
قصة بقلم : إسلام شمس الدين
عن الواحة
http://www.rabitat-alwaha.net
دقات الثانية عشرة تنزع ورقةً
أخرى من دفتر العمر ؛ تقطف زهرة من بستان سنواته المبعثرة على أرصفة الحياة ،
أقلب وجهي في السماء مستكشفاً الزهرة التالية ؛ فلا أتبين ألوانها...
مضطربة إيقاعاتها هذه المرة ، تؤلفها في عشوائية ؛ نايات الوحشة ، وقيثارة
الحنين ، و طبول القلق والحيرة ، وتقسيمات شجية للشوق على أوتار العود .
تتواعد دقات الساعة ورنين الهاتف عند الضفة المهجورة من أودية صمتي ، يتزامنان
فتزداد فوضى الإيقاع.
يتسابق قلبي وأصابعي لمعانقة سماعة الهاتف ، تسبقهما لهفتي محتلةً مساحات شاسعة
من حروفي.
جاءني صوته منطلقاً فوق أوتار السعادة ؛ أن كان أول من بادر بتهنئتي بعيد
ميلادي ...
هو دوماً الصديق الأقرب إلى نفسي ، والأحرص على مشاركتي همومي وأفراحي ولحظاتي
الخاصة .
بادلته التهنئة بالامتنان والشكر ؛ سعدت لسعادته بالمبادرة ، محاولاً إخفاء ذاك
الأنين الخافت في أقصى بقعة من جوانب القلب.
باللهفة نفسها ؛ تعدو جوارحي نحو المكالمة التالية ، أتلقى تهنئة رقيقة ،
استقبلها بالسعادة والامتنان ... لم تكن أيضاً المكالمة التي يحترق القلب شوقاً
في انتظارها .
لم ينقطع رنين الهاتف ، توالت التهانئ محملةً بالودِ وفيض المشاعر ، احتواني
هذا الدفء الحميمي ؛ رغم التلال الجليدية المحيطة بشغاف القلب.
اُستنزفت لهفتي ؛ خفتت جذوتها ، عاد الهاتف إلى سكونه بعد أن تجاوزت الساعة
الثالثة صباحاً ، وعدتُ إلى سكوني على حافة الشرود ؛ مختلساً النظرة بين الحين
والآخر ؛ لتفحص الهاتف والتحقق من كونه - مثلي - يتمسك بالخيوط الأخيرة في
الحياة .
هذه هي المرة الأولى التي أتذكر فيها عيد ميلادي قبل قدومه ، بل وأعدّ الساعات
في انتظاره ، فلست من المهتمين كثيراً بالمناسبات ؛ وعادة ما لاأتذكر يوم
ميلادي إلا مع أول تهنئة به.
في طفولتي لم أكن أنام هذه الليلة ، أرتمي في أحضان أحلامي الصغيرة ، أحيا مع
الغد الميمون ، والزينات التي تكسو جدران البيت ، وبهجة الأصدقاء تعبّق الأرجاء
، والهدايا التي سأقضي ليل الغد في فتحها وترتيبها.
ثم ما عادت دوامات الحياة تسمح لنا بممارسة الطقوس الطفولية ، شاخت أحلامنا
الصغيرة على أعتاب الزمن الجليدي ، أطفأت رياح الإنكسارات شمعاتنا الملونة ،
فبرودة الأيام لا تساعد على السهر في أحضان الأمنيات ، ينسينا الركض في طرق
العمر السريعة أن هناك رغبات عابثة مخبأة في جيوب الذاكرة.
تتجاوز الساعة الرابعة صباحاً ... ثقيلة ثقيلة الساعات في حضن الانتظار ، تلقي
بنا في بئرِ سحيقة من الرتابة واليأس .
أحاول مبارزة الوقت بتصفح بريدي ، أطالع في سكون تهنئات الأصدقاء ...
- إنه الصديق المشاغب دوماً ، حتى التهنئة بعيد الميلاد لا تخلو من مشاغباته ،
كثيراً ما أغبطه على طفولية روحه ونقاء سريرته.
- رقيقة هذه البطاقة ، ليست بالاحترافية الكافية ، لكن أجمل ما فيها حرص
صاحبتها على تصميمها بنفسها .
- آه ما أوفى هذا الصديق ، ما ظننته يتذكر عيد ميلادي ، فقد ألهتنا مشاغل
الحياة الفترة الأخيرة حتى فرقت شعابنا .
- هذه الأبيات الشعرية من أنفس ما أُهدي لي هذا العام ، فليس أغلى عند المبدع
من حرفٍ يكتبه ، وها هو يهديني أغلى ما لديه .
