الأدب  ( 1 )

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 حوار و سيرة ذاتية

 مع الأديب التونسي

 

ابراهيم الدرغوثي

 

أجرى الحوار الأديب مصطفى مراد

 مع عدد من كتاب موقع من المحيط إلى الخليج

أولا : سيرة ذاتية

الاستاذ ابراهيم درغوثي:
قاص وروائي تونسي من مواليد 1955 بالمحاسن /توزر / تونس
يشتغل بالتدريس
يشغل حاليا منصب نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
من مجموعاته القصصية :
1/
النخل يموت واقفا
ط(1) دار صامد: صفاقس / تونس 1989 _
ط(2) دار صامد:صفاقس / تونس 2000
2/
الخبز المـــــر
ط(1) دار صامد: صفاقس / تونس 1990
3/
رجل محترم جدا
ط(1) دار سحر: صفاقس / تونس 1995
4/
كأسك ...يا مطر
ط(1) دار سحر: تونس 1997
من رواياته :
1/
الدّراويش يعودون إلى المنفى
ط(1) دار رياض الرّيس: لندن بيروت 1992
ط(2) دار سحر: تونس 1998
ط(3) المتوسطية للطباعة والنشر / تونس 2006
2/
القيامة...الآن
ط(1) دار الحوار: سوريا 1994
ط(2) دار سحر: تونس 1999
3/
شبابيك منتصف الليل
ط(1) دار سحر: تونس 1996
ط(2) دار المعارف: تونس 2004
4/
أسرار صاحب السّتــر
ط(1) دار صامد : تونس 2002
5/
وراء السّراب ...قليلا
ط(1) دار الإتحاف: تونس 2002
ط(2) مركز الحضارة العربية - مصر 2004
6/
مجرد لعبة حظ
ط /1 منشورات المدينة / تونس 2006
تحصّل على جوائز عديدة منها :
1.
جائزة الطاهر الحداد في القصة القصيرة 1989
2.
الكومار الذّهبي جائزة لجنة التحكيم (1999) عن مجمل أعماله الروائية .
3.
الكومار الذّهبي لأفضل رواية تونسية 2003 عن رواية : وراء السّراب قليلا
4.
جائزة المدينة للرّواية 2004 عن رواية : مجرّد لعبة حظّ .
التّرجمـــــات:
1/
الدّراويش يعودون إلى المنفى ( فرنسية) نشر: دارأسود على ابيض – تونس / مرسيليا (1999) ترجمة أحمد الرمادي .
2/
شبابيك منتصف الليل ( فرنسية) نشر : دار أسود علىابيض – تونس / مرسيليا (1999) ترجمة فتحية حيزم العبيدي
3/
تفاح الجنة ( قصة قصيرة) : ترجمة : دينس جونس- ديفس ( انجليزية ) نشرت ضمن مختارات من القصة العربية ـ نشر الجامعة الأمريكية / القاهرة – مصر –2000.

 

روابط لبعض اعماله المنشورة في المنتدى:

1.
قصة "من يبيعني قليلا من النوم":
http://menalmuheetlelkaleej.com/forum/viewtopic.php?t=11071
2.
قصة "الكلب":
http://menalmuheetlelkaleej.com/forum/viewtopic.php?t=10491
3.
وله روايتا: "شبابيك منتصف الليل" و"الدراويش يعودون من المنفي" في ركن "الرواية":
http://menalmuheetlelkaleej.com/forum/viewforum.phpf=38&sid=45b2be6081f6258606c55ce72295b279
4.
ويعمل على ترجمة اعداد كتاب "نصوص عربية من المحيط للخليج" الذي سيصدر بالفرنسية، ويشتمل على نصوص مختارة لاعضاء المنتدى:
http://menalmuheetlelkaleej.com/forum/viewtopic.php?t=10519

========

    البريد الألكتروني :

dargouthibahi@yahoo.fr

 

 

 

ثانيا - الحوار :

 

مصطفى مراد :

العزيز ابراهيم
اربع مجموعات قصصية وست روايات...
هل تعتبر نفسك ـ بهذه الكتب العشرة المطبوعة ـ كاتبا نشيطا أم مقلاًّ؟

الإجابة:

أولا / شكري الكبير للعزيز مصطفى مراد الذي شرفني بهذه المحاورة .
ثانيا / سعادني كبيرة بأن أكون ضيفا على كل هؤلاء الأحبة من المحيط للخليج
وأتمنى أن يكون العزيز صالح السوسي في الموعد .
الواقع لديَّ أربع مجموعات قصصية وست روايات ، هو المنشور فقط من أعمالي الإبداعية .
لأن لدي قصصا وروايات ونصوصا أخرى غير منشورة ، منها المكتمل مثل مجموعتي القصصية : منازل الكلام التي ستصدر في هذه السنة. ومنها الذي هو في طور الإنجاز كالأجزاء المتبقية من ثلاثية عن مناجم الفسفاط في قفصة ، أنجزت جزءها الأول : وراء السراب ... قليلا وهو منشور ، وأنا الآن منهمك في كتابة بقية النص .
أنا مهتم أيضا بالترجمة من الفرنسية وخاصة للنصوص الصينية . وقد انتهيت من تعريب كتاب كامل فيه عدد كبير من القصص الصينية الحديثة والأمثولات القديمة ( des fables ) وفيه أيضا قصائد عديدة من الشعر الصيني الرائق .
وبما أن الترجمة من اللغة الصينية مباشرة في باب شبه المستحيل إلا في القليل النادر ، فقد استعملت اللغة الفرنسية – وهي غنيمة حرب كما عبر عن ذلك أحد الكتاب الجزائريين – لترجمة النص الصيني .
ولئن كانت الترجمة من الأصل خيانة ، فما بالك بالترجمة عن نص مترجم فإن ما يشفع لي هو محاولة الاقتراب من روح الإبداع لعلي أصل إلى تحقيق المستحيل .
كما أنني بصدد التفكير في كتابة عمل عن هارون الرشيد وأبنائه . أحضرت له الوثائق وقرأت من أجله الكثير من الموسوعات العربية التاريخية القديمة وتجهزت له كما يجب وهو في طور الإنجاز .
إن عشر أعمال أدبية منشورة في القصة والرواية في تونس يعتبر من الإنجازات الخارقة . فعلى مدى أكثر من خمسين سنة من الاستقلال إلى اليوم عدد الكتاب التوانسة الذين وصلوا إلى مثل عدد هذه الأعمال المطبوعة قليل جدا . لا يتجاوز خمس كتاب على أقصى تقدير .
ثم المهم ليس في عدد الكتب المطبوعة فقط. فقد تكتب العشرات من الروايات والقصص ولا يلفت أحد إلى تجربتك لأنها لا تستفز المتلقي .
وقد تصنع رواية واحدة مجد الكاتب .
بالنسبة لي ، لقد لفتت نصوصي القراء في تونس وفي بقية أقطار الوطن العربي .
كما أن عددا من هذه النصوص كتبت عنها دراسات من طرف أهم نقاد الأدب في تونس وفي دول عربية كثيرة . ( هناك خمس كتب مطبوعة في النقد عن رواياتي وقصصي القصيرة وعشرات الدراسات الأخرى المنشورة في الجرائد والمجلات ) .
ولدي روايات تدرس في الجامعات التونسية والجزائرية وحضيت بدراسات في الشهادات العليا .
هل في هذا كفاية ؟
أبدا ، فما يدور في خاطري من أعمال أدبية كثير وكثير حتى أن عمرا واحد لا يكفي لإنجازه .
ولكن ما حيلتنا والموت يتربص بنا في كل ركن من أركان هذه الحياة التي نعيشها ضيوفا عن القدر .

