
قصة بقلم : لبابة
أبو صالح
عن القصة السورية
http://www.syrianstory.com
حَـتَّى
ألوانُ اللَّوحةِ الزَّيْـتِـيَّـةِ بهتتْ معَ الزَّمَنِ .. وتَغَيـَّرَ كلُّ
شَيْءٍ إِلى لَونٍ يَنْقُصُهُ اللَّونُ .. شاحِبٌ بِلَوْنِ الغُبارِ المنبعِثِ
مِنْ فُوَّهَةِ الحُزْنِ الـنَّابِتِ عَلَى أَرِْضِ الفَقْدِ كَحَشائِشَ صفراءَ
سَرَقَتْ خُضْرتَهَا شَمْسُ اليَقَظَةِ ..
يَقَظَةٌ مِنْ حُلُمٍ أبطالُهُ : كائناتُ الصمتِ الغائبةُ في مَـتَاهاتِ
الظُّلْمَةِ ..
يَعودُ راحِلاً بِنَظَرِهِ عَنْ شُحوبِ اللَّوْحَةِ .. لِيَشْهَدَ صُمودَ
فِنْجانِ القَهْوَةِ أَمامَهُ ..
يُـدْنِيهِ مِنْ شَفَتِهِ الدَّاكِنَةِ .. يَرتَشِفُ رَشْفَةً مِنْ طَرَفِهِ وَ
يُعِيدُهُ إِلَى طَبَقِهِ فَيُمَارِسُ الهواءُ الباردُ هوايةَ تغليفِهِ
بِالصَّقيعِ .. لِتَكونَ الرشفةُ التاليةُ بنكهةٍ أكثرَ برودةً .. وأسْرَعَ
وُصُولاً إِلَى القَاعِ ..
يُحَدِّقُ في داخِِلِهِ .. وَلا يَرَى صُورَتَهُ إِلا عَلى جُدْرانِهِ
بِهَـيئَةِ أَدْغالٍ سوداءَ .. تتشابَكُ أغصانُ الأَشْجارِ فِيها .. وَ يَتِيهُ
في غابَةٍ مُظلِمَةٍ .. تُلاحِقُهُ أَصْواتُ كائناتِ الحُلُمِ ذَاتِهِ ..
فَيَزدادُ تِيهاً .. وَ تَتَسَارَعُ دَقَّاتُ قَلبِهِ .. يَلتَقِطُ أَنْفَاسَهُ
سَرِيعَةً .. يَركُضُ .. وَ يَركُضُ .. ثم يُشِيحُ بِنَظَرِه عَنِ الفِنْجانِ
.. فَيَعودُ إِلَى غُرفَتِهِ في المنزِلِ .. وَتَهْدَأُ نَـفْسُهُ ..
سائِلٌ أسودُ لمْ تَذُبْ فيه أيةُ قِطعَةٍ مِن سُكَّرٍ , وأَيةُ نَكهةٍ مِنْ
حَياةٍ .. كُلَّما قَرَّرَ ارْتِشافَهُ يُؤَمِّلُ نَفسَهُ أَنْ يُشبِعَ
بَحْثَهُ عَن بَقايَا الأشياءِ .. رُبما يجدُ شيئاً حِينَ يحدِّقُ في القَعْرِ
.. قبلَ أَنْ يَغْسِلَ الفِنْجانَ ..
رشْفةٌ أُخرى .. بَدَأَ يَستَيقِظُ مِنْ كابُوسِ اليَقَظَةِ ..
يتشبَّثُ بِصَخَبِ صَوْتِها وَهِيَ تُعاتِبُهُ ؛ حَتـَّى يتأكَّدَ مِنْ أَنه
مَوجُودٌ وَ عَلَيهِ أَنْ يُقَرِّرَ حالاً .. عليه أن يَضغَطَ عَلى الجُرحِ ..
