www.FreeArabi.com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

ابْتِسَامَةٌ مُتَرَهِّلَة

قصة بقلم : لبابة أبو صالح

عن القصة السورية

http://www.syrianstory.com  

 

          حَـتَّى ألوانُ اللَّوحةِ الزَّيْـتِـيَّـةِ بهتتْ معَ الزَّمَنِ .. وتَغَيـَّرَ كلُّ شَيْءٍ إِلى لَونٍ يَنْقُصُهُ اللَّونُ .. شاحِبٌ بِلَوْنِ الغُبارِ المنبعِثِ مِنْ فُوَّهَةِ الحُزْنِ الـنَّابِتِ عَلَى أَرِْضِ الفَقْدِ كَحَشائِشَ صفراءَ سَرَقَتْ خُضْرتَهَا شَمْسُ اليَقَظَةِ ..

يَقَظَةٌ مِنْ حُلُمٍ أبطالُهُ : كائناتُ الصمتِ الغائبةُ في مَـتَاهاتِ الظُّلْمَةِ ..

يَعودُ راحِلاً بِنَظَرِهِ عَنْ شُحوبِ اللَّوْحَةِ .. لِيَشْهَدَ صُمودَ فِنْجانِ القَهْوَةِ أَمامَهُ ..

يُـدْنِيهِ مِنْ شَفَتِهِ الدَّاكِنَةِ .. يَرتَشِفُ رَشْفَةً مِنْ طَرَفِهِ وَ يُعِيدُهُ إِلَى طَبَقِهِ فَيُمَارِسُ الهواءُ الباردُ هوايةَ تغليفِهِ بِالصَّقيعِ .. لِتَكونَ الرشفةُ التاليةُ بنكهةٍ أكثرَ برودةً .. وأسْرَعَ وُصُولاً إِلَى القَاعِ ..

يُحَدِّقُ في داخِِلِهِ .. وَلا يَرَى صُورَتَهُ إِلا عَلى جُدْرانِهِ بِهَـيئَةِ أَدْغالٍ سوداءَ .. تتشابَكُ أغصانُ الأَشْجارِ فِيها .. وَ يَتِيهُ في غابَةٍ مُظلِمَةٍ .. تُلاحِقُهُ أَصْواتُ كائناتِ الحُلُمِ ذَاتِهِ .. فَيَزدادُ تِيهاً .. وَ تَتَسَارَعُ دَقَّاتُ قَلبِهِ .. يَلتَقِطُ أَنْفَاسَهُ سَرِيعَةً .. يَركُضُ .. وَ يَركُضُ .. ثم يُشِيحُ بِنَظَرِه عَنِ الفِنْجانِ .. فَيَعودُ إِلَى غُرفَتِهِ في المنزِلِ .. وَتَهْدَأُ نَـفْسُهُ ..

 سائِلٌ أسودُ لمْ تَذُبْ فيه أيةُ قِطعَةٍ مِن سُكَّرٍ , وأَيةُ نَكهةٍ مِنْ حَياةٍ .. كُلَّما قَرَّرَ ارْتِشافَهُ يُؤَمِّلُ نَفسَهُ أَنْ يُشبِعَ بَحْثَهُ عَن بَقايَا الأشياءِ .. رُبما يجدُ شيئاً حِينَ يحدِّقُ في القَعْرِ .. قبلَ أَنْ يَغْسِلَ الفِنْجانَ ..

رشْفةٌ أُخرى .. بَدَأَ يَستَيقِظُ مِنْ كابُوسِ اليَقَظَةِ ..

يتشبَّثُ بِصَخَبِ صَوْتِها وَهِيَ تُعاتِبُهُ ؛ حَتـَّى يتأكَّدَ مِنْ أَنه مَوجُودٌ وَ عَلَيهِ أَنْ يُقَرِّرَ حالاً .. عليه أن يَضغَطَ عَلى الجُرحِ .. وَ يَقتُلَ الأَلَمَ

-عزيزي .. الأوراقُ التي لامستَها بِشَغَفِ المحبِّ .. وَحَناجِرُ الأقلامِ التي بَحَّ مِدادُهَا .. أَ تَضيع ؟!

هل تتركُ الأرضَ غيمةٌ ما تزالُ تحملُ قطرةً من حياةٍ .. هَلْ يُجرِمُ النِّسيانُ في     

ذاكرةٍ مزروعةٍ بأطيافِ الوعدِ بالبقاءِ والالتصاقِ ؟! .

هل نسيتَ أنَّ الريشةَ حِينَ تغيبُ عَن مِحبَرَةِ اللَّونِ تَتَجَمَّدُ وتَتَصَلَّبُ .. وَتَرْفُضُ      

أنْ تسيرَ على أيِّ سطحٍ مهما كانَ فاتِناً .. هلْ تتركُ نفسَكَ بعدَ كُتُبِكَ تلثُمُ

نسماتِ الفقدِ , وتبكِي بِأنَّاتٍ لا تُشبِهُ روعَةَ مَا كتبتَ وقرأتَ فيما سَتفرِّطُ فيهِ ؟!

 لماذا تُعاتِبُهُ , أيُّ نصرٍ ستحقِّقُهُ , أيُّ شيءٍ تصبو إِليه مِنهُ .. هلْ عليه أن يكونَ أصمَّ ليبرِّرَ صمتَهُ .. و يتابعَ التفكيرَ في التفريطِ بكتبِه لأجلِ النقودِ .. و لأجلِ ألا يقترِفَ الشحاذة أو تُذيقه الحاجةُ إلى الناسِ طعمَ الذُّل ؟! ..

