

قصة قصيرة جدا
dargouthibahi@yahoo.fr
ابراهيم درغوثي
ضربتَ
بكفك الطبلة حتى احمرت الكف . وضربت بعنف وشراسة حتى أصاب الخدر يديك . خدر
لذيذ سرى في كامل بدنك كلسعة كهرباء خفيفة . بعدها ، والعرق يبلل جبينك ويسيل
على عنقك عدت تدريجيا إلى رقتك وأنت تعالج جلد الطبلة بحذق الفنان ، فيخرج
اللحن الطروب من بين أصابعك كالحلم الدافئ في ليلة شتاء .
وتتصايح النسوة فرحات ، ويهللن ، ويدخلن حلبة الرقص مثنى وثلاث ورباع ، يحركن
أردافهن في كل الاتجاهات ، ويلعبن بالصدور بمهارة ، ويستعرضن زينتهن : حناء
منقوشة ملء الكفوف ، وأحمر على الشفاه ، والعيون غطاها الكحل ، والأفواه مدبوغة
بالسواك . وهن يتدافعن ويتضاحكن ويتلامسن ويتهامزن ويتغامزن ويتساقطن مرة على
الطبل ومرات في حجرك . يتباطئن لحظات ، ثم يهربن خفيفات كرف الحمام .
وأنت ترى بعقلك كل شيء . تسجل في دماغك الأصوات والحركات ، وتحلم بامتلاكهن .
تقول لنفسك :
- هذه سمينة رجراجة تحذق الرقص ، وتحذق أشياء أخرى لا محالة .
- وهذه الطفلة مازالت في بداية الرحلة إلا أنها نجيبة . أسمع دق قدميها على
الأرض منغما ، وتحريك يديها متزنا ، وعطرها
لذيذ
.
- وهذه رقيقة كظل شجرة ياسمين ...
وتفوح روائح الند والبخور وعود القماري والجاوي والكمون . وتعلو الزغاريد ....
فيلكزك صديقك صاحب المزمار ، فتفهم أن اللحن قد اختل ، وأنك قد سرحت بعيدا
بخيالك المجنون ، فتعود للطبلة تضربها بالكف... تضربها حتى يصيب يديك الخدر .
ويعم الهياج من جديد حلبة الرقص ، فتستغل فرصة عدم انتباه النسوة ، وترفع يدك
إلى وجهك تغطي بالنظارة السوداء روحك الميتة .
تعقيب
من المشاهد التي قرأتها ولم انسها عالميا مشهد قتل الارملة في زوربا وعربيا
مشهد العرس السوداني في رائعة الطيب صالح (عرس الزين ) ..
وفي هذا النص القصير بكلماته الطويل بدلالاته اعطى مشهدا لن انسى الطبال (ضابط
الايقاع) يصف لنا بضرباته حفلة الرقص وكاني ارى تفاهما سريا بين لغة الجسد
وضربات الطبل وتبلغ ذروتها لحظة الاتحاد الكميائي بين الرائحة والخيال حين
تسربها من اجساد الراقصات الى انف الطبال فيحاول (التمرد) فيأتي من يذكره بدوره
..
لن اتخيل من لا يقرا هذا النص الرائع ويسند ظهره الى الكرسي مغمضا عينيه محاولا
تركيب مشهدا الفرح يتخيل فيه طريقة رقص النساء ومحاولة الطبال التجريب لمعرفة
هل هو يضبط الايقاع ام جسد النساء تضبط ايقاعه فجاء الجواب من الزمار.
علاء الدين حسو
عزيزي ابراهيم هناك دراسة خاصة عن التمرد في نصك ارجو ان تراجعها في قسم
الدراسات الادبية
-------------------------------------
أخي الحبيب ابراهيم
لقد شهدت بنفسي في تونس هذا النوع من طرب الأفراح ، عماده الطبلة و المزمار ، و
كان ايقاع الطبلة يدوي في أرجاء المدينة الصغيرة " طبرقة " ، كما شهدت مشاركات
نسائية و رجالية في الرقص التونسي المميز ، و كذلك لفتت نظري طقوس الحناء في
زخرفة حِرَفية للأيادي و الأقدام ..
أما أنت فقد حولت هذا المشهد إلى لوحة فنية أعتبرها من أرع أعمالك الأدبية و
خاصة حين ضمنتها مشاعر الطبال نفسه ، فهو فقير و هو ملزم بإطراب الآخرين ،
بينما نفسه ميتة محرومة من ملذات الحياة ، يشم العطور ، يشاهد هز البطون ،
تلفت نظره زينة الجميلات ، و لا شيء أكثر من النظر ، و في لحظة تعكس يأسه يغطي
ناظريه بنظارة سوداء .
الكف و الطبلة نص مازج في اسلوبه بين الحوار مع الذات و بين تصوير متقن لمشهد
أحد الأفراح من خلال انطباعات طبال لا يملك غير مهارة اليد ...و البصر !
نزار ب. الزين