وَ يَقتُلَ الأَلَمَ
-عزيزي .. الأوراقُ التي لامستَها بِشَغَفِ المحبِّ .. وَحَناجِرُ الأقلامِ
التي بَحَّ مِدادُهَا .. أَ تَضيع ؟!
هل تتركُ الأرضَ غيمةٌ ما تزالُ تحملُ قطرةً من حياةٍ .. هَلْ يُجرِمُ
النِّسيانُ في
ذاكرةٍ مزروعةٍ بأطيافِ الوعدِ بالبقاءِ والالتصاقِ ؟! .
هل نسيتَ أنَّ الريشةَ حِينَ تغيبُ عَن مِحبَرَةِ اللَّونِ تَتَجَمَّدُ
وتَتَصَلَّبُ .. وَتَرْفُضُ
أنْ تسيرَ على أيِّ سطحٍ مهما كانَ فاتِناً .. هلْ تتركُ نفسَكَ بعدَ كُتُبِكَ
تلثُمُ
نسماتِ الفقدِ , وتبكِي بِأنَّاتٍ لا تُشبِهُ روعَةَ مَا كتبتَ وقرأتَ فيما
سَتفرِّطُ فيهِ ؟!
لماذا تُعاتِبُهُ , أيُّ نصرٍ ستحقِّقُهُ , أيُّ شيءٍ تصبو إِليه مِنهُ .. هلْ
عليه أن يكونَ أصمَّ ليبرِّرَ صمتَهُ .. و يتابعَ التفكيرَ في التفريطِ بكتبِه
لأجلِ النقودِ .. و لأجلِ ألا يقترِفَ الشحاذة أو تُذيقه الحاجةُ إلى الناسِ
طعمَ الذُّل ؟! ..
-عزيزي .. هل أطلبُ من أخي أن يساعِدَكَ !!
هل عليهِ أنْ ينظرَ إلى غروبِ الشَّمسِ .. ويَصِفَ الشُّروقَ !! .. لتكفَّ عن
وخْزِهِ و يكفَّ عن صمتِهِ ..
-منه القليلُ .. ومن صديقِكَ " جمالٍ " القليلُ .. ولن تضطرَّ لتحقِيقِ
فِكرَتِكَ المخِيفَةِ !
يمسِكُ بأُذُنِ فِنْجَانِهِ .. يميله بالاتجاهاتِ الأَرْبَعَةِ .. يحرِّكُ
السَّائِلَ على جُدرانِهِ ليُخفِي تشقُّـقاتِهَا ..
يقولُ برتابةٍ :
-كثيرةٌ هِيَ الكُتُبُ .. سَأُسَدِّدُ كُلَّ الفواتيِرِ .. وَ لَنْ أَحتاجَ
إِلى الناسِ !!
-جابر .. لا تتعجَّل !!
- !!
* * *
في سَاحَة الجابِرِيِّ .. وبالقرُبِ مِنْ تمثالِ الشُّهَداءِ ( * ) .. يُخرِجُ
كُتُبَهُ كتاباً كتاباً من الأكياسِ السوداء .. يصُفُّها بحركةٍ هادئةٍٍ
متعَبةٍ .. يَعْرِضُهَا .. يُعَرِّيهَا .. وَ يَتْرُكُهَا عِرْضاً لَهُ يَشهدُ
على بيعِهِ وَ قبضِ ثمَنٍ بخسٍ لا يساوِيهِ ..
هناكَ شيءٌ يمسِكُ بخناقِ رُوحِهِ .. يَشُدُّ بِقَبْضَتِهِ عَلَيهَا ..
كُلَّمَا اقْتَرَبَ مِنَ المَوْتِ .. بَسَطَ القبضَةَ .. وأَشبَعَ الرُّوحَ
بِالهَواءِ .. فَخَنَقَتْهُ الحَيَاةُ ..
آهٍ لو أنهم لا يمرونَ مِن أمامِهِ بهذِهِ النَّظَراتِ السَّاذَجَةِ .. لو
أَنهم يَخْـتَفُونَ مِن هَذِهِ السَّاحَةِ ؟!