-عزيزي .. هل أطلبُ من أخي أن يساعِدَكَ !!

 هل عليهِ أنْ ينظرَ إلى غروبِ الشَّمسِ .. ويَصِفَ الشُّروقَ !! .. لتكفَّ عن وخْزِهِ و يكفَّ عن صمتِهِ ..

-منه القليلُ .. ومن صديقِكَ " جمالٍ " القليلُ .. ولن تضطرَّ لتحقِيقِ فِكرَتِكَ المخِيفَةِ ! 

يمسِكُ بأُذُنِ فِنْجَانِهِ .. يميله بالاتجاهاتِ الأَرْبَعَةِ .. يحرِّكُ السَّائِلَ على جُدرانِهِ ليُخفِي تشقُّـقاتِهَا ..

يقولُ برتابةٍ :

-كثيرةٌ هِيَ الكُتُبُ .. سَأُسَدِّدُ كُلَّ الفواتيِرِ .. وَ لَنْ أَحتاجَ إِلى الناسِ !!

-جابر .. لا تتعجَّل !!

- !!

*        *        *

 

في سَاحَة الجابِرِيِّ .. وبالقرُبِ مِنْ تمثالِ الشُّهَداءِ ( * ) ..  يُخرِجُ كُتُبَهُ كتاباً كتاباً من الأكياسِ السوداء .. يصُفُّها بحركةٍ هادئةٍٍ متعَبةٍ .. يَعْرِضُهَا .. يُعَرِّيهَا .. وَ يَتْرُكُهَا عِرْضاً لَهُ يَشهدُ على بيعِهِ وَ قبضِ ثمَنٍ بخسٍ لا يساوِيهِ ..

 هناكَ شيءٌ يمسِكُ بخناقِ رُوحِهِ .. يَشُدُّ بِقَبْضَتِهِ عَلَيهَا .. كُلَّمَا اقْتَرَبَ مِنَ المَوْتِ .. بَسَطَ القبضَةَ .. وأَشبَعَ الرُّوحَ بِالهَواءِ .. فَخَنَقَتْهُ الحَيَاةُ ..

آهٍ لو أنهم لا يمرونَ مِن أمامِهِ بهذِهِ النَّظَراتِ السَّاذَجَةِ .. لو أَنهم يَخْـتَفُونَ مِن هَذِهِ السَّاحَةِ ؟!

أيُّ غباءٍ يتناسَلُ في رَأسِهِ .. هَلْ نَسِيَ أنَّ هناكَ مَا يجِبُ أنْ يملأَ جُيُوبَهُ .. هَل تمتلِئُ دُونَ أن يُفرِغَ الأَكياسَ السوداءَ ؟!

لم لا يُكَلِّفُ هؤلاءِ البشرُ أنفسَهُم عَنَاءَ إِلقَاءِ نَظرَةٍ ما على الكُتُبِ .. هل يجدُرُ بِهِ أن يَقِفَ و يَصْرُخَ مُرَوِّجاً لها .. ومنادياً عليها بِصَخَبِ بَائِعِي الخُضَار ؟!

قليلةٌ هيَ الورقةُ الفضيةُ عليها .. كمْ يتمنى لو أنَّهُ يمتَلِكُ رُزَماً من النقودِ وفئاتِ الليراتِ المختلفَةِ ..

ليس لكي يسدَّ حاجَتَهُ ويدفَعَ عنهُ ضائقتَهُ ؟!

ليس لكي يعودَ إلى منزِلِهِ بكتبهِ لم يخسَرْ أيًّا مِنها ؟!

لا .. بل لكي يمزِّقها ويقصْقِصَها ويرمِي بها في أَقرَبِ حَاوِيَةٍ .. لأنها لا يجِبُ أنْ تكونَ إلا طعاماً للجِرذانِ ودِيدَانِ النِّفايَاتِ !!

آهٍ حرَّى تتصَاعَدُ مِنْ داخِلِهِ .. يفتَحُ لها ثَغراً عبر فَمِهِ لتَخرُجَ بِدُخَانٍ أبيضَ يحيطُهُ بهالةٍ منها ..

 الآنَ عَرَفَ أيَّ تضَادٍ بينَ الأبيضِ و الأسودِ .. أيَّ تشوُّهٍ يصِمُ الدُّنْيَا .. أيَّ وُجُودٍ أبيضَ وأيَّ اختفاءٍ لخيوطِ السوادِ في نسيجِ أدخنةِ آهتِهِ البيضاءِ في طقْسِ ( كانونِ الأولِ ) ..

بل أيَّ رمادٍ يُطرِّزُ قِطَعَ البَيَاضِ المحترِقَة ...!!

يَزُرُّ أَزْرارَ ردائِهِ الصُّوفيِّ .. يمسَحُ بإبهامِهِ وَ سبَّابتِهِ حَوَافَّ شفتيه .. يُرَتِّبُ شارِبَهُ الأبيضَ .. ويرفعُ نظرَهُ إلى السَّماءِ .. 

سماءُ السَّاحَةِ مبطنةٌ بالغيومِ الرَّمادِيَّةِ ..