 

مصطفى مراد

الاحظ ـ مما قراته لك في المنتدى ـ انك تكتب القصة القصيرة جدا، والقصة القصيرة (المعروفة) التي تجنح عندك بالذات للطول. في ايهما تجد نفسك اكثر

الإجابة :

كتبت القصة القصيرة في حجمها الكلاسيكي المتعارف علية – من ثلاث حتى أكثر من عشر صفحات – وكتبت أيضا القصة القصيرة جدا – من بضعة أسطر إلى أقل من صفحة واحدة
في أيهما أجد نفسي أكثر ؟
في بعض الحالات القصة القصيرة العادية لا تكفي لإنجاز مشروع إبداعي فنلتجئ إلى الرواية . كذا هو الشأن بالنسبة لي عند كتابة القصة القصيرة ، فبعض التيمات تكتفي بنص قصصي قصير جدا مكثف حد الجنون ، و البعض الآخر يطلب امتدادا أكبر .
في هذه الأيام صرت أميل إلى القصة القصيرة جدا لأنني من خلالها أجد فسحة للتعبير عما أريد قوله بأيسر السبل .
ففي بعض أسطر أبلغ رسالتي وأذهب مع الريح .
ولكن المهم هو عدم استسهال هذه الكتابة لأنها تتطلب حضورا قويا للبديهة و تركيزا كبيرا في اختيار مواد الإنجاز حتى أنه في بعض المرات تكفي كلمة واحدة زائدة لإفساد معنى النص .
وهل كل نص قصير هو قصة قصيرة جدا ؟

 

مصطفى مراد :

طيب.. نبدأ من جوابك الثاني الذي فاجأني..
كيف يكون الابداع في تونس، بلد أبي القاسم الشابي على هذا الوضع من الركود؟
فيما هو في المغرب مثلا، مزدهر جدا؟

الإجابة

الأدب في تونس في هذه الأيام على أحسن ما يكون الحال مقارنة بما كان عليه حتى سبعينات القرن الماضي .
فكثيرة هي المجموعات الشعرية والقصصية والروايات التي تطبع كل سنة .
أيضا هناك صحوة في النقد الأدبي المواكب لهذه الحركة .
لكن كل ما في الأمر أن الكاتب التونسي لا يمكنه أن يطبع كتبه كلها لأن دور النشر خاصة. وليست لنا في تونس حاليا دار نشر حكومية واحدة. لذلك يصعب على الأديب في أغلب الأحيان نشر إنتاجه على حسابه الخاص ، فيكتفي بإصدار واحد أو اثنين ثم يصاب بالسكته الإبداعية ، خاصة والحالة كما تعرف في تعاطي الإنسان العربي مع الكتاب – لا أستثني من ذلك المثقفين – وتبقى وزارة الثقافة في تونس هي الشاري الوحيد تقريبا للكتاب
في غياب القارئ الجيد والمتابع الحقيقي لما ينشر في الساحة الأدبية

 

مصطفى مراد :

يقولون ان الترجمة ـ وخاصة للشعر ـ هي خيانة للنص، هل تحس بذلك كمترجم، خاصة وانك تترجم عن لغة وسيطة، كما نفهم؟ وما هي أهم المشاكل التي تواجهك عند الترجمة؟

الإجابة :

الترجمة خيانة ليست للنص الشعري فقط وإنما لكل الأجناس. فمن المستحيل على المترجم أن ينقل النص كما هو لعدة اعتبارات لعل أهما الحالة النفسية لمبدع هذا النص وتكوينه الثقافي والعلمي ومعتقداته الإيديولوجية .
كما أن الأمر يختلف في التعاطي مع الإبداع في الثقافات التي لا تنتمي لحضارتنا. وهنا لا أقصد الحضارة العربية الإسلامية فقط وإنما كل حضارات الشرق الأوسط والبحر المتوسط. فالاختلافات في إنتاج الإبداع وفي تقبله تظل بسيطة مقارنة مع ثقافة الهنود الحمر أو الأفارقة جنوب الصحراء أو سكان بولينيزيا مثلا. وهنا أنا لا أدخل في عملية مفاضلة وإنما أعتبر أن النصوص الأولى يمكن للمترجم أن يتعامل معها بسهولة أكبر عند نقلها إلى اللغة العربية وإن يظل الإبداع الجميل قابلا لحسن التقبل عند الجميع – وهذا ما يحصل معي على الأقل
أما عن أهم المشاكل التي تواجهني عند الترجمة فهي صعوبة نقل أحاسيس شخصيات العمل الإبداعي لأن اللغة تظل قاصرة في بعض الأحيان على نقل التعبير الوجداني الموجود في النص الأصلي. فيبدو لك في بعض الأحيان أن النص الجديد ما هو إلا صورة باهتة مقارنة بالنص الأصلي. لذلك تظل تعيد الكرة مرة ومرات وتختار الكلمات وتبحث عن المعاني التي قد تصنع نضارة ورونق نصك أنت.
نصك الجديد المولود من رحم النص الآخر.

 

مصطفى مراد :

الترجمة انواع، منها الحرفي، ومنها ترجمة روح النص؟ ومنها الترجمة بتصرف (التعريب، مع الحذف والاضافة والتعديل). اي الترجمات تختار؟ ولماذا؟ وهل تعتبر انه يحق للمترجم ان يتصرف في النص الأصلي؟

الإجابة :

لئن حافظت الترجمة الحرفية لأي نص من النصوص على المعنى الإجمالي المقصود من صاحب الأثر بأمانة كبيرة فإنني شخصيا لا أحبذ التعامل معها لأنها تبدو لي متخشبة ، بعيدة عن السلاسة والعذوبة ، محترمة لشكل ومضمون الأثر ولكن داخل كفن ميت . في جملة واحدة ، تبدو لي مثل هذه الترجمة بلا روح ولا حياة .
النوع الثاني من الترجمة أي ترجمة روح النص والتصرف فيه تبدو أيضا مبتورة لأنها لا تفي بكل الحاجة لأنها لا محالة ستهمل ركنا من أركان العمل وستتجاوز على ما قد لا يروق لذائقة المترجم وتخون النص خيانة بائنة .
أما التعريب بالإضافة والتنقيص والتصرف في النص على هوى المترجم فيبدو أيضا خارجا على سياق الترجمة الحقيقية لأن الترجمة أمانة قبل كل شيء ومتى خنا هذه الأمانة التي هي أساس العقد بيننا وبين القراء فإن كل شيء يصبح جائزا للمترجم الذي قد يتلاعب بالنص على هواه ويقول كاتبه ما لم يقصد . وتكون الضحية هنا مزدوجة صاحب النص والقارئ الذي لا يعرف الأثر في لغته الأصلية .
وأنا ماذا أختار من بين كل هذه الأنواع ؟
شخصيا أحاول المواءمة بينها جميعا أي لا أختار مدرسة بعينها لأصبح عبدا لشروطها وإنما أضع النص أمامي وأختار له الطريقة المثلى للتعامل معه. فما يصلح لترجمة نص قصصي قد لا يلائم نصا شعريا. وما يبدو رائعا عند ترجمة إبداع من اللغة الصينية ولو من وراء لغة وسيطة كالفرنسية مثلا قد لا يصلح لنقل نص عربي إلى الفرنسية.
أختار الترجمة الذوقية أي أنني أتشهى الكلمات التي أصنع منها نصي الجديد في عملية شبيهة بالوحام حتى يلد النص قريبا من الكمال دون تشوهات قد لا تجعله قابلا للحياة .

 

مصطفى مراد :

نبقى في موضوع الترجمة:
بما انك مطلع على اداب من لغات اخرى (الصينية والفرنسية)، فكيف ترى مستوى الاعمال الادبية العربية، شعرا ونثرا، قياسا بتلك الاداب؟

الإجابة :

من خلال اللغة الفرنسية مباشرة ، أو من خلال ما قرأته مترجما من آداب العالم بواسطة اللغة الفرنسية بما في ذلك آداب الشرق كالتركية والفارسية والهندية والصينية واليابانية وأدب إفريقيا السوداء وأمريكا اللاتينية ، أعتقد جازما أن الأدب العربي الحديث يمر في هذه الفترة بأزهى أيامه ذلك أن الآداب العربية تتوفر على ميزة قل أن نجدها عند الشعوب الأخرى وهي الامتداد الجغرافي الشاسع للوطن العربي . ومن هنا تصبح لأدب كل موطن من مواطن العرب نكهته الخاصة ، كذلك الأمر بالنسبة للعامل التاريخي وارتباطات الدول العربية في العصر الحديث بالدول المستعمرة وبآدابها . فالأدب في المغرب العربي المرتبط أساسا بالنص الفرنكوفوني له نكهته وشروط كتابته و طرائق سرده وفنياته التي تختلف إن كثيرا أو قليلا من النص الأنجلوفوني السائد أساسا في الشرق العربي بما في ذلك دول الخليج .
كما أن للسرد العربي القديم سطوته على المبدع العربي الذي تخلص من هيمنة طرائق السرد الفنية الغربية ليستثمر التراث العربي – ألف ليلة وليلة والطرائف العربية والحكايات الشعبية والأساطير والنكت وحتى المقامات – ليحاكيها ويكتب من خلالها النص العربي الحداثي المختلف مع السائد الوافد من الغرب وليصنع فرادة الأدب العربي ، حتى لا يقال عنا : " هذه بضاعتنا ردت إلينا " .
لكل هذا أرى أن الأدب العربي الحديث من حقه أن يتبوأ المكانة التي تليق به بين آداب العالم الحديثة .
ولكن العائق الهام الذي يمنع ذلك هو أننا لم نقدم أدبنا إلى شعوب العالم الأخرى لأن الماسكين بزمام الأمور يعتبرون الأدب والثقافة من آخر مشاغلهم فلا يلتفتون لما يعني شأن العرب في العالم ويقدمنا كأمة ذات حضارة وأدب رفيعين كالترجمة مثلا ، ولا يقدرون علماءنا وأدباءنا وإنما يعلون من شأن مطرب غنائي مخنث أو فنانة تتقن تدوير الردفين والتلاعب بالنهدين ، ويضعون لاعب كرة قدم جاهل جهول في أعلى المراتب ويحولنه إلى نجم ساطع تتخاطف صوره المعجبات والمعجبين.
ونهمل من يستحق هذه الإشادة والتشجيع .
لذلك أهملنا التاريخ .
وقد تسمع لو ناديت حيا ...