أيُّ غباءٍ يتناسَلُ في رَأسِهِ .. هَلْ نَسِيَ أنَّ هناكَ مَا يجِبُ أنْ يملأَ
جُيُوبَهُ .. هَل تمتلِئُ دُونَ أن يُفرِغَ الأَكياسَ السوداءَ ؟!
لم لا يُكَلِّفُ هؤلاءِ البشرُ أنفسَهُم عَنَاءَ إِلقَاءِ نَظرَةٍ ما على
الكُتُبِ .. هل يجدُرُ بِهِ أن يَقِفَ و يَصْرُخَ مُرَوِّجاً لها .. ومنادياً
عليها بِصَخَبِ بَائِعِي الخُضَار ؟!
قليلةٌ هيَ الورقةُ الفضيةُ عليها .. كمْ يتمنى لو أنَّهُ يمتَلِكُ رُزَماً من
النقودِ وفئاتِ الليراتِ المختلفَةِ ..
ليس لكي يسدَّ حاجَتَهُ ويدفَعَ عنهُ ضائقتَهُ ؟!
ليس لكي يعودَ إلى منزِلِهِ بكتبهِ لم يخسَرْ أيًّا مِنها ؟!
لا .. بل لكي يمزِّقها ويقصْقِصَها ويرمِي بها في أَقرَبِ حَاوِيَةٍ .. لأنها
لا يجِبُ أنْ تكونَ إلا طعاماً للجِرذانِ ودِيدَانِ النِّفايَاتِ !!
آهٍ حرَّى تتصَاعَدُ مِنْ داخِلِهِ .. يفتَحُ لها ثَغراً عبر فَمِهِ لتَخرُجَ
بِدُخَانٍ أبيضَ يحيطُهُ بهالةٍ منها ..
الآنَ عَرَفَ أيَّ تضَادٍ بينَ الأبيضِ و الأسودِ .. أيَّ تشوُّهٍ يصِمُ
الدُّنْيَا .. أيَّ وُجُودٍ أبيضَ وأيَّ اختفاءٍ لخيوطِ السوادِ في نسيجِ
أدخنةِ آهتِهِ البيضاءِ في طقْسِ ( كانونِ الأولِ ) ..
بل أيَّ رمادٍ يُطرِّزُ قِطَعَ البَيَاضِ المحترِقَة ...!!
يَزُرُّ أَزْرارَ ردائِهِ الصُّوفيِّ .. يمسَحُ بإبهامِهِ وَ سبَّابتِهِ
حَوَافَّ شفتيه .. يُرَتِّبُ شارِبَهُ الأبيضَ .. ويرفعُ نظرَهُ إلى السَّماءِ
..
سماءُ السَّاحَةِ مبطنةٌ بالغيومِ الرَّمادِيَّةِ ..
أ يُعقلُ أن يسقُطَ المطرُ الآنَ .. أتبكِي السَّماءُ الآنَ فوقَ أهدابِ
الكتُبِ ..؟!
أ يفقدُ كلَّ شيءٍ بدموعٍ ليسَتْ لهُ ؟!
أ يعودُ بكتبٍ مبتلَّةٍ .. وجيوبٍ فارِغَةٍ .. وَ أهدابٍ قاحِلَةٍ !!
هل سيُضطَرُّ إلى نشرِ الكتبِ على حبلِ الغسيلِ !!
يعودُ بنظراتِهِ إلى الأرضِ ..
عجيبةٌ هذِهِ الأرضُ .. حجارَةٌ رماديةٌ .. متكسِّرَةٌ .. متشقِّقَةٌ ككفَّيهِ
.. لكنَّها ما تزالُ شابَّةً .. ما تزالُ صامِدَةً تحتَ أَرْجُلِ السَّادَةِ ..
وتحتَ وَطْأَةِ بَائِعِي الصُّحُفِ السِّياسِيَّةِ .. وماسِحِي الأحذِيَةِ ..