أ يُعقلُ أن يسقُطَ المطرُ الآنَ .. أتبكِي السَّماءُ الآنَ فوقَ أهدابِ الكتُبِ ..؟!

أ يفقدُ كلَّ شيءٍ بدموعٍ ليسَتْ لهُ ؟!

أ يعودُ بكتبٍ مبتلَّةٍ .. وجيوبٍ فارِغَةٍ .. وَ أهدابٍ قاحِلَةٍ !!

هل سيُضطَرُّ إلى نشرِ الكتبِ على حبلِ الغسيلِ !!

يعودُ بنظراتِهِ إلى الأرضِ ..

 عجيبةٌ هذِهِ الأرضُ .. حجارَةٌ رماديةٌ .. متكسِّرَةٌ .. متشقِّقَةٌ ككفَّيهِ .. لكنَّها ما تزالُ شابَّةً .. ما تزالُ صامِدَةً تحتَ أَرْجُلِ السَّادَةِ .. وتحتَ وَطْأَةِ بَائِعِي الصُّحُفِ السِّياسِيَّةِ .. وماسِحِي الأحذِيَةِ ..

التفتَ يبحثُ بنظرِهِ عَن أَحَدِهِم ..

أحدُهم يمسكُ بيده خِرْقةً متَّسِخَةً .. وأيضاً رَمادِيَةً ..

لماذا يتحولُ كلُّ شيءٍ إلى الرَّمادِيِّ ؟!

لماذا كلُّ ما في العالَمِ يُشبِهُهُ اليَومَ ؟! ..

 لا .. ربَّما يستفِزُّه فَقَطْ ؟! ..

ولماذا تُصِرُّ هذه الــ" لماذا " أنْ تَقْفِزَ في وَجْهِهِ .. هَلْ لِتُقَرِّحَ آهَتَهُ أكثر .. فيسِيلُ الصديدُ في داخِلِهِ .. ويسرِي بنهرِهِ البْركانِيِّ يُذيبُ ذِكْرَياتِ تِلْكَ الأَيَّامِ الخالِيَةِ ..

كَانَ يشتَرِي الكِتابَ .. يتأبَّطُهُ .. يَسبِقُهُ شوقُهُ إلى الانتصَابِ على كُرْسِيِّ القَصَبِ المتهَالِكِ من وَطْأَةِ الزَّمَنِ في شُرْفَةِ مَنزِلِهِ .. كَمْ كانَ ذلك الكرسيُّ حبـيـباً إلى نَفسِهِ .. كانَ يُشارِكُهُ مُتعَةَ التَّحْليقِ بينَ السُّطُورِ .. رَحَلَ هوَ أيضاً .. ليترُكَ بقاياهُ خلفَهُ مَرْمِيَّةً في مُستَوْدَعِ الماضِي ..

هل هي سُـنَّـةُ الحياةِ .. وسُـنَّـةُ الأشياءِ ؟!

هل كلُّ شيءٍ يشبِهُ بَقَايَا القَهْوَةِ .. وَ رَمَادَ الحَرِيقِ .. و خَيَالَ المآتَةِ ؟! .

 

*       *       *

  وَقَفَ أحدُهُم بِقَامَتِهِ أَمَامَ مَبْسَطِ كُتُبِهِ المُتواضِعِ .. كَانَ يَرْتَدِي مِعْطَفاً جِلدِياً بَاهِظاً .. يَضَعُ يديهِ في جَيْـبَـيه .. ويُخفِي شَعْرَهُ تحتَ قُبَّعَةٍ سوداء ..

انحنى ليلتقطَ كِتاباً .. قلَّبه بين يديه .. فتحَهُ وَبَدَأَ يختَبِرُ مضمُونَهُ يَقرَأُ في إِحْدَى صَفَحَاتِهِ .. أَغلَقَ الكِتَابَ .. نَظَرَ مَرَّةَ أُخْرى إِلى بَقِيَّةِ الكُتُبِ .. فَطِنَ بَعْدَهَا إلى وُجُودِ عجوزٍ يجلِسُ مُنكَفِئاً على نفسِهِ بجانِبِ المَبْسَطِ .. ينتظِرُ تِلكَ الوَرَقَةَ النَّـقدِيَّةَ ..

سَأَلَهُ بِاقتِضَابٍ :

-       بِكَمْ ؟! 

يالهذه الكلمةِ السَّهلةِ .. " كَم " .. هل يجلِسُ في سُوقِ الخُضَارِ حَقًّا ؟!

كمْ يَوَدُّ لَو يسحَبُ الكتابَ من يدِهِ .. يَلُمُّ شعثَ كتبِهِ .. ويعودُ بكرامَتِهِ إِلى مَنْزِلِهِ .. حتَّى لَو اضطَرَّهُ الأَمْرُ لأنْ يعيشَ على فتاتِ الناسِ .. وبَقايا القُمامَةِ ..

لكن .. لا .. يجبُ أنْ يَقْتُلَ هذِهِ المشاعرَ التي لا تنفعُ ..

أجابَهُ بنبرةٍ تفتقدُ الصوتَ والنَّفَسَ والفَرَحَ .. و لمْ يَدْرِ كيفَ سمِعَهَا ذَاكَ ؟!

-بمئةِ لَيرَةٍ .. 