مصطفى مراد :

ما هي افضل الاعمال التي قمت بترجمتها الى العربية؟

الإجابة :

الترجمة بالنسبة لي هي هواية أولا وهواية أخيرا ، التجئ إليها عندما أحس بفراغ ذاتي وأدبي ، أي أنني في بعض الأحيان لا أقدر على الكتابة الإبداعية في القصة والرواية لاعتبارات نفسية مثلا .
وبما أنني معتاد على الحركة ولا أحبذ السكون فإنني أملأ هذه الفترة بمشاغل ومن بين هذه المشاغل الترجمة .
ولكنني لا أترجم في العادة إلا النص التي يهزني وأحس كأنني صاحبه الذي كتبه ، من ذلك مثلا النصوص الصينية في القصة والشعر والحكاية . وهي في الحقيقة من قادني إلى دنيا الترجمة .
ومن بين ما ترجمت :
*
أشعار من الأدب الصيني الحديث .
*
قصص صينية حديثة .
*
حكايات من الأدب الصيني : Fables chinoises
*
كما ترجمت من العربية إلى الفرنسية ديوان شعر للإماراتي : حارب الظاهري بعنوان " شمس شفتيك " .
*
فخور أيضا بما أترجم الآن من نصوص شعرية وقصصية وخواطر للأحبة في منتدى " من المحيط للخليج ".
*
وأنا الآن بصدد ترجمة ديوان شعر من العربية إلى الفرنسية للفلسطيني : منير مزيد بعنوان " صور في الذاكرة "
هذا الديوان سيصدر في شهر أفريل القادم بخمس لغات .
ولكن الترجمة ستظل هامشا يكمل حياتي الأدبية لأنني قبل كل شيء كاتب قصصي وروائي . ولكنها هامش جميل يقدم الإضافة لمشروعي الإبداعي

.

المولدي فروح :

هل يعتقد مثلي الأستاذ  ابراهيم ان الادب التونسي يحمل وجهين مختلفين بل متنافرين:
ــ الوجه الاول للادب الرسمي ، ذلك الادب الذي ينشر عادة في المجلات و الصحف الحكومية او المدعومة من الحكومة و يحظى اصحابه برتبة سفير للادب التونسي في الخارج فنراهم ينقلون الى الاخر( مشرقا و مغربا) صورة ما للادب التونسي و من سوء حظ هذا الاخير ان هؤلاء السفراء يتم اختيارهم بحسب درجة ولائهم و تساهم المجلات الحكومية التي تنشر ادبهم في التعريف بهم ( مجلة الفكر سابقا و مجلة الحياة الثقافية الخ ) كما تساهم وسائل الاعلام و كلها حكومية الى النفخ في هذا الشكل من الادب ليبدو نتيجة لذلك هزيلا مقارنة بالادب العربي.
ــ الوجه الثاني و اقصد الادب المغاير او الادب المعارض ان صح القول و ان لم اقل اكثر. هذا الادب الذي اختار اصحابه ان يحرموا وسائل الاعلام منه ( عن خطا او صواب ) لا يمكنه عبور الحدود فاصحابه مغضوب عنهم و مرفوضون من قنوات الاتصال . فهل ترى يا صديقي ابراهيم ان لهذا الراي اجابة اخرى ام انك توافقني ..و لم اذكر امثلة على رايي

الإجابة :

لهذا الرأي وجهان للحديث :
الأول ، وحسب ظني ، فيه نسبة كبيرة من الصواب . فمن يذهب لتمثيل الأدب التونسي في بعثات وزارة الثقافة – على قلتها – يحضون بقبول في الوزارة يعطيهم فرصة تأثيث الأيام الثقافية التي تقام خارج حدود الوطن وهم في العادة أدباء مكرسون، قد يقع الاختلاف في تقدير إنتاجهم الأدبي حسب الموقع الذي ينظر منه لهذا الأدب .
الثاني ، وهو يخص الأدب الآخر ، المغاير للسائد ، فمشكلته كبيرة ليست في حدود تونس فقط وإنما على امتداد الوطن العربي من الماء إلى الماء .
لأن التضييق على الحريات العامة لا تختص به دولة عربية دون أخرى وإنما هو دستور يتفق عليه الجميع . وضمن هذا الدستور عدم السماح للكتابات عن الدين والجنس والسياسة من اختيار حدود العرب . فتتم المصادرة في المطارات ومعارض الكتاب وفي الصحافة وغيرها من وسائل الاتصال المكتوبة والمرئية .
وكم سمعنا عن روايات صادرتها الرقابة بعد أن تدخل مواطن / مجموعة من المواطنين لهم اتجاه ديني معين للتحريض عليها
فالأدب في بلدان العرب لا يعاني من السلطة السياسية فقط – وهي معاناة كبيرة – وإنما أيضا من سلطة أخرى قوية جدا ظهرت في السنوات الأخيرة وهي سلطة الشارع المسيس دوغمائيا والذي يسهل فيه التحريض على النص الذي لا يوافق ذائقتهم في الحياة .

 

المولدي فروح :

تدرك يا صديقي ابراهيم ان المرحوم نزار قباني عرف من اين تدخل الكلمة الى الذوات و نجح في طرق المواضيع النسوية بجراة ساعدته على النتشار...و يقال ان ابراهيم درغوثي نجح في اقتحام عوالم ظلت الى حين مغلقة و امامها حجاب عدة بينهم الدين و الاخلاق و العادات...انت و في عديد من النصوص تجرات على قول الحقيقة كما هي : اسوق مثالا من وراء السراب قليلا حيث قلت : امد....و ابول عليهم ...و غير ذلك من الكلام الجريء...فهل فعلته عن وعي ام بغاية الاستفزاز؟ ام من اجل سلطنة على القاريء...و هل عرفت انت ايضا من اين تدخل الكلنة الى النفوس؟

الإجابة

أظن أنك تقصد الكتابة في الممنوعات وهي كثيرة في دنيا العرب . فإن كان ذلك قصدك فهو صحيح لأنني حاولت في أغلب نصوصي الاقتراب من هذا الممنوع . فكتبت في الجنس حد الفضح وفي السياسة حد المصادرة وفي الدين حد الاقتراب من الكفر البين .
فقد صدرت روايتي " القيامة ... الآن " بمقولة لدوستويفسكي هي : لئن اتبعت الشيطان يا رب ، فإني أظل ابنك لأني أحبك ، ولأن في نفسي سبيلا إلى الفرح الذي لولاه ما وجد الكون " .
لماذا كل هذا الجنون ؟ لأنني أظن أن العرب والمسلمين في حاجة إلى إعادة قراءة تراثهم بما في ذلك الدين والمنظومة الأخلاقية السائدة منذ ما سمي بالعصر الجاهلي . فالعرب يعيشون في الألفية الثالثة بعد ميلاد عيسى بن مريم ولكن بعقلية لا تختلف كثيرا عن عقلية القرن الأول للهجرة . هم يعيشون المدنية في الظاهر ولكنهم في الحقيقة يحملون التخلف بكل أشكاله في بواطنهم .
لذلك يصبح من واجب الأدباء والكتاب والمثقفين بصورة عامة خلخلة هذه التصورات البائدة عن الحياة والموت أيضا والدخول فيما سمي بالممنوعات كل بطريقته الخاصة وعدم الخوف من العواقب التي قد تنجر عن ذلك .
قد يبدو الأمر صعبا خاصة في هذه السنوات التي سيطر فيها الفكر الديني الرافض للحوار . ولكن علينا أن نبدأ .
لأن الأمر لم يختلف كثيرا في أوروبا حين تحرك فلاسفة الأنوار لزحزحة الفكر الكنسي من العقول فدفعوا أرواحهم للوصول إلى ما تنعم به أوروبا اليوم من حرية في الفكر والمعتقد .