التفتَ يبحثُ بنظرِهِ عَن أَحَدِهِم ..
أحدُهم يمسكُ بيده خِرْقةً متَّسِخَةً .. وأيضاً رَمادِيَةً ..
لماذا يتحولُ كلُّ شيءٍ إلى الرَّمادِيِّ ؟!
لماذا كلُّ ما في العالَمِ يُشبِهُهُ اليَومَ ؟! ..
لا .. ربَّما يستفِزُّه فَقَطْ ؟! ..
ولماذا تُصِرُّ هذه الــ" لماذا " أنْ تَقْفِزَ في وَجْهِهِ .. هَلْ
لِتُقَرِّحَ آهَتَهُ أكثر .. فيسِيلُ الصديدُ في داخِلِهِ .. ويسرِي بنهرِهِ
البْركانِيِّ يُذيبُ ذِكْرَياتِ تِلْكَ الأَيَّامِ الخالِيَةِ ..
كَانَ يشتَرِي الكِتابَ .. يتأبَّطُهُ .. يَسبِقُهُ شوقُهُ إلى الانتصَابِ على
كُرْسِيِّ القَصَبِ المتهَالِكِ من وَطْأَةِ الزَّمَنِ في شُرْفَةِ مَنزِلِهِ
.. كَمْ كانَ ذلك الكرسيُّ حبـيـباً إلى نَفسِهِ .. كانَ يُشارِكُهُ مُتعَةَ
التَّحْليقِ بينَ السُّطُورِ .. رَحَلَ هوَ أيضاً .. ليترُكَ بقاياهُ خلفَهُ
مَرْمِيَّةً في مُستَوْدَعِ الماضِي ..
هل هي سُـنَّـةُ الحياةِ .. وسُـنَّـةُ الأشياءِ ؟!
هل كلُّ شيءٍ يشبِهُ بَقَايَا القَهْوَةِ .. وَ رَمَادَ الحَرِيقِ .. و خَيَالَ
المآتَةِ ؟! .
* * *
وَقَفَ أحدُهُم بِقَامَتِهِ أَمَامَ مَبْسَطِ كُتُبِهِ المُتواضِعِ .. كَانَ
يَرْتَدِي مِعْطَفاً جِلدِياً بَاهِظاً .. يَضَعُ يديهِ في جَيْـبَـيه ..
ويُخفِي شَعْرَهُ تحتَ قُبَّعَةٍ سوداء ..
انحنى ليلتقطَ كِتاباً .. قلَّبه بين يديه .. فتحَهُ وَبَدَأَ يختَبِرُ
مضمُونَهُ يَقرَأُ في إِحْدَى صَفَحَاتِهِ .. أَغلَقَ الكِتَابَ .. نَظَرَ
مَرَّةَ أُخْرى إِلى بَقِيَّةِ الكُتُبِ .. فَطِنَ بَعْدَهَا إلى وُجُودِ عجوزٍ
يجلِسُ مُنكَفِئاً على نفسِهِ بجانِبِ المَبْسَطِ .. ينتظِرُ تِلكَ الوَرَقَةَ
النَّـقدِيَّةَ ..
سَأَلَهُ بِاقتِضَابٍ :
- بِكَمْ ؟!
يالهذه الكلمةِ السَّهلةِ .. " كَم " .. هل يجلِسُ في سُوقِ الخُضَارِ حَقًّا
؟!
كمْ يَوَدُّ لَو يسحَبُ الكتابَ من يدِهِ .. يَلُمُّ شعثَ كتبِهِ .. ويعودُ
بكرامَتِهِ إِلى مَنْزِلِهِ .. حتَّى لَو اضطَرَّهُ الأَمْرُ لأنْ يعيشَ على
فتاتِ الناسِ .. وبَقايا القُمامَةِ ..
لكن .. لا .. يجبُ أنْ يَقْتُلَ هذِهِ المشاعرَ التي لا تنفعُ ..