حملَقَ الثَّرِيُّ في وجهِهِ مُعتَرِضاً .. وَقَالَ :

-لماذا ؟! .. انظرْ إلى الكتابِ .. قديمٌ .. مهترئٌ .. وُرَيقاتُهُ صفراءُ شاحبةٌ .. لنْ أدفعَ أكثرَ من ثمانين ..

-لكنْ يا سيد ..., الكتابُ ممتِعٌ جِداً .. وَحِينَ تقرؤُه لن تَعْني لَكَ تِلكَ المئةُ شيئاً .. صَدِّقني ..

-ثمانون , أو أذهَبُ ..

-تِسْعُون إِذَن .. حتى لا أخْسرَ ..

    أخرَجَ الرَّجُلُ مِن جيـبِهِ مِحْفَظَةً مُتخمَةً بالنقودِ , ورَمَى إلى جابرٍ بمئةِ ليرةٍ ورقيةٍ .. ثمَّ مدَّ يدَهُ ليَستَرْجِعَ قطعةَ عشرةِ الليراتِ المعدنيةِ ..

لا يعرفُ أنْ يبكيَ في لحظاتِ الفقدِ .. أمُّه تُوُفيتْ .. ولمْ يبكِ .. والدُهُ تُوُفيَ .. ولمْ يبكِ .. كانَ يموتُ حزناً .. ولكنه لم يبكِ يوماً ..

شوكٌ نَبَتَ في حَلْقِهِ .. حاصَرَتْهُ لحظةٌ من الزَّمَن تختنقُ فيها كلُّ ذِكْرَى .. كُلُّ مَسَرَّةٍ .. وكلُّ موقفٍ كانَ يرسُمُ ابتِسامَةً ما على شفتيهِ .. فهلْ يبكي الآنَ .؟!

هوَ لمْ يتساءَلْ .. ولكنَّهُ دفَعَ الدَّمْعَةَ حِينَ تصَاعَدَتْ إِلى عينيهِ .. ابتَلَعَهَا ليُجِيبَ على السُّؤَالِ قَبْلَ أن يَطْرَحَهُ .. وَكأنها إِجابةٌ خُلِقَتْ هكذا لتملأَ تفكِيرَهُ في كُلِّ أزمَةٍ .. فتجفَّ الدمعةُ .. وتَخْدشَ ببقاياها المدبَّبَةِ دَاخِلَـهُ .. فيكتفِي بالتَّأَلُّمِ .. وأَخْذِ الأَنْفَاسِ .. والبَقَاءِ على قَيْدِ الحَيَاةِ .

عَادَ فَمَسَحَ حَوافَّ شفتيهِ .. ثمَّ عادَ فحدَّقَ في أَرْضِ السَّاحَةِ ..

هناك شيءٌ يَلمَعُ عليها .. لكنَّهُ ليسَ ذهباً .. إنه زُجاجٌ متهَشِّمٌ التَصَقَ بحَجَرِ الأرضِ حتى صارا شيئاً واحداً .. وما زالَ يلمعُ ..

 يالهذه اللَّحظاتِ الكئيبةِ .. صَخَبُ السَّاحةِ .. ومَنظَرُ النَّاسِ وَهُم يَسِيرونَ فِيهَا .. حَيَاةٌ تمضِي .. وعَالَمٌ يَتَحَرَّكُ .. هَوَاءٌ يَلُفُّــهُم .. وأنفَاسٌ تُؤخَذُ وتُطْلَقُ .. وهو فيهم ومنهم .. ولا يعني إلا حالةً من حالاتِ غباءِ هذا المجتمعِ ..

تذكَّرَ والِدَهُ حِينَ كَانَ يُوَبِّخُهُ :

-ماذا ستكونُ في المستقبَلِ أيها الولدُ الشَّقِيُّ .. أُتْرُكْ هذِهِ الكُتُبَ .. كَفَاكَ انصِيَاعاً لِلكَسَلِ .. اذْهَبْ تَعَلَّمْ حِرْفَةً مَا تَعيشُ منها في الغَدِ . 

هلْ كَان منطقياً في رَدِّهِ عَلَى أبيهِ :

-يَا أَبِي .. هذِهِ الكُتُبُ ستصنَعُ مِنِّي أَدِيباً كبيراً تمتلِئُ المكتَبَاتُ بمؤلَّفاتِهِ .. ويتصَدَّرُ الصَّفَحَاتِ الأُولَى مِنَ الصُّحُفِ .. هَذِهِ أرْقَى حِرْفَةٍ أتعلَّمُهَا .. لكنها تحتاجُ بَعضَ الصَّبْرِ ..

نعم .. تحتاجُ إلى بعضِ الصَّبر .. ولها مُستقبلٌ عظيمٌ !!

لا يظنُّ أنه كَذَبَ .. ولا يظنُّ عَكسَ ذلكَ ..

قطعَ تفكيرَه أحدُهُم حينَ اقترَبَ مِنْهُ يسأَلُهُ :

-مرحبا أيها العمُّ .. كيفَ حالُكَ .. هَلْ تشكُو مِن شَيْءٍ ؟! 