 

صالح سوسي

تعقيبا على إجابتك في ما يتعلق بالنشر في تونس
ألا ترى أن النشر على الحساب الخاص أساء للمدونة الأدبية التونسية أكثر مما افادها ؟
بمعنى ألم يفتح النشر على الحساب الخاص الباب أمام أشباه الكتاب و أشباه الأشباه حتى يمطرونا بسخافاتهم و عدائهم الأزلي مع اللغة ؟

و في نفس السياق ألا ترى أن وزارة الثقافة تساهم بشكل أو بآخر في تشجيع عديد الإصدارات السخيفة باقتنائها لها ؟ ألا يجدر بوزارة الإشراف أن تضع مقاييس لشراءاتها ؟

الإجابة:

1 – من زمن بعيد ناديت بتأسيس دار نشر حكومية تابعة لوزارة الثقافة أو لهيئة وطنية ثقافية أخرى كمجلس وطني للثقافة مثلا يكون مسؤولا عما ينشر من إبداع أدبي في تونس ولا يجيز للنشر إلا النصوص التي تستحق الحياة كما كان الحال في السابق .
فوزارة الثقافة في تونس كانت لديها دار نشر حكومية هي : الدار التونسية للنشر ودار ثانية بالاشتراك مع ليبيا هي : الدار العربية للكتاب .
الأولى وقعت تصفيتها ولم يعد لها وجود بدعوى عدم المردودية أي أنها أفلست . والثانية نقصت إصداراتها بنسبة تسعين في المائة .
وإن كانت الدار الثانية لا تعنيني لأنها مربوطة بأهواء السياسة فإن الثانية تعنينا كلنا في تونس
أي أن وزارة الثقافة مطالبة اليوم بأن يكون لها مؤسسة للنشر تدعمها بالمال الذي يقدم لدور النشر الخاصة ويذهب في جيوب أصحاب هذه الدور دون أن ينتفع به الكاتب من قريب أو بعيد . وعلى العكس من ذلك فإن هذه الدور كما تفضلت بالقول تساهم في سيادة الرداءة على المشهد الثقافي والأدبي في تونس لأنها لا تملك لجنة لقراءة الإبداع الذي تنشره وكل هم أصحابها أن يطبعوا الكتب كما هي ويقبضوا مقابلا لما ينشرون .

صالح السوسي

في بعض نصوصك استحضار لشخصيات تعيش معها يوميّا ، تسكن نصك كما تسكن قريتك أو حييّك أقصد ابناء المناجم مثلا ، هل ترى أنك تكتب نصا واقعيّا ؟ ثمّ ما مدى المسافة الفاصلة بين المتخيّل و الواقعي في نصك السردي ؟

الإجابة

كتتمة للسؤال الأول أساند ما جاء في كلامك عن دعم الوزارة للرداءة . فحين صار كل من هب ودب يطبع كتبا بدعوى أنها قصة أو رواية أو شعر بدون حسيب أو رقيب وهو متأكد من أن الوزارة ستقتني منه نسخا تسمح له بتسديد ما دفع للناشر الخاص امتلأت السوق بالغث وطغت هذه الإصدارات التافهة على النصوص الجيدة وزاحمتها كما تزاحم الأعشاب الطفيلية الأعشاب النافعة للحياة .
والغريب في الأمر أن الوزارة تقتني من كل الكتب نفس العدد تقريبا دون تفريق بين أصحابها مما يعطي الانطباع لهؤلاء المتطفلين على الحقل الثقافي بأنهم أصحاب حق وبأن نصوصهم جيدة ما دامت الوزارة قد اقتنت منها على قدر ما اقتنت من غيرهم .

من هنا ومن هذا المنبر الإعلامي أتمنى على وزارة الثقافة في تونس خاصة وأن الوزير الذي يقودها الآن رجل علم وأدب أن تعيد النظر في هذا الموضوع وأن تمكننا من دار نشر حكومية تصنع ربيع الأدب والثقافة في تونس

 .

صالح السوسي

من موقعك كنائب لرئيس اتحاد الكتاب التونسيين أريد جوابا على سؤالي هذا و لصديقنا المولدي فروج حق الرد أيضا إذا شاء :
يرى البعض أنّ اتحاد الكتاب التونسيين بقي على حاله و أن ما يقدمه للمشهد الثقافي يمكن أن تقدمه أية دار ثقافة أو لجنة ثقافية محلية ، ثمّ من الملاحظ أن الاتحاد لم يكلف نفسه إلى اليوم عناء تأسيس موقع خاص به

الإجابة :

إن اتحاد الكتاب في تونس جمعية ثقافية تمولها الدولة التونسية بميزانية محدودة جدا هي لعلمك أقل بكثير من ميزانية أي مندوبية جهوية للثقافة في ولاية من ولايات الجمهورية .
ولتعلم وليعلم الجميع في تونس أن ميزانية مندوبية الثقافة في قفصة مثلا وهي ولاية صغيرة من ولايات الجمهورية أكبر من ميزانية إتحاد الكتاب في تونس بست مرات. فما بالك بالولايات الكبرى.
لذلك فنحن نشتغل على قدر ما نملك من مال في هذا الزمن الذي أصبح فيه المال قوام الأعمال والجميع لا يتحرك إلا إذا حككت في يديه الدرهم و الدينار وخاصة الدولار يا صاحبي .
ومع ذلك فقد قام الاتحاد بإنجازات كبيرة مقارنة بما كان ينجز سابقا خلال سنة واحدة من حياة الهيئة الجديدة.
من ذلك مثلا أننا أنجزنا بإمكانيات بسيطة جدا وبتعاون كبير وتضحيات أكبر من العزيز المولدي فروج " موقعا إليكترونيا هو " نشرية اتحاد الكتاب التونسيين " استقطبت كثيرا من الأقلام التونسية والعربية . وما عليك إلا أن تزور هذا الموقع لتعرف مدى جديتنا في الانفتاح على عالم الانترنيت .

نزار ب. الزين :

يصر بعض النقاد على وضع قواعد و قوانين للقصة القصيرة أو الأقصوصة ( القصة القصيرة جدا ق.ق.ج ) لا يجوز الحياد عنها ، فهل برايك يمكن إخضاع الأدب إلى مثل هذه القوانين الرياضية الصارمة ؟
الإجابة :

من منطلق أن القصة القصيرة جنس أدبي وافد على الأدب العربي من الغرب الفرنكوفوني أو الأنجلوسكسوني أو من الشرق الروسي خاصة . وباعتبار أن أغلب الرواد الذين كتبوا القصة القصيرة تتلمذوا على أدباء الغرب فقد حاولوا كتابة هذا الفن الوافد بشروطه الغربية خاصة في البدايات ، أي حتى خمسينات القرن الماضي في الغرب وحتى السبعينات بالنسبة للأدب العربي.
واعتبر الخارج عن شروط وفنيات الكتابة القصصية المذكورة إما غير عارف بها أو متمردا عنها كما كان الحال عندنا في تونس مثلا مع عزالدين المدني وصالح القرمادي .
"
هذه القوانين الصارمة " : الزمان والمكان والشخصيات والطول ووحدة الأثر النفسي بالنسبة للقصة القصيرة هي موازين حددها أصحابها لهذا الفن كما حددوا موازين لكتابة الرواية والخاطرة والشعر وغير ذلك من فنون الإبداع .
بقي السؤال الهام ، هل يجوز الحياد عنها ؟
هذا يعود لموقف المبدع من الكتابة القصصية خاصة والكتابة بصورة عامة .
فإذا كان هذا الفنان متمردا فإنه سيتجاوز هذه القوانين ويدوسها ويثور عنها ليكتب نصه الخاص به مستثمرا إنجازات الكتابة الحديثة والقديمة أيضا . من ذلك مثلا بالنسبة لنا في أدبنا العربي يمكن للكاتب أن يعود إلى الطرفة والحديث والخبر والمقامة والخرافة وغيرها ليطوعها ويصنع من خلالها نصه الحديث ضاربا عرض الحائط بالشروط الفنية للكتابة القصصية .
وإذا أراد أن يساير الموجود فما عليه إلا التقيد بالشروط المضبوطة لهذه الكتابة.

نزار ب. الزين :
يشير بعض النقاد إلى القصة الواقعية على أنها بعيدة عن معنى القصة الأدبية و اعتبارها أقرب إلى التقرير الصحافي ، فهل تؤمن بهذا الطرح ؟
الإجابة:

في نظري هذا يعود إلى براعة الكاتب في استثمار الحدث الواقعي الذي يبني من خلاله قصته .
فكم من النصوص الواقعية تسحرك بجمالها وفتنتها التي يبلغ الكمال . وما نصوص يوسف إدريس مثلا في الأدب العربي أو نصوص موباسان الفرنسي وتشيخوف الروسي إلا دليلا على ما أقول .
لأن الواقعية هي أساس كل الأعمال الفنية الكبرى التي عرفتها آداب العالم .
أما إذا كتب القاص نصا مسطحا ، جافا ، تقريريا ، فإنه لا محالة سيخرج من باب الأدب القصصي ليدخل بابا آخر قد يكون كل شيء إلا الأدب .
نزار ب. الزين :

يهاجم البعض الكتاب المبتدئين بسبب ضعف كتاباتهم ، أليس من واجبنا تشجيعهم و الأخذ باياديهم حتى بلوغهم شاطئ الأمان ؟
الإجابة :

بالنسبة للموقف من المبتدئين أرى أنه من واجب منابر النشر المختلفة ، من النشر الورقي التقليدي المعروف في الجرائد والمجلات إلى المنابر الإليكترونية الحديثة أن توفر للمبتدئين أركانا خاصة بهم حتى لا تختلط نصوصهم بنصوص الأدباء أصحاب التجربة . لأن القارئ حين يتعامل مع النصوص المنشورة في ركن واحد لا يعرف إن كان صاحبها مكرسا أو جديدا يتلمس الطريق فيحكم على هذه النصوص حكمه على غيرها .
لذلك يتعرض هذا المبتدئ في بعض الأحيان إلى إحباط قد يقوده إلى الابتعاد عن الكتابة الأدبية فنخسر مشروع أدبيب أو أديبة .
أما إذا كان النشر في ركن خاص بالمبتدئين فإن الأمر سيختلف لأننا سنعامل هذا النص معاملة النبته الغضة التي من واجبنا أن نرعاها حتى يشتد عودها وتصبح قادرة على الحياة بمفردها .

