أدب

صفحات خاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

اعترافات قناع
مرآة لعذابات مؤلفها يوكيو ميشيما
 

   عرض : رشا المالح

     رأى  الكاتب الياباني يوكيو ميشيما نفسه كأحد محاربي اليابان القدماء الذين يحملون شرف الأمة ومباديء ومثل تشابه محاربي الساموراي وغيرهم، ورآه العالم أديبا مبدعا وعظيما فمكانته لدى اليابانيين تماثل تماما مكانة هيمنغواى لدى الأميركيين إن لم يكن أكثر. وقال الأديب الروائي الياباني ياسوناري كواباتا الفائز الأول بجائزة نوبل في اليابان في مجال الأدب: «إن كاتبا مثل ميشيما يظهر مرة واحدة كل 200 أو 300 عام».
ويكفي للإطلاع على سيرته الذاتية قراءة روايته الخالدة «اعترافات قناع»، فهي بمثابة اعترافات صريحة وجريئة لعمق الذات. وتعود أهمية هذه الرواية والمكانة المرموقة التي احتلتها في الأدب الحديث للروايات الخالدة، لأسلوب الاعترافات الذي قدمه ميشيما بمعزل عن حبكة القصة. وكما يوحي عنوان الرواية، فهي تتضمن بحث الإنسان عن هويته من خلال ذاته والذي يستمر بإصرار حتى الصفحات الأخيرة من الكتاب.
وتتمثل الرواية الحديثة في الأدب الياباني في تناولها لعالم الذات الداخلي، وبذا فإن هذه الرواية تترجم اعترافات الأنا. وتبعا لما يقوله كاراتاني رائد الأدب الياباني الحديث، فإن هذا الأدب يعنى باكتشافات الذات الداخلية، التي تحدد برسم الحد الفاصل بين العالمين الخارجي والداخلي، أو من خلال التعامل مع المشهد وعلاقته بعمق المنظور الخاص المحدود في الأنا.
وتبرز أهمية تلك الرواية من خلال مقولتها، «أنا أعترف بالحقيقة الداخلية»، أي السر المكنون، الذي يقف قبالة العالم الخارجي وزيفه وسطحية القناع الذي يحجب عالم الذات عنه.
في روايته تلك التي تقترب من طابع السيرة الذاتيه، يطرح المؤلف معاناة وصراع رجل يعيش خارج إطار أعراف وتقاليد المجتمع، محاولا بيأس أن يجد مكانا له فيه.
وبطل الرواية، كوشانيز الياباني الذي يعيش في مرحلة ما بعد حرب اليابان يجاهد باستماتة ضد اختلافه عن الرجال الآخرين، ويسعى بشتى السبل ليكون واحدا منهم. وللتمكن من العيش في مجتمعه عليه أن يخفي اختلافه خلف قناع.
ويتجلى إبداع ميشيما الذي ولد في طوكيو عام 1924، في تساؤله إن كان هناك «ذات حقيقية» خلف القناع، الذي هو في الواقع شخصه ووجوده. ولدى ولوجنا لما وراء القناع، يرينا المؤلف هويته المبعثرة بسبب اختلافه عن الآخرين، مما يجعل نرجسيته تتمركز حول كرهه لذاته، وتتمحور حول الحب القوي للموت والدماء، والذي يعكس في الحقيقة خوفه من الموت ومن الرفض. ويقول ميشيما، «أنا عديم الفائدة، مجرد فوضى. وهذه الرواية هي البرهان النفسي على ذلك».
ورغم دراية بطله كوشانيز بأنه مختلف، إلا أن الصراع مع الذات لا يهدأ، فيفرض على نفسه ارتداء القناع أمام المجتمع لعدم كشف أمره، فهو يعلم محيطه لن يتقبل اختلافه تحت أي ظرف كان.
يتحايل بطل الرواية في طفولته على ميوله غير العادية، من خلال إيهام نفسه أو الإيحاء إليها بأنه إنما يحب أن يرى نفسه من خلال صورة أصدقائه الشبان، وما سعيه هذا إلا لبناء صورته على شاكلتهم في القوة البدنية والعضلية.
وتدفع به محنته التي تمثلت في قمع ذاته بقسوة هائلة أقرب إلى الوحشية، وإجبار نفسه على إخفاء مشاعره ورغباته، إلى إيجاد مرادف ومتنفس لهذا الألم من خلال القصص واللوحات الفنية التي تجسد معاناة الأبطال. وقد جذبته على الخصوص لوحة غيدو للفنان ريني سانت سباستيان، التي تصور شابا مقيد اليدين فوق رأسه إلى أحد أغصان شجرة، وهو حاسر الرأس عاري الصدر، حيث يخترق جسده رمحان أحدهما في الإبط الأيمن والثاني في أسفل صدره جهة اليمين كما ترتسم على وجهه قمة تعابير الألم والعذاب.