" هل بدأ يثيرُ شفقةَ المارِّين " .. أجابَهُ بَعْدَ نَفَسٍ عَمِيقٍ طَوِيلٍ :

-أ ترى الزمانَ يا وَلَدِي , حِينَ ترسُمُ لَوحَةً رائِعَةً .. بألوانٍ لا أحَدَ يمتَلِكُهَا إلا أَنْتَ .. ولا تعرِفُ كيفَ وجدْتَها .. و تكونُ قد رَسَمْتَ فيها وَجْهَ امرَأَةٍ حَسْناءَ .. وَلَمْ يتبقَّ لَكَ في النِّهايَةِ إلا أن تَرسُمَ ابْتِسَامَتَهَا في زَمَنِ الجَدْبِ .. ثمَّ تكتشِفُ أنَّ ألوانَكَ انتهَتْ .. فإن اللَّوحَةَ لن تعني إلا لاشيءَ .. وستُضْطَرُّ في النهاية إلى أنْ تتأملَها وحدَكَ .. وتخبئَها تحتَ شجرةِ اليقطِينِ التي جفَّتْ منذُ زَمَنٍ .. أو تُوصِيَ بأن تُدفَنَ مَعَكَ في قَبْرِكَ !!

 -سلامتُكَ يا عمُّ , أطالَ اللهُ في عُمْرِكَ .. خيرٌ إنْ شاءَ اللهُ ؟!

اقتربَ منهُ .. وجلسَ بقربِهِ ..ثم أخرَجَ من جيبِهِ دفتراً صغيراً وبدأَ يسألُهُ وهو يجيبُهُ .. ثمَّ شكَرَهُ ومضى سعيداً بسبقِهِ الصّحَفِيِّ عنْ ( محنةِ أديبٍ تجرِّدُه الكتبَ وأكسجينَ الحياةِ ..)

  قَفَزَتْ في داخِلِهِ ضِحْكَةٌ مُنْـَتحِبَةٌ .. شَعَرَ بها تجرُّه إلى غابةِ الفنجَانِ المظلِمَةِ .. لمْ يشعُرْ بالخوفِ هذِهِ المرَّةَ .. ابتسَمَ ابتسَامَةً مُتَرَهِّلَةً وهوَ يُعِيدُ تَرتيبَ الكُتُبِ عَلَى المبسَطِ ..

ثَّم هَمَسَ :

-لمْ أُخْطِئْ في ظَنـِّي , سَأَتَصَدَّرُ الصَّفْحَةَ الأُولَى !!

 النمور في اليوم العاشر

قصة بقلم : زكريا تامر

عن موقع القصة السورية

http://www.syrianstory.com

        رحلت الغابات بعيداً عن النمر السجين في قفص، ولكنه لم يستطع نسيانه، وحدق غاضباً إلى رجال يتحلقون حول قفصه وأعينهم تتأمله بفضول ودونما خوف وكان أحدهم يتكلم بصوت هادئ ذي نبرة آمرة: إذا أردتم حقاً أن تتعلموا مهنتي، مهنة الترويض، عليكم ألا تنسوا في أي لحظة أن معدة خصمكم هدفكم الأول، وسترون أنها مهمة صعبة وسهلة في آن واحد.

انظروا الآن إلى هذا النمر: إنه نمر شرس متعجرف، شديد الفخر بحريته وقوته وبطشه، ولكنه سيتغير ويصبح وديعاً ومطيعاً كطفل صغير.. فراقبوا ما سيجري بين من يملك الطعام وبين من لا يملكه، وتعلموا.

فبادر الرجال إلى القول إنهم سيكونون التلاميذ المخلصين لمهنة الترويض.

فابتسم المروض مبتهجا، ثم خاطب النمر متسائلا بلهجة ساخرة: كيف حال ضيفنا العزيز؟ قال النمر: أحضر لي ما آكله، فقد حان وقت طعامي.

فقال المروض بدهشة مصطنعة: أتأمرني وأنت سجيني؟ يالك من نمر مضحك!! عليك أن تدرك أني الوحيد الذي يحق له هنا إصدار الأوامر. قال النمر: لا أحد يأمر النمور.

قال المروض: ولكنك الآن لست نمراً.

أنت في الغابات نمر.

وقد صرت في القفص، فأنت الآن مجرد عبد تمتثل للأوامر وتفعل ما أشاء.

قال النمر بنزق: لن أكون عبداً لأحد.

قال المروض: أنت مرغم على إطاعتي؛ لأني أنا الذي أملك الطعام.

قال النمر: لا أريد طعامك.

قال المروض: إذن جع كما تشاء، فلن أرغمك على فعل ما لا ترغب فيه.

وأضاف مخاطباً تلاميذه: سترون كيف سيتبدل؛ فالرأس المرفوع لا يشبع معدة جائعة.

وجاع النمر، وتذكر بأسى أيامًا كان فيها ينطلق كريح دون قيود مطارداً فرائسه.

وفي اليوم الثاني أحاط المروض وتلاميذه بقفص النمر، وقال المروض: ألست جائعاً؟ أنت بالتأكيد جائع جوعاً يعذب ويؤلم.. قل إنك جائع فتحصل على ما تبغي من اللحم.

ظل النمر ساكتاً، فقال المروض له: افعل ما أقول ولا تكن أحمق.

اعترف بأنك جائع فتشبع فوراً.

قال النمر: أنا جائع.

فضحك المروض وقال لتلاميذه :ها هو ذا قد سقط في فخ لن ينجو منه.

وأصدر أوامره، فظفر النمر بلحم كثير.

وفي اليوم الثالث قال المروض للنمر: إذا أردت اليوم أن تنال طعاماً، فنفذ ما سأطلب منك.

