
رواية مترجمة
(الجزء الأول)
د.مادلين حنا
(1)
رن جرس الهاتف فجأة ليوقظنى من نوم طال انتظاره فى ليله بارده .. مددت يدى فى
تكاسل لأرد على الهاتف
- آلو
- عزيزتى انه انا
- ماذا تريد فى هذا الوقت المتأخر ؟؟
- أردت أن أعلمك بأننى قادم غداً صباحاً
- و ما الجديد فى ذلك حضورك مثل غيابك
- ليست هذه ساعه مناسبه للنقاش
- كما أنها ليست ساعه مناسبه لايقاظ الناس من النوم
- أيه ناس ؟؟ إننى أكلم زوجتى فى بيتى ..
- تصحيح للمعلومة أنت تكلم من تعتبرها زوجتك فى بيتها المملوك لها
- لن يشكل ذلك فارقاً يا عزيزتى
- بل سيشكل فارقاً كبيراً
- كم أنتِ عنيدة ..!!
- طالما أنت قادم فى الصباح من فضلك إتركنى لأنام ..
- عزيزتى كنت أود لو ..
- تصبح على خير ..
أغلقت الهاتف فى وجهه و عدت للنوم مجدداً إلا أن الهاتف رن للمره الثانية ..
آه لو كان هو .. إنه يتعمد إستفزازى مجدداً ..
- آلو .. عزيزتى لم أقفلتى الخط ؟؟
- إذهب من هنا و دعنى انام و غداً سنتكلم
أغلقت الخط مجدداً و قمت من على سريرى و نزعت سلك الهاتف من المقبس فى سرعة ..
نظرت للساعه التى كانت تشير للخامسه إلا عشر دقائق فجراً ..
(2)
بالأمس قال إنه سيعود اليوم صباحاً ..
أشعر بالتوتر أثناء عملى و ربما بعض الإرهاق لأنه و منذ أن أيقظنى بمكالمته
السمجة فى الخامسة صباحاً لم أنم بعد ..
أتوقع فى كل لحظة بأنه سيتصل بى على طريقة الأفلام الأمريكية قائلاً : أنا هنا
..
لكنه لم يفعلها ..
خلال ثمان ساعات فقط فى العمل تناولت خمسه كئوس من الفودكا و ثلاثة أكواب كبيره
من القهوة الأمريكية عديمة الطعم و كوب صغير من القهوة التركية الزكية الرائحة
و افتعلت ثلاث مشاجرات عابره مع شريكتى فى المكتب احداها كاد أن يتطور لولا
تماسكى فى اللحظات الأخيرة ..
عدت للبيت منهكه القوى و أنا أدعو بألا يأتى اليوم ..
راجعت دفتر مواعيدى لأكتشف أننى مرتبطة بتناول الغداء عند أختى غداً ..
حل المساء و لم يأت بعد ..
لو شاء له أن يأتى و لو لديه ارتباطات أخرى فهو حر ..
إرتباطات أخرى .. كلمة جميلة مطاطه لطالما كانت مصطلحه المفضل ..
لكننى أعلم بأنه أجبن من أن يواجهنى ..
ربما لديه محاولة أخيرة أو كارت اخير سيلقى به على المائدة لكننى لن أقبل بأى
كلمات منه مجدداً ..
مساء السبت كل الناس تقضيه مع من يحبون فى العالم كله لكننى هنا سأقضيه وحدى
أشاهد فيلماً مملاً على التلفاز ..
غلبنى النعاس من شده إرهاقى فلم أكمل الفيلم ..
(3)
اليوم هو الأحد ..
صحوت فى تكاسل قبل موعد الكنيسة بحوالى الساعة ..
أثناء حمام الصباح رن الهاتف المزعج فأجبرنى على الخروج من تحت المياه عارية
تقريباً لأجده هو المتصل
- آلو .. صباح الخير عزيزتى .. وصلت بالأمس متأخراً لظروف الطيران و لم أستطع
أن أمر عليكى لأن الوقت كان متأخراً و الـ...
- لا مشكله فى ذلك حتى لو كنت أتيت لكنت وجدتنى نائمة
- نائمة أم كنتِ تقضين ليلة السبت فى المرح
- اى مرح هذا ؟!
- أنا أمزح فقط .. عزيزتى ألم تشتاقى لمزاحى القديم ؟!
- لا
- ماذا حل بكِ ؟
- أحقاً لا تعرف ؟؟
- عموماً سأمر عليكى اليوم لنتحدث مجدداً .. يمكننا أن نتناول الغداء معاً لو
طهوتى لى سلطة الكرنب التى أحبها مع سمك الـ...
- سأتناول غدائى عند أختى اليوم ..
- إذن ما رأيك فى أن أمر عليكى فى المساء ؟؟
- الساعه الخامسه موعد مناسب لك بكل تأكيد ليبقى لك الليل خالياً من أى
إرتباطات
- إتفقنا الساعه الخامسة و لا تنسى زجاجه (سميرنوف) التى أحبها ..
- لا تقلق من ذلك .. المهم لا تتأخر
- أحضرت لكى معى ثوباً من أرقى متاجر باريس
- إلى اللقاء
أغلقت الهاتف فى وجهه مجدداً و عدت لأكمل حمامى ..