نزار ب. الزين :
ماذا قدم اتحاد الكتاب التونسيين للمسيرة الثقافية العربية و لماذا نرى الحركة الأدبية في المغرب العربي أقوى و أشد زخما من الحركة التونسية

الإجابة :

المشهد الثقافي والأدبي في تونس يعيش زخما كبيرا خاصة في هذه السنوات الأخيرة فكثيرة هي المجموعات القصصية والشعرية والروايات والدراسات النقدية التي تنشر في كل شهر .
حتى أننا في عشرية واحدة هي العشرية الأخيرة من القرن الماضي نشرنا في تونس أكثر مما نشر فيها على مدى نصف قرن من الزمن .
كما أن لدينا في تونس مشروعا ثقافيا هاما آخر نكاد نتفرد به عن كل بلدان العرب هو المهرجانات الأدبية والثقافية التي تكاد تقام في كل أسبوع وفي كل ولايات الجمهورية ، في مدنها وفي قراها الصغيرة . من ذلك أننا نقيم مهرجانا للشعر العالمي في قرية صغيرة من قرى ولاية القصرين يكاد عدد سكانها لا يتجاوز بضعة آلاف .
هذه المهرجانات لا تختص بفن دون غيره وإنما هي مهرجانات لكل الفنون .
لكن كل هذا الزخم لا يصل خارج حدود الوطن لأننا لا نعرف كيف نسوق لإنجازاتنا عكس الأشقاء في المغرب الأقصى الذين استطاعوا أن يصلوا إلى الشرق العربي خاصة بكتاباتهم النقدية المتفردة وبدور نشرهم الكبيرة كدار طوبقال التي صارت تزاحم الدور الشرقية فجعلت الكتاب المغربي وبالتالي الكاتب المغربي يخرج من محليته ليصل إلى كل الأقطار العربية تقريبا .

نصر بدوان :

الكاتب الكبير
ابراهيم درغوثي
قاصا وروائيا
لقد رأينا أثر الحداثة في الشعر , من ناحية الشكل أو المضمون , وكذلك اللغة ,
فأين ترى ذلك في الرواية والقصة القصيرة ؟!

الإجابة :

بالنسبة لتأثير الحداثة في القصة والرواية يكاد الأمر لا يختلف كثيرا على الشعر لأن الإبداع كل لا يتجزأ.
فالأدب السردي الذي بدأ مسكونا بالرومانسية والواقعية الاجتماعية تحول في خمسينات القرن الماضي إلى تيار الوعي واقترب من الحكاية القديمة بأشكالها الخرافية والأسطورية بعدما هيمنت على الذائقة الإبداعية في الرواية خاصة الواقعية السحرية أو العجائبية القادمة مع إنتاج كتاب أمريكا اللاتينية واليابان .
وقد حاول الكتاب العرب الانفتاح على التراث العربي القديم من حيث بناء النص الروائي خاصة ومن حيث استلهام الأشكال التراثية القديمة في السرد الحكائي .

لميس سعيدي

-من خلال تجربتكم في الترجمة و اطلاعكم على الاداب الاجنبية هل ترون ان الكاتب العربي اليوم قادر على تقديم اضافة ابداعية للحضارة الانسانية؟
الإجابة:

بالتأكيد ، في مقدور الكاتب العربي أن يقدم إضافة للأدب العالمي بشرط أن لا يعيد إنتاج الأدب الغربي في نسخة عربية لأنه في هذه الحالة لن يتجاوز ما يقدمه العقل الغربي إلا قليلا .
ولأن كما مقبولا منه ذلك في البدايات فإنه يتوجب عليه اليوم أن يجدد في أدوات كتابته وأن لا يبقى أسير الآداب الغربية . فقد قيل على نجيب محفوظ مثلا حين فوزه بجائزة نوبل واطلع الغرب على الثلاثية مترجمة في لغاتهم ، هذا " إيميل زولا " العربي . أي أن نجيب محفوظ هو صورة من الكاتب الفرنسي المشهور ولكن مثل هذا الكلام ما قبل مثلا عند فوز كاتب ياباني أو صيني بالجائزة . لذلك يصبح في هذه الحالة محتم علينا أن نخرج عنهم وأن نحاول التأسيس لأدب عربي له نكهتنا الخاصة . وحسب ظني فإن هذا لن يتم إلا إذا عدنا إلى التراث السردي العربي مثل المقامة والحكاية والخبر والحديث وغير ذلك من الأساليب لا لإعادتها كما هي وإنما لإعادة إنتاجها في صورة عصرية أن نستفيد منها ونطور في شكلها ومضمونها بكيفية تجعلها قادرة على الحياة في هذا العصر . وبذلك نكون قد قدمنا الإضافة للأدب الإنساني الحديث . كما قدم الأجداد للغرب رائعة " ألف ليلة وليلة " التي مازالت حتى اليوم تبهر كل من يطلع عليها .

لميس سعيدي
2-
هل التطرق للتابوهات في الادب كالجنس و الدين و السياسة نابع لديكم من رغبة في الثورة على السائد و المفروض بسلبياته و ايجابيته أو محاولة لتقديم رؤية خاصة و فلسفة قائمة على التحليل و غربلة المفاهيم؟
الإجابة :

يمثل موضوع " التابوهات " أي الجنس والدين والسياسة في الأدب العربي الحديث معضلة للكاتب والمتلقي زالت مثلا في الغرب لأننا مازلنا إلى يوم الناس هذا في مواطن بني يعرب لا ننعم بحرية تمكننا من الإفصاح عن رغباتنا دون مشقة التعرض إلى المساءلة من الديني والسياسي والأخلاقي . فالمواطن العربي يعيش ازدواجية في شخصيته : الباطن والظاهر .
في باطنه يعشش فكر منغلق مسكون بالقدامة حد التحجر .
وفي ظاهره يتلون بالحداثة والانفتاح على نوافذ المدنية الحديثة .
من هنا يصبح التعامل مع الإنسان العربي محفوف بالمخاطر خاصة في الأدب المكتوب . فهو يمتع النفس مثلا ب " كليب " لفنانة تظهر الاستهتار بالجسد حد الفحش والبذاءة ويتمنع عن قراءة نص أدبي يوظف فيه الجنس توظيفا فنيا يخدم أغراض النص .
وهو يمارس البذاءة الأخلاقية بكل صورها في الخفاء ولكنه يظهر الفضيلة والتدين للعموم .
وهو يدعي الدفاع عن الحريات العمامة وحقوق الإنسان الدينية والسياسية والثقافية وفي تمايز هذا عن ذاك إذا كان خارج السلطة إما إذا ارتقى ولو على بعرة بعير فإنه يعود كما الحجاج بن يوسف الثقفي ، لا يشبع من دم الآخر .
لهذا لا يجازف أصحاب دور النشر بطبع ما قد يتسبب في خراب دورهم . وعاش من عرف قدر نفسه ....
لكل هذا وغيره حاولت الاقتراب من هذه المحرمات وفي نفسي شيء من : " حتى " و " لعل " و " ليت " وكل هذه الأفعال الناقصة ... حد الفجيعة .

لميس سعيدي
3-
هل الرقابة في تونس و باقي الدول العربية تشكل عبئا حقيقيا على دور النشر ؟ سمعت هذا من احد الناشرين التونسيين و أتمنى سماع وجهة نظركم

الإجابة :

نعم الرقابة في كل بلاد العرب وليست في تونس وحدها هي القاتل الحقيقي للإبداع العربي ولك أن تتذكري ما وقع في مصر منذ سنوات في ما سمي بقضية الروايات الثلاث التي أصدرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر ثم وقعت مصادرتها بعد ذلك لتداخل الديني والسياسي في الموضوع أو ما وقع لرواية السوري حيدر حيدر " وليمة لأعشاب البحر " أو كارثة رواية المرحوم نجيب محفوظ " أولاد حارتنا " التي كادت تؤدي بحياته .
وغير ذلك كثير لأن ذلك مرتبط بموضوع الحريات العامة الذي ذكرته قبل قليل والذي لا نجد له مكانا للتحقق في بلا العرب .
أما في تونس فإن موضوع الرقابة على الإبداع من حيث الشكل هو غير موجود بسلطة القانون الذي يمنع هذه الرقابة أما من حيث التطبيق فالأمر مختلف لأن هناك أعمالا أدبية مصادرة ومن بينها مجموعتي القصصية " الخبز المر " فهي ممنوعة من التداول مند سنة 1990 ، كما أن روايتي " شبابيك منتصف الليل " لم يسمح بتداول طبعتها الثانية مند ثلاث سنوات .
لذلك لا يجارف الناشر العربي بما قد يخرب داره
وعاش من عرف قدر نفسه ...