قال النمر: لن أطيعك.

قال المروض: لا تكن متسرعاً، فطلبي بسيط جداً .

أنت الآن تحوم في قفصك، وحين أقول لك: قف، فعليك أن تقف.

قال النمر لنفسه: إنه فعلاً طلب تافه، ولا يستحق أن أكون عنيداً وأجوع.

وصاح المروض بلهجة قاسية آمرة: قف.

فتجمد النمر تواً، وقال المروض بصوت مرح: أحسنت.

فسر النمر، وأكل بنهم، بينما كان المروض يقول لتلاميذه: سيصبح بعد أيام نمراً من ورق.

وفي اليوم الرابع، قال النمر للمروض: أنا جائع فاطلب مني أن أقف.

فقال المروض لتلاميذه: ها هو ذا قد بدأ يحب أوامري.

ثم تابع موجهاً كلامه إلى النمر: لن تأكل اليوم إلا إذا قلدت مواء القطط.

وقلد مواء القطط، فعبس المروض، وقال باستنكار: تقليدك فاشل.

هل تعد الزمجرة مواء. فقلد النمر ثانية مواء القطط، ولكن المروض ظل متهجم الوجه، وقال بازدراء: اسكت.. اسكت.. تقليدك ما زال فاشلاً.

سأتركك اليوم تتدرب على مواء القطط، وغداً سأمتحنك.

فإذا نجحت أكلت أما إذا لم تنجح فلن تأكل. وابتعد المروض عن قفص النمر وهو يمشي بخطى متباطئة، وتبعه تلاميذه وهم يتهامسون متضاحكين.

ونادى النمر الغابات بضراعة، ولكنها كانت نائية.

وفي اليوم الخامس، قال المروض للنمر: هيا، إذا قلدت مواء القطط بنجاح نلت قطعة كبيرة من اللحم الطازج.

قلد النمر مواء القطط، فصفق المروض، وقال بغبطة: عظيم! أنت تموء كقط في شباط.

ورمى إليه بقطعة كبيرة من اللحم.

وفي اليوم السادس، وما إن اقترب المروض من النمر حتى سارع النمر إلى تقليد مواء القطط، ولكن المروض ظل واجمًا مقطب الجبين، فقال النمر: ها أنا قد قلدت مواء القطط.

قال المروض: قلد نهيق الحمار.

قال النمر باستياء: أنا النمر الذي تخشاه حيوانات الغابات، أُقلد الحمار؟ سأموت ولن أنفذ طلبك!

فابتعد المروض عن قفص النمر دون أن يتفوه بكلمة.

وفي اليوم السابع، أقبل المروض نحو قفص النمر باسم الوجه وديعا، وقال للنمر: ألا تريد أن تأكل؟

قال النمر: أُريد أن آكل.

قال المروض: اللحم الذي ستأكله له ثمن، انهق كالحمار تحصل على الطعام.

فحاول النمر أن يتذكر الغابات، فأخفق، واندفع ينهق مغمض العينين، فقال المروض: نهيقك ليس ناجحاً، ولكني سأعطيك قطعة من اللحم إشفاقاً عليك.

وفي اليوم الثامن، قال المروض: سألقي مطلع خطبة، وحين سأنتهي صفق إعجاباً.

قال النمر: سأصفق.

فابتدأ المروض إلقاء خطبته، فقال: "أيها المواطنون.. سبق لنا في مناسبات عديدة أن أوضحنا موقفنا من كل القضايا المصيرية، وهذا الموقف الحازم الصريح لن يتبدل مهما تآمرت القوى المعادية، وبالإيمان سننتصر" .

قال النمر: لم أفهم ما قلت.

قال المروض: عليك أن تعجب بكل ما أقول، وأن تصفق إعجاباً به.

قال النمر: سامحني أنا جاهل أُميٌّ وكلامك رائع وسأصفق كما تبغي.

وصفق النمر فقال المروض: أنا لا أحب النفاق والمنافقين ستحرم اليوم من الطعام عقاباً لك. وفي اليوم التاسع جاء المروض حاملاً حزمة من الحشائش، وألقى بها للنمر، وقال: كل، قال النمر: ما هذا؟ أنا من آكلي اللحوم.

قال المروض: منذ اليوم لن تأكل سوى الحشائش.

ولما اشتد جوع النمر حاول أن يأكل الحشائش فصدمه طعمها، وابتعد عنها مشمئزاً، ولكنه عاد إليها ثانية، وابتدأ يستسيغ طعمها رويداً رويداً.

وفي اليوم العاشر اختفى المروض وتلاميذه والنمر والقفص؛ فصار النمر مواطناً، والقفص مدينة.

 

سقوط الأقنعة

قصة بقلم : يحيى الصوفي

موقع القصة السورية :

http://www.syrianstory.com/

          كان لقاءهما بعد سنين طويلة من الفراق يشبه الحلم...وبالرغم من ترددها في السعي إليه بعد هاتفه المفاجئ إلا أنها لم تتأخر من التقاط اللحظة الأليمة التي تفرقا فيها -متوجها كل منهما إلى مصيره وحياته- معتبرة بان الزمن قد توقف عند الساعة السادسة مساء يوم الخميس السادس من شهر أيلول منذ ستة وعشرون عاما.!... وبان اليوم السابع من الأسبوع هو اليوم الضائع من حياتها والذي كان عليها أن تسترده لتتربع به على عرش السكون وترتاح.!