كما يروي البطل من ذكريات طفولته، تأثير مرور فرقة من الجنود أمام منزله على نفسه، حيث بدأ يمجد الحرب والموت، وعلى الأخص موته. كان يصور موته بصورة وحشية بدائية، مثل مقتله بالرماح أو الفأس أو السهام. ثم رسمت مخيلته له لاحقا، صور رجال يموتون طعنا في بطونهم مما يقودهم إلى موت وعذاب بطيء. كما كان يستهويه خلال لعبه مع أقرانه لعبة الحرب، تمثيل موته التراجيدي والذي كان يؤديه بمتعة كبيرة.
كان يرى في تلك الصور المرادفة جمالا حقيقيا، وإن لم يدرك حينها بأن ذاته كانت تسعى إلى استحضار تلك الرؤى كمتنفس لعذاباته القسرية الشديدة.
وحينما وصل مرحلة الشباب، فرض على نفسه الانجذاب إلى أخت صديقه كوسانو بغية الوصول إلى حل. وسرعان ما انتقلت الفتاة مع عائلتها إلى الريف. ورغم محاولات كوسانو العديدة للتقرب منه ودعوة عائلتها له لزيارتهم في الريف لم يستطع كوشانيز تغيير نفسه فكانت خيبة أناه مريرة.
ولدى عودة كوسانو بعد مضي عدة سنوات وزواجها، للسكن في ذات المدينة التي يعيش فيها حبيبها السابق تعاود الاتصال به ولقاءه. كل ما شعر به كوشانيز إزاء الموقف الجديد، هو الغيرة منها لكونها امرأة تحبه، وبالتحديد من قدرتها على حب شخص من الجنس الآخر.
كانت اعترافات ميشيما مرفوضة من المجتمع الياباني، فمنذ بلوغه سن الرشد كان مسكونا برؤى العنف التي كتبها بالتفصيل في روايته تلك. إذ وصف عددا من تخيلاته، مثل جريمة قتل في مسرح، «حيث قدّم محاربون رومانيون شبان حياتهم من أجل تسليتي»، كما سرد حلما شاهده، كان فيه يحتفل أمام جثة صديقه في المدرسة، الذي كان مسمرا على صحن كبير.
أدت تلك الرؤى أو اعترافات ميشيما إلى رفض مجتمعه له. وفي أوج نضجة الأدبي، وبعد أن كتب ما يزيد على 100 عمل، وترشيحه ثلاث مرات لجائزة نوبل في الأدب، قام ميشيما في عام 1970 بالانتحار وفق الطقوس المقدسة للسيبوكو أو الهاراكيري حيث يشق المحارب الياباني بطنه بنفسه بالسيف بشكل افقي من اليسار الى اليمين، ثم من اعلى الى اسفل.
والتفسير العام لديهم بأن هذا الأديب كان استعراضيا وبأن بلده منحته ما يستحقه فيما مضى. ويتم ذكره في اليابان بعد مضي اربعة وثلاثين عاما على موته، والذي يصادف 25 نوفمبر، بصورة أفضل بكثير مما كان عليه الأمر قبل حقبة من الزمن وذلك يرجع للتطور الحضاري وإدارك قيمته الفنية والأدبية كأديب وطني أحب بلده ونادى طيلة حياته برفض محاكاة الغرب أو تقليده.
وجدير بالذكر أن ميشيما أصبح بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية شغوفا بحضارة التاريخ القديم لليابان حيث كانت القوة والصرامة منهج المحاربين والأبطال، كما نادى بالعودة إلى الجذور اليابانية وشخصيتها المستقلة ونبذ الحياة الاصطناعية الزائفة القادمة من الغرب.
ومن الجلي أن هذا الاختلاف والمعاناة شديدة الوطأة، قد دفعتا بهذا الكاتب العظيم إلى أعلى مراتب الإبداع الفني، وفي ذات الوقت إلى وضع حد لتلك المعاناة، حيث ختم فصول حياته بالانتحار، ليكون المجتمع شاهدا على مأساته ومشاركا فيها.
والسؤال أو التساؤل الذي يطرح نفسه في حضرة هذا الأديب، ترى هل لدينا نحن أيضا ما يبرر ارتداءنا للأقنعة التي لا غنى لأحدنا عنها في مجتمعاتنا؟
فإن توارى بطل ميشيما خلف قناع، فإننا نتوارى خلف مجموعة من الأقنعة التي نختارها تبعا للمناسبات. وأخيرا، هل يحق لنا ما كان يحق له؟ تعود الإجابة عن هذا التساؤل إلى قناعة كل منا، فالمعنى الفاصل بين قناعة وقناع هو حرف واحد فقط. حرف واحد وجوده يقودنا باتجاه الحقيقة، ونقصانه يدفعنا إلى الزيف والخديعة.

===============

رشا المالح

rmaleh57@hotmail.com