 

نزار ب. الزين


قرأت لك مؤخرا عملين روائيين قصيرين أحدهما بعنوان تفاح الجنة و الآخر بعنوان المغني ، الرواية الأولى تخللتها عبارات جنسية صريحة و كثيرة ، أما في الرواية الثانية فكانت العبارات الجنسية متوارية ، سؤالي الأول :
هل ابتعدت عن الأدب المكشوف؟
و سؤالي الثاني :
ماهو رايك بالأدب المكشوف عموما ، و هل يستوعبه العقل العربي و يتقبله ؟
الإجابة :

الأدب صنو الحياة وما دمنا نمارس الجنس في الحياة فإن الكتابة الأدبية ستظل تتناول هذه المواضيع مرة بالتورية ومرات أخرى بالتصريح المعلن على رؤوس الأشهاد.
كل ما في الأمر أنني لا أكتب هذا الأدب المكشوف لتسلية قارئ صار في مقدوره الآن أن يتسلى بما يريد من جنس فاضح في متناول يده، في كل مكان من أشرطة الفيديو الملقاة على قارعة الطريق إلى المواقع الالكترونية المزروعة في كل أجهزة الإعلامية.
إنني أكتب في بعض الأحيان عبارات قد تخدش الحياء ولكنها ليست مقصودة لذلتها وإنما هي صرخة احتجاج على منكر اجتماعي أو أخلاقي أو سياسي يرى رأي العين ويلمس باليد ولا من يرد عليه . فأكتب بتلك الطريقة الفجة في بعض الأحيان لإيصال احتجاجي مباشرة إلى شعور القارئ لأستفزه وأدفع به إلى البحث عن السبب الذي دعاني إلى استعمال مثل تلك البذاءة في مجتمع يدعي في الظاهر على الأقل ، الطهرانية والتطهر من رجس الشيطان .
أما عن تقبل العقل العربي للأدب المكشوف فللأمر جوابان :
الأول يرفضه رفضا باتا بدواعي أخلاقوية تدعى أن مثل هذا الأدب يفسد الشبيبة ويبعدها عن الفضيلة ومكارم الأخلاق .
والثاني : لا يرى مانعا من التوظيف السلس لهذا الأدب بل هناك من يحرض على كتابته لأنه يمثل نوعا من أنواع تحرر الكاتب وإمكانية من إمكانيات ممارسة الحرية في الكتابة . فما لا يقدر عليه هذا يقدر عليه الآخر . وما لا يستسيغه قارئ يتلهف على قراءته قارئ آخر .
ولنترك الزهور تتفتح في حقول الأدب : زهور حدائق المنازل وزهور البرية البعيدة عن العمران .

 

صالح السوسي :

في رأيك ما الذي ينقص النص الروائي التونسي حتى يصبح نصا مفتوحا على العالمية ؟
سيما أن نصوصا عربية كثيرة تمكنت من الولوج للعالمية من أبواب كثيرة

الإجابة :

نمتلك في مدونتنا الأدبية في تونس نصوصا روائية كبيرة في قيمتها الأدبية بالطبع منذ " حدث أبو هريرة ... قال " لمحمود المسعدي حتى روايات بداية الألفية الجديدة .
فقد قال ناقد مشرقي لا أستحضر الآن اسمة عن هذه الرواية إنها لو نشرت في وقتها أي خمسينات القرن الماضي لغيرت مجرى الرواية العربية .
ولكن ما ينقص الإبداع التونسي للقيام بعملية احتراق للسوقين العربي والعالمي هو عدم صدور الروايات التونسية الجيدة عن دور نشر مشرقية كبيرة تحتضنها ثم تعرف كيف تسوقها للعالم .
وهذا ما حصل مثلا مع الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي التي صدرت روايتها التي جعلتها مشهورة في كل العالم في الجزائر أولا ولكنها لم تشتهر ولم تعرف أصلا .
ولكنها عندما صدرت عن دار الآداب صارت الحدث الأول في دنيا العرب .
النص الروائي التونسي من حيث الجودة يماثل تقريبا كتابات العرب الجميلة ولكن ما ينقصنا مع ما ذكرت سابقا ، الإيمان في تونس أولا بأن لدينا مبدعين كبارا نؤمن نحن أولا بتفردهم في إجادة الكتابة ثم ندعو الآخر سواء كان عربيا أو غربيا للإيمان بهم .

 

مصطفى مراد :

لماذا يهرب الكاتب العربي إلى التاريخ والتراث ليتحدث عن الحاضر؟

الإجابة :

الكاتب العربي لا يمتلك حرية الكاتب في كثير من البلدان كما في الغرب مثلا ، لذلك تراه في كثير من الأحيان حين يهم بالكتابة عن المواضيع الآنية الحارقة يتردد كثيرا ولا يقدم على انتهاك الورقة إلا إذا قرأ " يس وفي يده ألف حجر " كما يقول المثل التونسي ، لأن نصه قد يحجز ويمنع من التداول فيضيع شقاء عمره . وقد يعرضه هذا النص للمساءلة أمام القضاء أو للسجن في بعض الحالات . هذا إذا كان موضوع الكتابة سياسيا فقط . أما إذا كان الموضوع دينيا أو جنسيا فالطامة أكبر والمصيبة أعظم . لكل ذلك يداور الكاتب ويناور فيعود في بعض الأحيان إلى التراث ويرجع في أحيان أخرى إلى التاريخ يستلهم منه أحداثا وشخصيات يكتب بها ومن خلالها هموم الزمن الحاضر ولسان حاله يقول " ما أشبه اليوم بالبارحة " . وقد كتبت كثيرا من نصوصي القصصية والروائية بهذه الطريقة كما كتب روائيون عرب بالتاريخ نصوصهم الحداثية. والمثال الصارخ هو رواية الغيطاني
"
الزيني بركات " ورواية عم الطاهر وطار " الحوات والقصر " وغير ذلك مما لا يسع الرد لذكره .
إن التاريخ يكون في بعض الأحيان ملاذنا الأخير نكتب به تقية ، ونخاتل به الرقيب الواقف بسيفه البتار فوق رؤوسنا يتحين الفرص لبتر اليد التي تكتب ما لا يروق للسلطان في بعض الأحيان وللرعية في أحيان أخرى .

مصطفى مراد :

هل مازالت الكتابة قادرة على تغيير العالم كما كان الحال حتى ثورة طلاب باريس في ستينات القرن الماضي؟

الإجابة :

نعم يا سيدي ستبقى الكتابة وستظل على مدى الأزمنة والدهور الوسيلة الفاعلة لتغيير العالم .
بها وحدها نغير أنفسنا أولا ثم نغير العالم أخيرا . فمنذ أن خط الإنسان البدائي رسوماته على حيطان المغاور وأسطح الجبال إلى الآن وأنا أكتب لك ردي ليصلك هباءات على أمواج الأثير والكلمة هي هي لسان حال المصلحين من فلاسفة الأنوار في فرنسا القرن الثامن عشر
إلى وإدوار سعيد وأصدقاء الإنسانية في أمريكا القرن العشرين وما بعده . الكلمة يا أخي ستبقى دائما أقوى من الرصاصة التي تخيف الطغاة ، خاصة الآن بعدما صار العالم على ما هو عليه من حداثة في استعمال وسائط جديدة تمكن من الاتصال بالدنيا قاطبة في أقل من رمشة عين.
نعم لقد غيرت الكتابة العالم قديما وسيكون للكلمة النابضة بالحياة دور كبير في تغيير عالم اليوم . هذا العالم الذي تغولت فيه الرأسمالية كما لم تتغول في القرن الثامن عشر ستسقطها كلمة حق تقال في وجهها البشع .