وكانت وهي ترتمي بين ذراعيه تستغرب من هذه المفارقة العجيبة أن تأخذ عقارب الساعة مسيرها المعتاد بعد كل هذه السنوات ومن نفس اللحظة التي توقفت عندها.!

ولهذا فهي لم تتوانى لحظة واحدة من إخراج عقدها البسيط المكون من حصاة كبيرة حفرت عليها أولى الحروف من اسميهما بعد أن لبست الصدرية المطرزة التي يحبها وأسقطت شعرها على كتفيها العاريين حتى يتسنى له من رؤية وتقبيل (الشامة) علامتها الفارقة المحببة لديه.!؟....وبالرغم من الجهد الواضح الذي بذلته لكي تبدو اصغر سنا كما تركها إلا إنها لم تستطع أن تخفي خطوط الزمن الواضحة على وجنتيها والكثير من البقع البنية التي بدأت بالانتشار في كل مكان حول رقبتها بالرغم مما أضافته عليها من مساحيق.

والشعور بالفرح العارم الذي لمسته في عينيه وهو يضمها إليه لم يمنحها الجراءة الكافية للابتعاد عن صدره بعد إن أسندت رأسها الصغير عليه وقد طوقته بكلتا ساعديها خوفا من أن تقرأ في وجهه شيئا آخر غير ما تتمناه.!... فلقد بدا لها وسيم جدا بهامته الرزينة وأكثر جاذبية من قبل وقد أضفت الخطوط البيضاء اللامعة على شعره الكث الأسود الكثير من الوقار...فأطبقت عليه بشدة تنشد بعض من المؤازرة وهي تستنشق عبير جسده الممزوج بعطره المعتاد لتأخذ بها تلك الرائحة الذكية التي تعشقها إلى لحظات خلوتهما القليلة وتزيد من خفقان قلبها وترعش مفاصلها كعصفور صغير وقع لتوه  بالأسر.!...فتراءت لها صورة أول لقاءها به -أمام مدرسته الثانوية- يستند إلى دراجته الهوائية وهو يرمقها بنظراته الحنونة وابتسامته البريئة كالأطفال.؟...ولم تكن تعلم بان ابتسامتها الساخرة منه سيكون لها ذلك التأثير السحري عليه ليبدأ في مطاردتها ويكرس بكل جدية قصة حب من طرف واحد.!؟... فلقد كانت بحكم تقارب السن فيما بينهما تعتبره مراهقا حالما في حين تتمتع هي بكل عوامل التعقل والرشد ولم تجاريه في لعبته إلا مواساة وشفقة عليه لأنها تدرك تماما بأنه يحتاج لأكثر من عشر سنوات حتى يبني نفسه فيها في حين تكون هي قد تزوجت وأنجبت واستقرت وبان قوانين المجتمع الذي تعيش فيه لن تترك لها عذرا واحدا لكي تأخذ مبادرته بحبها واهتمامه بها على محمل الجد.!؟...ولم تشعر بوقوعها في فخ لعبتها تلك وبصدق مشاعرها نحوه إلا بعد أن افترق عنها تاركا خلفه تلك الآثار البسيطة المكونة من بضع رسائل ومنديل وهذا العقد البسيط المصنوع من خيط القنب والمعلق عليه حصاة لامعة كان قد تفنن في نقش حروف اسميهما عليها وبعض من الورود الجافة التي احتفظت بهم في صندوق صغير كانت قد أودعته بيت والديها ولم تفرج عنه إلا منذ أيام.!؟...

ولهذا فلقد كانت تعتبر ظهوره ثانية في حياتها هو الملاذ الأخير الآمن من الوحدة القاتلة التي تعيشها بعد أن ترملت واخذ كل من أولادها طريقه في الحياة. وبان عليها وقد وجدت نفسها في حضنه الدفيء يوزع قبلاته العطشى عليها هامسا في أذنيها كلماته العذبة الحنونة أن تستسلم له بكل جوارحها.

فلقد آن الأوان لها أن تكشف عن صدق مشاعرها وعظمة ذلك الحب الذي تحفظه له وان تتخلص وللأبد من أقنعتها المزيفة الواهية التي كانت تظهر بها أمامه.!؟.... ولكي لا يفهم صمتها على انه استسلام من له دين عليها بادرت في عناقه بحرارة وشوق وهي تلتصق به متكورة كجنين لم يغادر رحم أمه بعد.

 

قبلات تائهة

قصة بقلم : د. محمد الدروبي

عن القصة  السورية

http://www.syrianstory.com/d.m.drobi.htm

 

الهاجس الذي لفها كثوب تقوى وطالعها في ثنايا الساعة لا يتزحزح، لا يترنح، لا يكف عن بعث الخشية في أوصالها. فهذا زمن وذاك زمن آخر، وكلاهما يحترق على أطراف يومها وعنادها. وها هي شمعة الشباب تذوب في ظلمات روحها دون أن تشق درباً للرؤية، ودون أن تُنير. فهي تريد الخلاص، أو الانطلاق، أو التحرر من القبلات الباردة في نهاية يوم متعب. هي تريد أن تشيع زمناً من الوصايا، وزمناً من ليالي السوق إلى الاستثمار بعصا الواجب. هي تعلم، وهم لا يعترفون: النهايات تتكون قبل أن تُدون.