أواصل مطالعة الرسائل ، أغالب دمعات حسرة تكاد تتسلل من جدران القلب المثقوبة ،
أصم أذني عن أناتٍ مكبوتة في جوانب النفس ؛ تأمل لو غفلوا جميعاً عن يوم ميلادي
؛ لكنهم – يا لسوء حظ قلبي – تذكروني كلهم .
يتسلل شعاع شمس أول صباحات عامي الجديد ليداعب الجفن الكلوء ، أنتبه لكوني لم
أذق النوم منذ أكثر من يومين ؛ يتسرب الشعور بالإرهاق ليلامس أوصالي المتعبة ،
أفتش فوق جفوني عن بقايا رغبات شاردة في إغفاءة قصيرة ، فتشدني أحبال التأمل
للغوص في بحيرات السكون .
أنفض عن نفسي غبار الإحباطات ؛ باحثاً عن إشراقات مخبأة خلف غيمات اليأس علني
أبدأ بها عامي الجديد .
- آه ما أقسى أن تتحول قلوبنا من الرغبة في الحياة إلى مجاهدة الموت.
*****
أنحدر من أصولٍ تصطبغ بموروثات وعادات وأفكار البيئة الصحراوية ، لذا نرى في
المطر بشارة خير ونماء ؛ تتجسد فيه كل ملامح الحياة ، نستقبله بالفرحة والبهجة
.
على غير عادته في شهر مارس ؛ يزورنا المطر في مساءٍ شتوي ؛ محملاً بحقائب
صقيعية ، وقبسات "برقية" ، ومقطوعات كلاسيكية يعزفها الرعد في غير توقف ، تمتزج
قطرات المطر مع وهج البرق ليكونا لوحة تشكيلية تأسرني بين دقائقها .
من المفترض أن الشتاء قد لملم بقاياه مغادراً ؛ فهل يا ترى جاء المطر خصيصاً
لمشاركتي هذا اليوم ؟ أم جاء سفيراً للأقدار حاملاً منها رسالة الوداع الأخيرة
؟
*****
لم أتعود الاحتفال بعيد ميلادي ؛ مكتفياً بتهنئة الأصدقاء دون أن أرهقهم أو
اختلس من وقتهم ، هم أيضاً عرفوا عني هذا دون غضاضة .
هذه المرة يحرص الجميع على الحضور في الذاكرة يوم ميلادي ... هل هو التخاطر
الإنساني عن بعد جعلهم يدركون مدى احتياجي لوجودهم ؟ أم اهتمامهم لأمري يحثهم
على وضع لبنات صغيرة تقيم جدران القلب المتهدمة ؟
ازدحمت الغرفة بالهدايا دون رغبة مني في فك أغلفتها ؛ اصطفت الورود في مشهد
حزين انتظاراً لمن يمنحها نضارةً تفتقدها.
ما لهذه الورود لم تتفتح بعد ؟! وحد علمي أن مارس هو شهر الربيع !
*****
أراقب عقارب الساعة تركض متسارعة في اتجاه الثانية عشرة ...
تدرك غايتها مبكرة لتعلن انتهاء اليوم ؛ نغماتها ثقيلة ثقيلة.
أحاول عبور الجسر بين السنة والسنة ، أنزوي بين عقارب الساعة هرباً من مطاردة
ذاك المجهول يجول طليقاً في أعماقي .
انظر في المرآة ؛ تزعجني الشذرات البيضاء الزاحفة لاحتلال المساحات الليلية من
شعري ؛ رغم أنني ما زلتُ في مطلع الثلاثينيات ؛ أحدق أكثر في تلك الملامح
الباهتة ؛ ليست ملامح السعادة بحفاوة المقربين ، ولا ملامح الأسى لحسرة تدب في
دواخلي .
ينتفض العقل بحيلة شيطانية للالتفاف حول أحلام القلب المتوجع ...
لماذا لا أقدم لنفسي التهنئة نيابةً عنها ؟!
ألم أكن أشعر دوماً أننا روحٌ واحدة ؛ قلبٌ واحد ؟
استجمعت ما تبقى من شتات الأمل الزائف ؛ توجهتُ برجائي - متوجساً – للوجه
الكامن في مرآتي ...
وكأنه يقرأ أفكاري ؛ ابتسم ساخراً ؛ أجاب رجائي متهكماً :
- أما زلت تسبح في عماياتك ؛ هائماً في أودية الوهم الملون ؟
أتراها تذكرته العام الماضي ؛ فتذكره هذا العام ؟! أو قبل الماضي ؟!
أما زلت تأمل في استئجار و لو خيمة منزوية في ضاحية ذاكرتها المزدحمة ؟
- يكاد صمتي ينطق متوسلاً لعله يرفق بحالي
يكمل متعجلاً ؛ مترفقاً :
- لا تنزعج ؛ "كل سنة وانت طيب" ...
سأكون أول من يقولها لك ؛ عندما تشرق شمس ميلادك !