|
رتباكات
أقاصيص
د.سمير
العمري
الحوت
* قط مرقط .
في هشاشة السكون فاجأني . قط أسود مرقط بالأبيض يتسلل في خفاء مرهق . تبدو
عيناه في جوف الليل جمرتين من النار . أحث الخطى كي أنجو بنفسي . رأيت الشيخ
على مقعده تحت شجرة التوت . يتلو من مصحف مجلد آيات من القرآن . فوق الرأس
تماما يتدلى مصباح كيروسيني شحيح الضوء . قفز القط نحوي فانحرفت بجسدي بمقدار
بوصة . أخطأ الهدف ، لكنني أبصرته يستدير كي ينشب مخالبه في عنق الشيخ الطيب.
* كلمة سر الليل .
لم أستطع أن انطق كلمة واحدة . حين صرخ في وجهي :كلمة سر الليل . كنت أفكر في
الأشهر المتبقية لي في الخدمة العسكرية . عائد من إجازتي الميدانية ورأسي
تسكنها هموم كثيرة. أشهر " سونكي " البندقية في وجهي . ارتجفت خائفا. ليل نجومه
تسقط في يدي كعناقيد من العنب الذي لم يستو بعد ، شهقت من الألم ، وسن الحديد
المصقول ينغرس في جسدي حتى شعرت به يمزق أحشائي . بالفعل كان سرسوب الدم يشخب
في شراييني تحت السرة . قلت مرعوبا: دم . أبعد سلاحه ، ووصلني صوته مشروخا : هو
كذلك . أعبر.
* طفل.
جـرّت السيدة عربة أطفال صغيرة مزينة بزهور صناعية وشبكة من التل . لها ولهة
تشبه خطيبتي السابقة . تلك التي تركتني قبل إجراءات الزفاف بأسبوعين بدعوى أنني
مفلس . هي نفسها بنفس وسامتها و" حسنة " صغيرة تحت الذقن الدقيق المستدير .
بدون إرادة مني تقدمت منها . فوجئت بي فقبضت على مقود العربة بقوة فيما انحنيت
أكشف بيدي غطاء التل. كان الطفل نائما لكنه يشبهني كل الشبه.
* جــنين .
في " الدرب الحمر " كمن لها . لم يكد يراها تغادر البيت القديم في الحي الشعبي
حتى ناداها . التفتت نحوه . قبل أن تستوعب المصيبة التي تنتظرها تقدم منها .
طعنها بسكين حاد كان قد سنه سنا. سقطت مضرجة في دم غزال أحمر هو دمها . التم
عليه أهل الحي وكادوا يفتكون به. لم تهتز شعرة في رأسه وهم يضربونه بقسوة ، و
يجردونه من سلاحه. كان يتمتم كالشارد : هي أختي ، وقد غسلت شرفي . تركوه ينحني
ويتأمل الجسد الذي كان يرتجف ارتجافته الأخيرة. على الصيحات الغاضبة أطل وجه
العشيق من المشربية فأدرك كل شيء . فور أن اقتادوا القاتل لمركز الشرطة هبط
مسرعا . أبعد بيده أوراق الصحف المبقعة بالدم. مد يده يتحسس قبة بطنها . كان
الجنين ما زال يتحرك.
* لعبة جبرية.
أسرعت الأقدام تتلمس طريقها إلى العتبات ومنها إلى السلالم المفضية للحوش . حين
دوّت صفارات الإنذار لم تجد البنات وقتا لارتداء ملابس مناسبة ، أما الرجال فقد
نزلوا بمناماتهم .
كان يحبها في النور ، وهي تبادله نظرات صامتة. في ظلام المخبأ امتدت يده تفتش
عن حمامتين راقدتين على صدرها في هدوء .بورسعيد طلت زجاجها بالأزرق وشمرت عن
ساعديها لتعلن المقاومة . إمتدت اليد أكثر مما ينبغي نحو جسد مستتربثوب خفيف من
" الباتستا " . أحرجت أن تنبس بحرف . كانت الكشافات في الخارج تمسح السماء فيما
كانت أصابعه تمسح النعومة الدافئة حتى أدرك الحلمتين. شهقت في العتامة وشهق.
دوت صفارات الإنذار بانتهاء الغارة . أحب تأميم القناة أكثر وأكثر.
* أقحوانة.
قالت له بطيبة بالغة : أترك قلبي !
كان حديثها أقرب للهمس ، وفمها يقترب تماما من أذنه . ثمة بثور قليلة على
الوجنتين أخفتها بمسحوق تجميل رخيص .
رد بصدق : لا يستطيع أحد أن يمسك القلب ولا أن يستعمر الدماغ.
نظرت إليه من أعلى لأسفل ، قاست طوله ، وفكرت أن تعترف له بحبها . لكنها تكره
سيجارته المعلقة دوما على طرف شفتيه ، وتكره السلسلة الفضية المتدلية من عنقه
والمندسة في شعرصدره الأسود الغزير المبدور تحت عنقه بمسافة قليلة جدا ، وأكثر
ما تكرهه أن كل بنات الثانوي يعرفن عنوان هاتفه .
أخفت عنه حبها ، ولم ترد أن تخبره بالآخرين الذين يخطبون ودها ، فقد كان قلبها
الأخضر الطري في مرحلة التشكل ، وأمها أخبرتها ألا تخلع شيئا من ملابسها ، وألا
تهب قلبها لرجل مهما كان وسيما أو طيبا ، وألا تعود في الليل بمفردها .
سألته في فضول :هل تحبني حقا ؟
هز رأسه مؤكدا : طبعا . اطلبي ما شئت .
ابتسمت وهي تقلب الفكرة في رأسها : أريد أقحوانة .. بيضاء !
مط شفتيه بعد أن رمى السيجارة : سأحضرها لك ولو ذهبت إلى الصين .
سأل كل الناس عنها ، ولم يجد أحد يعرف شيئا عن الأقحوانة . في النهاية دلوه على
محل " الأوركيدا " بالحي الدبلوماسي الفاخر . دخل مترددا وسأل عن أقحوانة بيضاء
. أشار صاحب المحل بدون اهتمام نحو مجموعات زهور مشذبة في " فازات " زجاجية
وراء حاجز زجاجي شفاف : عندك .. هناك.
احتارفي المقصود بكلمة : هناك . لم يشاهد في حياته ولو لمرة واحدة أقحوانة .
أرتبك وهو يستل واحدة بيضاء . هز الرجل رأسه وهو يستفسر منه : حضرتك عندك مرض
جلدي؟
أعتراه الصمت ، كل ما فعله أن مد يده بالنقود ، وانصرف متحيرا من كلام الرجل .
في صباح اليوم الثالث ، المتفق عليه ذهب في الموعد تماما بدون ثانية تقديم أو
تأخير وجد عشرة من الشباب يقفون في نفس المحطة ذات السقف القرميد الأحمر،
يتململون، ويهرشون جلودهم ، وبيد كل منهم أقحوانة .. بيضاء ! |