أجابَهُ بنبرةٍ تفتقدُ الصوتَ والنَّفَسَ والفَرَحَ .. و لمْ يَدْرِ كيفَ
سمِعَهَا ذَاكَ ؟!
-بمئةِ لَيرَةٍ ..
حملَقَ الثَّرِيُّ في وجهِهِ مُعتَرِضاً .. وَقَالَ :
-لماذا ؟! .. انظرْ إلى الكتابِ .. قديمٌ .. مهترئٌ .. وُرَيقاتُهُ صفراءُ
شاحبةٌ .. لنْ أدفعَ أكثرَ من ثمانين ..
-لكنْ يا سيد ..., الكتابُ ممتِعٌ جِداً .. وَحِينَ تقرؤُه لن تَعْني لَكَ
تِلكَ المئةُ شيئاً .. صَدِّقني ..
-ثمانون , أو أذهَبُ ..
-تِسْعُون إِذَن .. حتى لا أخْسرَ ..
أخرَجَ الرَّجُلُ مِن جيـبِهِ مِحْفَظَةً مُتخمَةً بالنقودِ , ورَمَى إلى
جابرٍ بمئةِ ليرةٍ ورقيةٍ .. ثمَّ مدَّ يدَهُ ليَستَرْجِعَ قطعةَ عشرةِ
الليراتِ المعدنيةِ ..
لا يعرفُ أنْ يبكيَ في لحظاتِ الفقدِ .. أمُّه تُوُفيتْ .. ولمْ يبكِ ..
والدُهُ تُوُفيَ .. ولمْ يبكِ .. كانَ يموتُ حزناً .. ولكنه لم يبكِ يوماً ..
شوكٌ نَبَتَ في حَلْقِهِ .. حاصَرَتْهُ لحظةٌ من الزَّمَن تختنقُ فيها كلُّ
ذِكْرَى .. كُلُّ مَسَرَّةٍ .. وكلُّ موقفٍ كانَ يرسُمُ ابتِسامَةً ما على
شفتيهِ .. فهلْ يبكي الآنَ .؟!
هوَ لمْ يتساءَلْ .. ولكنَّهُ دفَعَ الدَّمْعَةَ حِينَ تصَاعَدَتْ إِلى عينيهِ
.. ابتَلَعَهَا ليُجِيبَ على السُّؤَالِ قَبْلَ أن يَطْرَحَهُ .. وَكأنها
إِجابةٌ خُلِقَتْ هكذا لتملأَ تفكِيرَهُ في كُلِّ أزمَةٍ .. فتجفَّ الدمعةُ ..
وتَخْدشَ ببقاياها المدبَّبَةِ دَاخِلَـهُ .. فيكتفِي بالتَّأَلُّمِ .. وأَخْذِ
الأَنْفَاسِ .. والبَقَاءِ على قَيْدِ الحَيَاةِ .
عَادَ فَمَسَحَ حَوافَّ شفتيهِ .. ثمَّ عادَ فحدَّقَ في أَرْضِ السَّاحَةِ ..
هناك شيءٌ يَلمَعُ عليها .. لكنَّهُ ليسَ ذهباً .. إنه زُجاجٌ متهَشِّمٌ
التَصَقَ بحَجَرِ الأرضِ حتى صارا شيئاً واحداً .. وما زالَ يلمعُ ..
يالهذه اللَّحظاتِ الكئيبةِ .. صَخَبُ السَّاحةِ .. ومَنظَرُ النَّاسِ وَهُم
يَسِيرونَ فِيهَا .. حَيَاةٌ تمضِي .. وعَالَمٌ يَتَحَرَّكُ .. هَوَاءٌ
يَلُفُّــهُم .. وأنفَاسٌ تُؤخَذُ وتُطْلَقُ .. وهو فيهم ومنهم .. ولا يعني إلا
حالةً من حالاتِ غباءِ هذا المجتمعِ ..