مصطفى مراد :

يكتب ابراهيم درغوثي أدبا مكشوفا قد يصدم ذائقة المتلقي العربي لماذا هذا التوجه في الكتابة؟

الإجابة :

أظن إن الكاتب العربي - لو قمنا بدراسة مقارنة مع آداب الشعوب الأخرى – سيحتل المرتبة الأخيرة في الكتابة البورنوقرافية لأننا في العادة نحتكم إلى عادات وتقاليد تكبلنا وتمنعنا من الاقتراب من المواضيع الجنسية إن تلميحا أو تصريحا ، إن سرا أو جهرا . والذين تمردوا على هذه العادات قليل ومع ذلك نالوا من التجريح الشيء الكثير من سدنة الأخلاق الحميدة وأرباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وقد وجدت عند قراء نصوصي القصصية والروائية موقفان :
الأول ، بارك هذه الكتابة وشجع عليها لأنها موظفة توظيفا إبداعيا يخدم النص ويدفع بأحداثه إلى منتهاها لأنها ليست مقحمة لإثارة الغرائز عند القارئ - وهذه الإثارة متوفرة الآن في أماكن أخرى كثيرة لعل آخرها الكتاب - .
والثاني رفضها رفضا قاطعا ، باتا دون أن يلتفت لدواعي التوظيف .
أما أنا فإنني سأقول للجميع بأنني لن أتردد لحظة واحدة ، ولن ترتعش أصابعي البتة كلما وجدت نفسي أمام موقف يستدعي الاستنجاد بالكتابة الفجة ، النابية ، القبيحة ، الوسخة ،بما فيها البورنوغرافية . وأنني سأستطرف في هذه الكتابة ما شاء لي التطرف . فأمام رب مصنع
يغتصب عاملة فقيرة وأمام جندي أمريكي يغتصب سجين مكبل اليدين والرجلين ، وأمام سجانة تستنجد بالكلاب لاستجواب معتقل ، وأمام شعوب تغتصب جهارا نهارا بالنار والحديد على مرأى ومسمع من العالم أجمع ، وأمام بلدان تدمر على رؤوس أهلها . هل يمكن لنا أن نصمت أو نحكي عن هذا الظلم بكلام أحلى من ورود الربيع .
كلا وألف كلا ، سأرد على كل هذا العنف المادي ، بعنف لفضي ، وهو أضعف الإيمان .

 

مصطفى مراد :

لمن كانت قراءاتك الأولى وعمن تعلمت هذه السخرية السوداء التي تطبع نصك الأدبي قصصا وروايات حتى أنك تجعل قارئك حائرا بين البكاء والضحك .
بين الضحك من هذه الحياة أو البكاء عليها ؟

الإجابة :

هل أقول لك إن كتاب الغرب " ايميل زولا " و" كي دو موباسان "
و" تشيكوف " مع محمود بيرم التونسي وعلي الدوعاجي والبشير خريف هم من أثث بداياتي في القراءة ، وأنني أنا التلميذ في دار المعلمين في تونس كنت أحفظ بعضا من قصص " موباسان " بالفرنسية عن ظهر قلب إكراما لأستاذ فرنسي كان يشفق على فقرنا فكان يهدينا من مكتبته الخاصة ما نحتاجه من كتب ثم يرفض أن يسترجعها منا .
هل كان ذلك الأستاذ يحفر عن غير قصد في وجداني وذاكرتي البكر ما سيكونه ابراهيم الكاتب بعد ذلك ؟
هل كانت " الدقلة في عراجينها " و" خليفة الأقرع " و " حبك درباني " وقصص " مشموم الفل " المحملة بكل ما للبشير خريف من روح المرح الجريدي بنكتته اللاذعة اللادغة وهي تنكتب في تلك الذاكرة الطفلة سر هذا النص الطريف المليء بالمجون والعربدة اللفظية فيما يقال وما لا يقال ؟
ربما ... ولكن الأكيد أن لتكويني النفسي والأدبي والعلمي دخل كبير في هذه الكتابة . فأنا جريدي مثلي مثل البشير خريف وتعلمت في المدارس القرآنية منذ بدايات تعلم النطق القرآن ، فحفظته وأنا صبي لا أعي معانيه ثم صرت أكرره أكثر من مرة في السنة حتى يوم الناس هذا . ومع كل ذلك تشبعت بالفكر الماركسي اللينيني منذ أن وعيت معنى أن يتملك أقلية أكثر من حقهم ، ويفتقر الأكثرية إلى ما يسد الرمق .
ألست معي أن مثل هذه الخلطة قادرة على أن تصنع ذلك الأدب الذي يمتزج فيه السواد بخفة الدم والألم المبرح بتلك الابتسامة الصفراء التي لا يفهم معانيها إلا من عرف ما كابدته الإنسانية منذ أن وعى الإنسان معنى أن يعيش دون أن تداس كرامته .

مصطفى مراد :

ما هي العلاقة التي تريد أن تربطك بقارئ نصك .
هل هي علاقة تفاعل حتى التصادم مع النص أم علاقة مسايرة وإتباع لما يريده الكاتب .

الإجابة :

في ظل غياب الفكر المستنير ، وهيمنة فكر الإتباع على الثقافة العربية يصبح من واجب الكاتب أن يبحث عن قارئ لا يساير الموجود بل يتصادم مع النص بالمشاركة في فعل الكتابة – من وراء ظهر الكاتب – الذي أنجز عمله ورماه للريح ، قارئ مثقف في حاجة إلى تفكيك النص وإعادة بنائه ، أي قارئا مشاركا في عملية الإبداع يضرب عرض الحائط بما جاء في واجهة الكتاب وينبش داخل الأسس وبين طيات الحجر عما لم يجاهر به صانع الأثر لعدة اعتبارات لعل أقلها سوءا خوفه من الرقيب الذاتي القابع في أعماق كل أديب عربي تربى على الخوف منذ الولادة بداية من سلطة الأب حتى سلطة الرب.
لأننا في اللحظة الحالية نجد أ نفسنا أمام أغلبية من قراء النص الأدبي
إن وجدت – تكتفي بالقراءة الهامشية للنص / قراءة الدرجة الصفر، أي قراءة الاستمتاع لا أكثر ولا أقل .

مصطفى مراد :

ماذا يقول ابراهيم درغوثي عن نصوصه القصصية والروائية لو كان ناقدا من نقاد الأدب بدون مجاملة أو تعريض ؟

الإجابة :

هل يمكن أن أحدث عن نصوصي دون أنا أقع في المحضور ؟ أنا المتهم بأنني أعشق ذاتي حد الفناء فيها . أنا المتهم بأنني أخبئ تحت رماد ابتسامة لا تفارقني حتى في ساعات البؤس القصوى روحا شقية
قادمة من أقاصي الحياة . روحا عاشت بالتأكيد في عوالم غير عالمنا هذا وأصابتها لعنة ما ، فقذف بها في دنيا بشر القرن العشرين لتتعذب ما شاء لها قدرها ثم لتعود من حيث جاءت ؟
هل أحدث عن قصص وروايات ابراهيم درغوثي التي أغضبت الكثيرين كلا لسبب ما . فيهم من ثار لأنني تجرأت على ما كان يود الخوض فيه ولكنه أحجم عن ذلك رعبا من ردة فعل متلق لا يوجد إلا في مخيلته لأننا شعب لا يقرأ ، وإن قرأ فإنه لا يقترب من الأدب الجديد الذي يختلف عما اعتادت عليه الذائقة الجماعية من نصوص الرواد عربا وأعاجم ، ولا يؤمن بأن الأدب يتجدد كما تتجدد الحياة .
وفيهم من سمع بما كتبت فسبني ، " على الحساب حتى يقرأ الكتاب " . فأنا مارق على قوانين اللعبة ، أتهتك على هواي ولا أهاب سطوة المحرمات لذلك " يحل دمي في الأشهر الحرم " دون أن تدفع دية لقاتلي وفيهم من يعاديني " لله في سبيل الله " لأنه يرى باعتقاد حقيقي أنني تجاوزت الخطوط الحمراء التي لا يسمح في العادة بالاقتراب منها ، فما بالك بمن تجاوزها دون أن يلتفت لصياح المحتجين .
أم هل أحدث عن نصوص إبراهيم الإنسان الذي عشق في عمر من أعماره الماركسية - ولا زال إلى الآن - يظن أن خلاص الإنسانية يكمن تحت غطاء تابوت لينين وفي تضحية القديس غيفارا بدمه من أجل فقراء العالم . هذا الاعتقاد الذي تركني هائما أبحث عن خلاص جديد لروحي المعذبة بين نارين : المادية الجدلية والمادية التاريخية من جهة وسطوة رأس المال من الجهة الأخرى ؟
أم أحدث عن كتابات إبراهيم العاشق لتراثنا العربي الإسلامي شعرا ونثرا ، خرافات وأساطير ، ألف ليلة وليلة والقرآن الكريم ، رحلة ابن بطوطة وأغاني الأصفهاني ، المدونات التاريخية الكبرى وكتاب القزويني عجائب المخلوقات ، وكل ما لا يخطر على بال المشتغلين بالأدب ممن يظنون أن الغرب وحده ، أسس للسرد القصصي والروائي والذين أختلف معهم على طول الخط .
أما عن التقنيات والآليات التي أوظفها لكتابة نصوصي فتلك حكاية أخرى بدأت الكتابة عاشقا للواقعية الاشتراكية ، فوقعت في هوى مكسيم غوركي وعبدالرحمان الشرقاوي . وبتعاليم المعلم " جدانوف " حبرت نصوصي القصصية الأولى في : " النخل يموت واقفا " و " الخبز المر " فدفعت ضريبة هذا العشق ، إذ حجزت مجموعتي القصصية " الخبز المر " ومنعت من التداول مباشرة بعد صدورها سنة 1990 ولازال الحجز ساري المفعول إلى يوم الناس هذا . ثم تمردت على هذا الخط بعدما اكتشفت مقامات الحريري والهمذاني وشطحات أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ وما أسرت به شهرزاد لشهريار وأساطير العرب الأولين فعرفت أن الحكي أوسع مما كتب الغرب أوروبيا كان أم أمريكيا وأن لنا زادا أدبيا لو تدبرناه لخرجنا للعالم بكتابة أخرى تتقاطع مع الأدب الغربي ولكنها لا تكرره في نسخة رديئة باهتة .
لكل ذلك كتبت نصي بطريقة صدمت المتلقي المعتاد على الجمود ( لا فرق في ذلك بين القارئ العادي والناقد العادي أيضا ) ولم يخرج على الجماعة سوى من في " رأسه عقل " كتبت النص الكشكول الآخذ من كل شيء بطرف ، من الشعر ، ومن التاريخ ،ومن الفن " ومن الأساطير، استشهادات وتقاطع مع نصوص أخرى ، واستحضارا لشخصيات من التاريخ ومن كتب لأدباء أحببتهم فوضفت حضورهم في قصصي ورواياتي حتى صاروا مني ومن نصي أيضا . وظن البعض ممن : " عرف شيئا وغابت عنه أشياء " أنني أسطو على نص الغير لأنهم لم يطلعوا بعد على تقنية " الكولاج " المتداولة في الأدب والفن الغربيين منذ سنين وسنين . ولم يعرفوا " التطريس " وهو الكتابة على الجلد بعد محوه فيبقى من القديم أثر في الجديد وهي تقنية استعملها الكاتب العربي القديم .
هكذا كتبت مجاميعي القصصية : " رجل محترم جدا " و" كأسك ... يا مطر " ورواياتي : " الدراويش يعودون إلى المنفى " و " القيامة ... الآن " و" شبابيك منتصف الليل ".
وهكذا سأظل أكتب إلى أن تقوم قيامتي ....

