنه لا خوف على المواطنين و لا هم يحزنون ، فسلمت و آمنت بقول السلطات .

خمسة أمتار و نصف المتر مربع، تفرق بينها جدران من قطع خشب مترهل، تأكل منها الأرضة و لصوص الزيت لدى المغاربة" سراق الزيت "،و تسكنها عناكب الفقر، أوان مكدسة على لوح خشبي مشحم بزيت الوجبات المتصاعد ، تثيرك طنجرة سوداء، غطاءها مثقوب يخترقه سلك مصدى يساعد على حملها من على النار و هي تشبه إلى حد كبير طنجرة أيام الدراسة العجيبة ، تلفاز يشع منه الضوء، و هو ألمع ما يحتويه هذا السجن الرحب ، فاخر و فاخم كل الفخامة، تحته مستقبل قنوات فضائي .

ألم يكن من الجدير بهذه الأم أن تستبدل هذا الجهاز بضرورة أخرى تفاديا لعدم التناسق ؟

سؤال يطرحه كل غريب زائر، و هو بالنسبة إلى المنطق المغربي بديهي، لكنه بلادة، بل جهل ، إنها لم تشتره إلا لأن له ضرورة تدريها و تعيها كل الوعي خاصة و أن لها ابنتان .

اشتد المرض، أخد الكل يسعل، فأنتشر الوباء ليصل الجيران وتتسع رقعته إلى أن أصبح الحي كله بؤرة للأنفلونزا.

طرح السؤال من جديد لكن بشكل جماعي :

ــ من أين أتتنا المصيبة ؟

وصل الأمر أخيرا للسلطات، واستنفرت وزارة الصحة و الداخلية كل إمكانياتها و طاقاتها لمواجهة الوباء، فعزلت المنطقة كليا و كانت محور وسائل الإعلام المختلفة، أخذوا العينات و ضربوا حضرا على المنطقة و شعر السكان بالاهتمام و الأهمية و العناية الفائقة لأول مرة.

انهالت الخيرات على الحي و كان لهم ما اشتهوه من طعام و شراب طالما سبحوا في أحلامهم محاولين "درك بعض ما أصبح لهم" دون جدوى .

 استبدلت دور الصفيح بالخيام المؤقتة درءا لانتقادات وسائل الإعلام الأجنبية، و تغير حال الحي داخل المدينة، و علم أعيانها و أكابرها لأول مرة، أن هناك حيا بتلك المواصفات في باحة حديقتهم الخلفية المنسية.

بعد أيام من التنقيب و البحث المضني، توصلت السلطات إلى نتيجة مفزعة للحي قبل الشعب، فقررت كعادتها ألا تذيع الخبر إلى حين إيجاد صيغة لمحاربة الداء، لكن و لأن القرصنة من أبرز السمات التي تقض مضجع النظام فقد تسرب الخبر.

في اليوم التالي ، أخذ الجميع يتخلصون من أجهزة التلفاز و الاستقبال معا ، فكانت فرصة للمتشردين و الباعة المتصعلكين و المتسولين الذين لا يأبهون لأي مرض،  لأنهم أصلا في وباء يعتقدون أن لا وباء يضاهيه ، كانت لهم فرصة تحقيق أحلامهم البسيطة في التسمر أمام الشاشة الزجاجية لمدد غير معلومة، و عيش إحساس العولمة و الانتماء للمدنية الجديدة.

شاع إذن، خبر مسؤولية المسلسلات المكسيكية المترجمة ، عن الداء ، وخرجت وزارة الصحة عن صمتها أخيرا و أكدت الخبر، فجمع وزير الإعلام حقائبه و اتجه صوب المطار، و استقل الطائرة فطار، ولم يعثر له بعد ذلك على  آثار .

أعطت وزارة الصحة تفسيرا علميا مطولا لم يفهمه أحد غيري، فحواه أن إدمان سكان الحي لهذه المسلسلات هو السبب في انتقال العدوى، خاصة و أن الجهاز الذي ضبط عند العائلة الأولى، جهاز عالي التقنية و التطور، إذ بإمكانه أن ينقل للمشاهد كامل الشعور  ليعش الحدث و كأنه مكسيكي مغربي من بيت صفيحي يصبو إلى الغنى ،  جهاز يوصل الحزن و البهجة معا، ليتجاوزهما إلى إيصال أنفاس و خفقات أبطال الفيلم ، ففيه مجسات تتحسس حرارة الجسم ،خاصة لدى الجنس الخشن المشهور باللطيف عند غيري طبعا  ، لتجعل من  المشاهد ذو القلب المرهف و العقل الساذج عبدا لا يحب الحرية و الانعتاق.

فإلى متى أيها الإعلام ؟

============

 *مصطفى خباب - المغرب