تذكَّرَ والِدَهُ حِينَ كَانَ يُوَبِّخُهُ :
-ماذا ستكونُ في المستقبَلِ أيها الولدُ الشَّقِيُّ .. أُتْرُكْ هذِهِ الكُتُبَ
.. كَفَاكَ انصِيَاعاً لِلكَسَلِ .. اذْهَبْ تَعَلَّمْ حِرْفَةً مَا تَعيشُ
منها في الغَدِ .
هلْ كَان منطقياً في رَدِّهِ عَلَى أبيهِ :
-يَا أَبِي .. هذِهِ الكُتُبُ ستصنَعُ مِنِّي أَدِيباً كبيراً تمتلِئُ
المكتَبَاتُ بمؤلَّفاتِهِ .. ويتصَدَّرُ الصَّفَحَاتِ الأُولَى مِنَ الصُّحُفِ
.. هَذِهِ أرْقَى حِرْفَةٍ أتعلَّمُهَا .. لكنها تحتاجُ بَعضَ الصَّبْرِ ..
نعم .. تحتاجُ إلى بعضِ الصَّبر .. ولها مُستقبلٌ عظيمٌ !!
لا يظنُّ أنه كَذَبَ .. ولا يظنُّ عَكسَ ذلكَ ..
قطعَ تفكيرَه أحدُهُم حينَ اقترَبَ مِنْهُ يسأَلُهُ :
-مرحبا أيها العمُّ .. كيفَ حالُكَ .. هَلْ تشكُو مِن شَيْءٍ ؟!
" هل بدأ يثيرُ شفقةَ المارِّين " .. أجابَهُ بَعْدَ نَفَسٍ عَمِيقٍ طَوِيلٍ :
-أ ترى الزمانَ يا وَلَدِي , حِينَ ترسُمُ لَوحَةً رائِعَةً .. بألوانٍ لا
أحَدَ يمتَلِكُهَا إلا أَنْتَ .. ولا تعرِفُ كيفَ وجدْتَها .. و تكونُ قد
رَسَمْتَ فيها وَجْهَ امرَأَةٍ حَسْناءَ .. وَلَمْ يتبقَّ لَكَ في النِّهايَةِ
إلا أن تَرسُمَ ابْتِسَامَتَهَا في زَمَنِ الجَدْبِ .. ثمَّ تكتشِفُ أنَّ
ألوانَكَ انتهَتْ .. فإن اللَّوحَةَ لن تعني إلا لاشيءَ .. وستُضْطَرُّ في
النهاية إلى أنْ تتأملَها وحدَكَ .. وتخبئَها تحتَ شجرةِ اليقطِينِ التي جفَّتْ
منذُ زَمَنٍ .. أو تُوصِيَ بأن تُدفَنَ مَعَكَ في قَبْرِكَ !!
-سلامتُكَ يا عمُّ , أطالَ اللهُ في عُمْرِكَ .. خيرٌ إنْ شاءَ اللهُ ؟!
اقتربَ منهُ .. وجلسَ بقربِهِ ..ثم أخرَجَ من جيبِهِ دفتراً صغيراً وبدأَ
يسألُهُ وهو يجيبُهُ .. ثمَّ شكَرَهُ ومضى سعيداً بسبقِهِ الصّحَفِيِّ عنْ (
محنةِ أديبٍ تجرِّدُه الكتبَ وأكسجينَ الحياةِ ..)
قَفَزَتْ في داخِلِهِ ضِحْكَةٌ مُنْـَتحِبَةٌ .. شَعَرَ بها تجرُّه إلى غابةِ
الفنجَانِ المظلِمَةِ .. لمْ يشعُرْ بالخوفِ هذِهِ المرَّةَ .. ابتسَمَ
ابتسَامَةً مُتَرَهِّلَةً وهوَ يُعِيدُ تَرتيبَ الكُتُبِ عَلَى المبسَطِ ..
ثَّم هَمَسَ :
-لمْ
أُخْطِئْ في ظَنـِّي , سَأَتَصَدَّرُ الصَّفْحَةَ الأُولَى !!