الهاجس الذي طالع "حُسنية" كضربة نحس، ينمو سريعاً في عراء الرغبة، يشدها نحو مواجهات لا يُعرف عصيها، أو مدى دفقها، أو ملامح امتداداتها. انقضى نحو عامين من التظلل في خيمة الكتمان والحرص ومحاولة النسيان. العاصفة المدوية في صدرها تقوى وتشتد مع الأيام، وتكاد أن تمزق صبرها وحلمها. وحيلتها على حالها؛ متجمدة من الخوف والشقاء في ركن ميت من الفعل. الصراخ ممنوع، والاحتجاج معصية، واغتصاب القبلات من شفتيها المارقتين عن الشهوة فيه من الفضائل فضيلة السترة والطاعة والعفة!

 

وهذا الرجل المشدوه بجرائد تفيح منها رائحة الدم والقتل والبارود لا يعبأ بمعاناتها. يرجع إلى البيت من مكتبه مقلعاً عن الكلام والابتسام والسلام. يمشط ذقنه في أريكته، ويفتح شهيته لكلمات المذيع في التلفاز وهو يهرب من خبر سيء إلى خبر مؤلم. يكتئب على هدى هموم الساعة، فيرمق "حُسنية" شرراً، أو قهراً، أو عجزاً، ويشفع من اللحظة بالنوم والشخير. يتركها فريسة لملل الليل الطويل. ليلها صاخب بنداءات العوز في دائرة الشعور بالوحدة الضيقة. في الواقع، ليلها يتواصل مع نهارها منذ أن ركب "شارون" خيل غروره وعنجهيته واستعلائه وتحدى الأطفال والحجارة وقُراء الصحف والطالع والمصير في ساحاتهم المقدسة.

 

يوم ذاك، عاد زوجها من مقاهي الكلام الفارغ في ساعة متأخرة من السهرة. بدا محتقناً بالغضب والانكسار. رمقها بفجور وامتعاض، وانكب على المائدة يعلك غيضه. وبعد حين من اجترار المرارة بنهم، نهض متباطئاً وجرها من يدها كالخروف إلى السرير. داعب جسدها البارد بعنف وعدوانية. قبل شفتيها الميتتين وهو شارد الذهن. أحست "حُسنية" بقشعريرة وكادت أن تتقيأ. لكن زوجها لا ينتبه، لا يهتم، لا يكترث. جيش الحجارة يجب أن يكبر ويتنوع. جيل جديد يجب أن يتكون على وقع العجز ويمحو عار الآباء.

 

ومن حيث انتهى من احتقانه أغمض عينيه وتاه وراء الأحلام. نهضت "حُسنية" من السرير بهدوء، وركضت إلى الحمام. بصقت على شفتيها. غسلت شفتيها، وطالعت بقايا القهر في مقلتيها الحزينتين. ناجت ربها:

 

- أستعين بك وحدك. أرحمني من القبلات التائهة.

 

ومضى الزمن يرسم في أوراق أيامها نكبة في كل نكبة وهزيمة في كل هزيمة وخيبة في كل خيبة. عيونها دائماً شاخصة إلى السماء بحثا عن أمل أو فراغ تُضيع وجودها في أفاقه. لكن صور الموت والدمار والتحدي عن بعد والقبلات المتشنجة بالعجز تنتزع منها كل بارقة أمل، تحرمها من الشعور بالطمأنينة، تقذفها إلى بربرية الوحدة والقنوط. تسمع من حين إلى حين عن مظاهرات تخنق الشوارع. زوجها هو الذي يقود تلك المظاهرات، وهو الذي يكتب الشعارات، وهو الذي يعد ويتوعد، وهو الذي يجعلها تبصق على شفتيها. وفي مثل هذه الحالات، كانت "حُسنية" تنطوي على ذاتها وتبكي في حجرتها المغلقة على همومها ومعاناتها، وتتذكر:

 

- وماذا ينفع الصراخ في ملعب كرة قدم؟

 

أسئلتها تكاثرت وتعقدت وثقلت مع تكاثر شعبية "شارون" بين أوساط اليهود. حرجها كبر أمام جسدها المغتصب يوماً بعد يوم، وكذلك أمام الرجل المقاتل من خلال قراءة الصحف والمسبة والإدانة. لجأت إلى الابتهال لله كي لا تكره نفسها. كانت "حُسنية" متيقنة من أنها لا تملك مفاتيح الخروج من هذه الدائرة. يمكنها أن تمزقها وحسب، ويمكنها أن تنجو من فعلتها هذه أو لا تنجو. وهاجس الخلاص لا يدعها لحظة واحدة.

 

قبل بضعة أيام، أيقظتها أنياب زوجها في ساعة مبكرة من الصباح. كان هلوعاً وعيونه تلمع بالجنون. عجنها بقبضاتها وعصبيته. عضها بدل أن يقبلها. أنهكها ولم يتركها. لم تفهم "حُسنية" شيئاً، وإن كان الظن قد راودها بأن إسرائيل أنجبت شاروناً جديداً. قال في نهاية المطاف موضحاً:

 

- من المرجح أن يحتاج العراق أطفال حجارة، يجب أن نستعد.

 

نظرت إليه بأسى، بهدوء، برباطة جأش، وقالت كلمة قاطعة:

- الطلاق