صالح السوسي :

إلى أي مدى يمكن فصل السياسي عن الثقافي ، هل يمكن للعمل الابداعي أن ينأى عن الراهن السياسي ؟
كيف ينظر ابراهيم الدرغوثي المبدع إلى هذا الراهن العربي في ضبابيته ؟

الإجابة :

-1 - لقد نظر جماعة الفن للفن لفصل السياسة عن الأدب ولكن تنظيراتهم أسقطتها الحياة لأن الأدب هو المرآة التي يطل منها الإنسان على الحياة في تشابكاتها المختلفة بين الديني والثقافي والسياسي والاجتماعي. فلا يمكن أبدا أن نفصل الأدب عن كل هذه الإشكاليات المعيشة وإلا قتلناه ورمينا به في مزبلة التاريخ .
فكثيرة هي القصائد الشعرية الفصيحة والعامية والمدونات السردية من أخبار وقصص وحكايات التي أصبحت مع مرور الزمن وثائق تاريخية يقرأها علماء الاجتماع للاستدلال بها على وقائع أهملها المؤرخون أو كتبوها بلسان قلم السلطان.
إن الأدب الحارق هو ذاك الذي يدخل المناطق الملغومة ولا يخشى المشي فوق قنابلها المزروعة بالسياسي الآني والقديم
فيكتب عن الحياة الحقيقية للبشر المكتوين بنار الدنيا في كل تجلياتها .
-2 - أرى أن أمتنا العربية تعيش اليوم واقعا شبيها جدا حد التماثل بما عاشته بداية من القرن العاشر ميلادي حتى دخول الأتراك العثمانيين مصر والشام .
فقد عانت في تلك الفترة من هجوم التتار والمغول والصليبيين كما هي تعاني اليوم من هجوم اليهود المتصهينين و الأمريكان والأنجليز وأذنابهم .
وكما كانت تعيش الفرقة والتشردم في تلك الفترة ها هي تعيش اليوم نفس ذاك الداء الذي أوقعها في الذل والمهانة .
ولئن كان الظلام حالكا في هذه المرة فأنا متفائل بالمستقبل لأن الأمم الكبيرة تضعفها الهزات ولكن لا تقتلها.
وأمتنا العربية قادرة على الخروج من هذا الظلام طال الزمان أو قصر

نزار ب. الزين

عند زيارتي لتونس في صيف 2005 ، لفت نظري العدد الكبير جدا من المقاهي المنتشرة في كل مدينة صغيرة أو كبيرة أو بلدة أو حتى قرية ،كما لفت نظري أن هذا الإنتشار ذكوري ، فما هو تغسيرك لهذه الظاهرة و هل تعني أن روابط الرجال باسرهم ضعيفة ، و هل تناولت أو أحد زملائك الكتاب في كتاباتكم الأدبية هذه الظاهرة؟

الإجابة :

نعم ظاهرة انتشار المقاهي في تونس تلفت النظر لعدة اعتبارات. ويمكن قراءتها بأشكال مختلفة حسب وجهة النظر التي ننطلق منها.
فهناك من يحسبها على استفحال البطالة في جهة من الجهات فمن لا يجد شغلا يلهيه يتلهى بتمضية الوقت في المقهى .
وهناك من يعتبرها تلهية للوقت حتى لمن يعمل ووسيلة للترفيه عن النفس بعد ساعات العمل المرهقة في الإدارة أو في المعامل والمصانع .
وهناك تفسير آخر يعتبر الذهاب إلى المقاهي ظاهرة صحية من افرازات المدنية الحديثة وفدت على بلادنا مع الاستعمار الفرنسي ثم تطورت حتى صارت على ما هي عليه الآن من انتشار في كل المدن والقرى التونسية فهي منتدى كالمنتديات الأخرى الموجودة في الشرق .
فعند زيارتي في الصائفة الماضية لسوريا لفت انتباهي انتشار ظاهرة النوادي في كل الجهات التي زرتها في القطر وتوافد العائلات والأفراد عليها. وحين استعلمت عن الظاهرة قيل لي إنها ظاهرة انجلوسكسونية .
أما عن التواجد الضعيف للمرأة في المقاهي التونسية فربما يعود الأمر إلى أن المرأة مازالت تخجل من التواجد في الأماكن العمومية المحكومة بسلطة الرجل خاصة في الأرياف وفي المدن الصغيرة . أما في العاصمة والمدن الكبرى فقد تخطت المرأة هذا الحاجز الأخلاقي وهي تؤم المقهى وتستمتع بوقتها كما تريد جنبا إلى جنب مع الرجل .
هل لهذه الظاهرة صدى في الأدب التونسي ؟
نعم . ولكن باحتشام كبير ، فليست هناك أعمالا إبداعية كبيرة مشهورة تناولت هذه الظاهرة لأنها بالنسبة للتونسي صارت أمرا عاديا لا يلفت الانتباه .

ليلى إبراهيم :

ألا يفكر إبراهيم دروغوثي في صياغة سيرته الذاتية في كتاب كما فعل الروائي الرائع غابرييل غارسيا ماركيز؟
ذكرت ماركيز لأنني حين قرأت سيرته شعرت بأني أقرأ رواية من رواياته

الإجابة :

شكرا للعزيزة ليلى ابراهيم على طرح هذا السؤال عن كتابة السيرة الذاتية . فمن المعروف أن كل كاتب يطمح في كتابة سيرته ولكن القليل منهم فقط نجح لأن كتابة السيرة الذاتية من أصعب أنواع الكتابة لأنه يتحتم عليك أن تكون صادقا مع نفسك أولا ومع قرائك أولا أيضا. فمن المعروف أننا نعيش في مجتمع عربي إسلامي محكوم بضوابط أخلاقية يصعب على المبدع اختراقها. وأشهر مثال على ذلك سيرة محمد شكري المغربي التي دفعت باسمه عاليا في الأدب الغربي ولكنها منعت من التداول في أغلب الدول العربية ولازالت إلى الآن محل شبهة ولعنة لمن يقرأها.
بالنسبة لي كتابة السيرة الذاتية مشروع قابل للإنجاز. فقد بدأت أفكر فيه بجدية حين بلغت الخمسين من عمري
أولا لأنني على استعداد تام لخرق الممنوعات التي يخاف عادة الكتاب من الحديث فيها خاصة إذا تعرضت لحياتهم الشخصية.
وثانيا أظن أنني في هذا العمرقد راكمت من الحياة ما يستحق الرواية

البريد الألكتروني :