(4)
إنتهى القداس كالمعتاد و بدأ الناس إما فى الإنصراف أو بأخذ دورهم فى طلب
المشورة أو الإعتراف و لما كنت أعرف القس جيداً حيث كان أخوه زميلاً لى فى
دراستى فقد أفسح لى دوراً فى مقدمة الناس و أدخلنى حجرة المشورة و هو يبادرنى
بالسؤال :
- هل من جديد
- لا شيىء مفرح
- طالما لا شيىء يحزن فاشكرى الرب
- سأقابله اليوم
- من ؟ زوجك ؟!
- و من غيره ؟
- و ماذا تنوى أن تفعلى ؟
- سأطلب الطلاق طبعاً
- ألم تراجعى نفسك مجدداً ؟؟
- يا أبتِ أنت بالذات أكثر من يعلم كم احتملت .. يسافر و يأتى بلا مواعيد و لا
يقول إلى أين و ماذا يعمل بالضبط .. مكالمات هاتفيه غامضة .. أموال تأتى و تروح
لا أعلم من أين تأتى و فيم تذهب .. نساء يقابلهن فى مكتبه و خارجه فى أماكن
مشبوهه .. كذب فى كل شيىء حتى أبسط الأمور .. حتى فحوصات الخصوبة زورها ليثبت
أننى أنا السبب فى عدم إنجاب الأطفال و ليس هو ..
- لكنه مدين لك بتفسيرات لكل ذلك .. إسمعيه ..
- بل إسمع أنت يا أبتِ .. لكى يكون الطلاق صحيحاً بحسب الكنيسة لابد من يكون
الطلاق لعلة زنا أحد الزوجين و قد أثبت عليه التهمه و لو شئت أسمعك شريط
التسجيل لمكالمته مع تلك الملعونة و قد تتبعته حتى هناك و رأيتهما بأم عيناى و
أقسم على ذلك ..
- تذكرى جيداً "ما يجمعه الله لا يفرقه إنسان"
- و متى جمعنا الله ؟؟ .. لقد تزوجته عندما صدقت كذبه و كلامه المعسول عن الحب
و الحياه المستقرة الهادئة و المال و المستقبل .. كلها أوهام .. أنا أستحق كل
ذلك و أعترف بأننى خاطئة منذ أن قبلت بزواجه .. عندما تزوجنا كان حلم كل فتاه
فى روسيا الزواج من رجل أعمال ثرى و شاب ووسيم لكننى إكتشفت أننى تزوجت من
شيطان..
- لن يجعلك تحصلى على الطلاق بسهوله
- سأجرب ..
- حاولى معه و ليكن الرب معك ..
صليت مجدداً لكى يكون الرب معى اليوم هذا المساء ليحررنى من ذلك السجن اللعين
..
غادرت الكنيسه و قدماى تتخبطان فى جموع الشحاذين المستلقين فى الساحة ..
لماذا لم يدخلوا ليصلوا و يطلبوا من الله أن يعطيهم ؟؟
لعلهم يأسوا من الصلاه دون جدوى فى زمن إنتهت فيه المعجزات ..
(5)
عدت للمنزل مجدداً لكى أتصل بأختى أعتذر لها عن موعد الغداء و تعللت بصداع ألم
برأسى لكننى أحسست بأنها تشعر بما سيحدث ..
فتحت خزانه ملابسى لأنتقى ثوباً مناسباً لتلك المقابله الحاسمه أو المعركة
الفاصلة فى رأييى .. الأسود مناسب لكننى أرى أن الأزرق يلائم أكثر من الأسود
المكشوف الذراعين ..
فى تمام الرابعه و النصف كنت أرتدى الثوب الأزرق الداكن و أجهز زجاجة فودكا
(سميرنوف) و كأسين و بضع مكعبات من الثلج على طاوله الطعام التى نقلتها إلى
واجهه المنزل أمام الباب مباشرة لكى لا امنحه الفرصه للتوغل أكثر من ذلك فى
ميدان المعركة ..
وقفت أمام المرآه فى لحظة صمت أسترجع فيها ماذا سأقول للمرة الألف تقريباً ..
نظرت لوجههى .. ربما يبدو علىّ بعض التوتر .. لكنه معتاد فى مثل هذه الظروف ..
الأحمر الفاتح على شفتاى ربما لا يناسبه إن أراد قبله أخيره قبل الإنفجار و ظل
الجفون الأزرق الباهت يبدو ملائماً للثوب الأزرق و تلك القلاده التى أهدتها لى
أمى بتميمتها الزرقاء المثلثة تكمل طاقم سهره ممتاز و ليس ثوباً لامرأه توشك
على دخول معركة ..
قالت لى أمى يوماً أن تلك التمائم الزرقاء كانت تجلب الحظ عند الفراعنه لكنها
نست بأن الفراعنه انقرضوا إلى غير رجعه و لم يبق منهم سوى ثلاث أهرامات وسط
صحراء قاحلة .. أتمنى لو تصدق كلمات أمى لمرة و تجلب لى تلك القلادة الحظ هذه
الليلة فقط ..
فى تمام الخامسة رن جرس الباب .. و دق قلبى بعنف و أنا أنظر من خلف الباب لأجده
واقفاً يعدل ربطه عنقه الزاهيه محاولاً رسم إبتسامه و يحمل فى يده اليسرى حقيبة
هدايا كبيره ..
نظرت للسماء و أنا أفتح الباب و أتمتم .. يارب كن معى ..
==================
إنتظروا الجزء الثانى للقصة فى مرايا القص ..
النص الأصلى للكاتبة الروسية : هيلانا أندرييف
من مجموعتها القصصية (لقطات عابرة لرجل و إمرأه)
الترجمة من الروسية للإنجليزية : كارول اينليت
ترجمتها للعربية بتصرف : د.مادلين حنا